جون هيلي.. من النشاط النقابي إلى إدارة الخزانة البريطانية
عندما اختار آندي بيرنهام جون هيلي وزيرًا للخزانة في يوليو/تموز 2026، بدا التعيين مفاجئًا لسببين. أولهما أن اسمه ارتبط طوال السنوات الأخيرة بملف الدفاع لا الاقتصاد، وثانيهما أنه كان قد استقال قبل أسابيع فقط من حكومة كير ستارمر بسبب خلاف على تمويل القوات المسلحة.
لكن النظر إلى مسيرته الطويلة يكشف أن وصوله إلى الخزانة لم يكن قفزة كاملة في المجهول؛ فقد عمل إلى جوار غوردن براون، وشغل عدة مناصب داخل وزارة الخزانة، وأمضى قرابة ثلاثة عقود في مجلس العموم، متنقلًا بين ملفات الاقتصاد والإسكان والحكم المحلي والدفاع.
ولا يُعرف جون هيلي بالخطب النارية أو الحضور الاستعراضي. إنه من السياسيين الذين يصعدون ببطء، مثل ماء يتسلل بين الصخور، حتى تجدهم فجأة في واحد من أقوى المناصب داخل الحكومة.
من هو جون هيلي؟
وُلد جون هيلي في مدينة ويكفيلد بمقاطعة غرب يوركشاير في فبراير/شباط 1960، وتلقى تعليمه في مدرستي ليدي لوملي في بيكرينغ وسانت بيتر في يورك، قبل أن يدرس العلوم الاجتماعية والسياسية في كلية كرايست التابعة لجامعة كامبريدج.
عمل لفترة قصيرة في الصحافة البرلمانية، ثم انتقل إلى القطاع التطوعي، فشارك في حملات لتحسين حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والخدمات المقدمة إليهم. وشملت الجهات التي عمل معها المعهد الملكي الوطني للصم ومنظمة “مايند” المعنية بالصحة النفسية.
وخلال النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، عمل في مجال الاتصالات داخل الحركة النقابية، ثم أصبح مديرًا للحملات في مؤتمر النقابات العمالية بين عامي 1994 و1997. كما عمل مدرسًا بدوام جزئي في كلية إدارة الأعمال بالجامعة المفتوحة، وفق سيرته المنشورة على موقعه الرسمي.
تضعه هذه الخلفية داخل تقليد مألوف في حزب العمال، يجمع بين النشاط النقابي والعمل الأهلي ثم الانتقال إلى البرلمان، لكنها لا تجعله سياسيًا يساريًا تقليديًا بالضرورة. فقد أمضى معظم مسيرته داخل مؤسسات الدولة والحزب، وفضّل العمل التفصيلي على الشعارات الكبيرة.
محاولة انتخابية فاشلة قبل دخول البرلمان
حاول هيلي دخول مجلس العموم للمرة الأولى في انتخابات عام 1992، عندما ترشح عن حزب العمال في دائرة رايديل، لكنه حل في المركز الثالث.
وجاءت فرصته الحقيقية في انتخابات 1997، التي أعادت حزب العمال إلى الحكم بقيادة توني بلير. فاز وقتها بمقعد وينتوورث في جنوب يوركشاير، واحتفظ بتمثيل المنطقة منذ ذلك الحين، وإن تغير اسم الدائرة وحدودها أكثر من مرة.
أصبح نائبًا عن وينتوورث ودييرن عام 2010، ثم انتُخب عن دائرة راومارش وكونيسبرو الجديدة في انتخابات 2024. ويوضح سجله البرلماني أنه عضو مستمر في مجلس العموم منذ مايو/أيار 1997.
وقد ساعده ارتباطه الطويل بمنطقة روثرهام على تقديم نفسه بوصفه ممثلًا للمناطق الصناعية والعمالية التي شعرت، خلال العقود الأخيرة، بأنها ابتعدت عن مركز الاهتمام السياسي والاقتصادي في لندن.
من مساعد لغوردن براون إلى وزارة الخزانة

بدأ هيلي صعوده داخل الحكومة عندما أصبح مساعدًا برلمانيًا لغوردن براون، الذي كان يشغل منصب وزير الخزانة، بين عامي 1999 و2001.
وفي عام 2001، حصل على أول منصب وزاري له مسؤولًا عن مهارات البالغين، قبل أن ينتقل إلى وزارة الخزانة في العام التالي. وعمل وزيرًا اقتصاديًا للخزانة بين عامي 2002 و2005، ثم وزيرًا ماليًا للخزانة حتى عام 2007.
وبذلك أمضى خمس سنوات داخل الوزارة التي عاد لقيادتها بعد أكثر من عقدين. وخلال تلك الفترة، اكتسب خبرة في الضرائب والقطاع المالي والإنفاق الحكومي، وإن لم يكن اسمه من الوجوه الاقتصادية الأشهر في حكومتي توني بلير وغوردن براون.
انتقل بعد ذلك إلى وزارة المجتمعات والحكم المحلي، حيث تولى مسؤولية الحكم المحلي، ثم أصبح وزيرًا للإسكان والتخطيط في العام الأخير من حكومة العمال.
وتكشف هذه المناصب عن سمة أساسية في مسيرته: لم يرتبط هيلي بملف واحد طوال حياته السياسية، بل تنقل بين ملفات تقنية تحتاج إلى معرفة بتفاصيل الإدارة أكثر مما تحتاج إلى براعة في إشعال التصفيق داخل المؤتمرات الحزبية.
سنوات المعارضة وملف الإسكان
بعد خسارة العمال انتخابات 2010، تولى هيلي منصب وزير الصحة في حكومة الظل لمدة عام، ثم عاد لاحقًا إلى الصفوف الأمامية مسؤولًا عن ملف الإسكان.
ودافع عن توسيع الإسكان الاجتماعي وتنظيم سوق الإيجارات الخاصة، كما تقدم في عام 2013 بمشروع قانون كان يستهدف فرض نظام ترخيص وطني على وكلاء تأجير العقارات ومنع تحميل المستأجرين رسومًا غير عادلة.
ولم يتحول المشروع إلى قانون في ذلك الوقت، لكن الحكومة أقرت بعد سنوات حظرًا على معظم الرسوم التي يفرضها وكلاء التأجير على المستأجرين. ويعرض ملف موسع عن مسيرته ومواقفه دوره في حملات الدفاع عن الإسكان الاجتماعي وحقوق المستأجرين.
سياسيًا، لم يكن هيلي من المقربين إلى جيريمي كوربن. فقد استقال من حكومة الظل في عام 2016 ضمن موجة الاستقالات التي أعقبت الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وساند محاولة أوين سميث إزاحة كوربن من قيادة الحزب.
ومع ذلك، يصعب وضعه بالكامل ضمن يمين حزب العمال. فقد ارتبط أيضًا بمجموعة “تريبيون” المحسوبة على اليسار المعتدل، واحتفظ بعلاقات عمل مع أجنحة مختلفة داخل الحزب.
هذه المرونة قد تُقرأ باعتبارها قدرة على توحيد الفرقاء، وقد تُقرأ بطريقة أقل رومانسية باعتبارها حذرًا سياسيًا أبقاه بعيدًا عن المعارك الخاسرة. وفي وستمنستر، لا يوجد فارق كبير دائمًا بين الحكمة والانتظار بجوار الباب الصحيح.
كيف أصبح رجل حزب العمال في ملف الدفاع؟

عندما تولى كير ستارمر قيادة حزب العمال عام 2020، عيّن هيلي وزيرًا للدفاع في حكومة الظل. وجاء اختياره ضمن محاولة لإعادة بناء صورة الحزب في قضايا الأمن القومي، بعد سنوات من الانقسامات الداخلية بشأن السلاح النووي وحلف الناتو والتدخلات العسكرية.
تبنى هيلي موقفًا مؤيدًا لحلف الناتو، ودافع عن زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز التعاون الدفاعي مع الدول الأوروبية. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، أصبح دعم كييف محورًا رئيسًا في خطابه.
وعقب فوز العمال في انتخابات 2024، عينه ستارمر وزيرًا للدفاع. وتولى المنصب في وقت واجهت فيه القوات المسلحة ضغوطًا مالية ونقصًا في الأفراد ومخاوف بشأن جاهزية المعدات، بالتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد الاضطراب في الشرق الأوسط.
ركز هيلي على زيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، وإعادة بناء الصناعات الدفاعية، وتحسين مساكن أفراد القوات المسلحة. كما أشرف على استعادة الحكومة عشرات الآلاف من العقارات العسكرية التي كانت قد بيعت للقطاع الخاص في تسعينيات القرن الماضي.
لكن المشكلة القديمة بقيت معلقة فوق مكتبه: الحكومة تريد قوات أكثر استعدادًا، وتسليحًا أحدث، وحضورًا دوليًا أوسع، من دون أن تدفع دائمًا الفاتورة كاملة. وهي معادلة تصلح للخطب أكثر مما تصلح للجيوش.
استقالة وضعت حكومة ستارمر تحت الضغط
في يونيو/حزيران 2026، استقال جون هيلي من منصب وزير الدفاع بسبب خلاف مع كير ستارمر ووزارة الخزانة بشأن تمويل خطة الاستثمار الدفاعي.
قال هيلي إن الموارد المقترحة لا تكفي لمواجهة المخاطر الأمنية المتزايدة أو لتنفيذ الالتزامات التي أعلنتها الحكومة. وجاءت استقالته في لحظة سياسية صعبة بالنسبة إلى ستارمر، لتضيف إلى الضغوط التي انتهت لاحقًا بخروجه من رئاسة الحكومة.
كانت المفارقة واضحة: استقال هيلي لأنه طالب الخزانة بمزيد من الأموال للدفاع، ثم عاد بعد أسابيع ليتولى بنفسه مسؤولية الخزانة، حيث أصبح عليه الاستماع إلى وزراء يقدمون الطلب ذاته، ولكن لقطاعات أخرى.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لشخصيته السياسية. فمن السهل المطالبة بزيادة ميزانية الوزارة عندما تكون مسؤولًا عنها، لكن الأصعب أن تصبح الشخص الذي يتعين عليه قول “لا” للدفاع والصحة والتعليم والإسكان في الوقت نفسه.
لماذا اختاره آندي بيرنهام وزيرًا للخزانة؟
عيّن آندي بيرنهام جون هيلي وزيرًا للخزانة في الـ20 من يوليو/تموز 2026، بحسب الملف الحكومي الرسمي.
جاء الاختيار مفاجئًا؛ إذ كانت أسماء أخرى، من بينها إد ميليباند، مطروحة للمنصب. لكن هيلي امتلك ثلاث مزايا احتاج إليها رئيس الوزراء الجديد: خبرة حكومية طويلة، وقبولًا نسبيًا بين أجنحة الحزب، وصورة السياسي الجاد الذي لا يثير ذعر الأسواق المالية.
كما يشترك مع بيرنهام في الاهتمام بإعادة التصنيع ومنح المناطق الواقعة خارج لندن نصيبًا أكبر من الاستثمار والسلطة. وترى صحيفة الغارديان أن قدرته على عبور الانقسامات الداخلية كانت من أسباب اختياره للمنصب.
لكن تعيينه لا يعني أن العلاقة بين الرجلين ستكون خالية من الخلاف. يريد بيرنهام تمويل مشروعات الإسكان والرعاية الاجتماعية وإعادة الخدمات الأساسية إلى قدر أكبر من السيطرة العامة، في حين يتعين على هيلي المحافظة على قواعد الاقتراض وطمأنة الأسواق.
رئيس الوزراء يحمل قائمة الوعود، ووزير الخزانة يحمل الآلة الحاسبة؛ وفي الغالب تبدأ الخلافات الحكومية عندما يلتقي الاثنان.
ما توجهات جون هيلي الاقتصادية؟
لا يمتلك هيلي حتى الآن نظرية اقتصادية تحمل اسمه، ولا يُعرف بانتمائه الصريح إلى مدرسة اقتصادية محددة. لكنه يجمع بين ميل عمالي إلى الاستثمار العام وحماية الخدمات، وبين حرص مؤسسي على ضبط المالية العامة.
وفي أول خطاب له أمام موظفي وزارة الخزانة، حدد خمس أولويات: الانضباط المالي، وتحقيق النمو في مختلف المناطق، ودعم الوظائف والشركات البريطانية عبر المشتريات الحكومية، وتشجيع الاستثمار وتكوين الثروة، وخفض تكاليف المعيشة.
ويشير خطابه إلى أنه لا يريد تقديم نفسه بوصفه وزير تقشف جديدًا، لكنه لا يعد كذلك بفتح أبواب الإنفاق بلا قيود. فهو يسعى إلى استخدام الاستثمار العام لجذب رأس المال الخاص ودعم الصناعة، مع الالتزام بالقواعد المالية التي تحدد مساحة الاقتراض.
غير أن استقالته السابقة من وزارة الدفاع تثير سؤالًا مشروعًا: هل هو بالفعل حارس صارم للمال العام، أم وزير يميل إلى زيادة الإنفاق عندما يقتنع بأهمية القضية؟
لا توجد إجابة نهائية بعد. وربما تكمن شخصيته الاقتصادية تحديدًا في هذا التوتر بين الانضباط المالي والإيمان بأن الدولة لا تستطيع إصلاح الخدمات أو إعادة بناء الصناعة بالنيات الحسنة وحدها.
أول موازنة والاختبار الأصعب

من المقرر أن يقدم جون هيلي أول موازنة له في الـ28 من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وفق إعلان وزارة الخزانة.
وتأتي الموازنة وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض وضغوط على النمو والإنفاق العام، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية للحروب والتوترات الدولية على أسعار الطاقة والتضخم.
وقد التزمت الحكومة بعدم زيادة ضريبة الدخل أو ضريبة القيمة المضافة أو مساهمات التأمين الوطني، مع المحافظة على قواعد الاقتراض. لكن هذه التعهدات تضيق الخيارات المتاحة أمام وزير الخزانة إذا احتاج إلى توفير أموال إضافية للدفاع أو الصحة أو الإسكان.
كما سيواجه هيلي معضلة شخصية وسياسية تتعلق بالإنفاق العسكري. فقد استقال من وزارة الدفاع اعتراضًا على نقص التمويل، لكنه أصبح الآن المسؤول عن تحديد مقدار الأموال التي يمكن منحها للقوات المسلحة من دون فرض ضرائب جديدة أو إجراء تخفيضات في وزارات أخرى.
ولهذا لن تكون موازنته الأولى مجرد بيان للأرقام، بل أول اختبار يوضح ما إذا كان وزيرًا حذرًا جاء لطمأنة الأسواق، أم سياسيًا مستعدًا لتوسيع الاستثمار العام وتحمل مخاطره.
ماذا يعني منصبه للعرب والمقيمين؟
تؤثر قرارات وزير الخزانة مباشرة في حياة المواطنين والمقيمين، حتى عندما لا يظهر اسمه على الخطابات التي تصل إلى منازلهم.
فهو المسؤول السياسي الأول عن الضرائب والإنفاق العام وسياسة النمو، وتنعكس قراراته على تمويل هيئة الصحة الوطنية والمدارس والمجالس المحلية والإسكان والمواصلات والمساعدات الاجتماعية.
ولا يحدد وزير الخزانة قواعد التأشيرات أو قرارات اللجوء بنفسه، لكن التمويل الذي يوفره لوزارة الداخلية والمحاكم والمجالس المحلية يؤثر في سرعة معالجة الطلبات، ودعم اللاجئين، وخدمات الاندماج والمساعدة القانونية.
كما تؤثر سياساته المتعلقة بالشركات الصغيرة والعمل الحر والضرائب والأجور في عدد كبير من أبناء الجاليات العربية، إضافة إلى أثر أسعار الطاقة والفائدة والسكن في ميزانيات الأسر.
أما مواقفه السابقة في ملفات الشرق الأوسط، فتتضمن التصويت لمصلحة غزو العراق عام 2003، ثم إقراره لاحقًا بأن التدخل لم تدعمه خطة سياسية واقتصادية وأمنية كافية لما بعد الحرب. وصوّت في عام 2014 لمصلحة الاعتراف بدولة فلسطين، وعارض توسيع الضربات العسكرية البريطانية إلى سوريا عام 2015.
لكن وزارة الخزانة ليست مقعدًا للمراجعات التاريخية وحدها. فهي تشارك في تنفيذ العقوبات، وتمويل الدفاع، وتحديد حجم المساعدات الخارجية، ومراقبة التدفقات المالية. ولذلك ستُقاس مواقف هيلي بالقرارات التي يتخذها الآن، لا بالتصويتات القديمة فقط.
هل ينجح السياسي الهادئ في أقسى وظائف الحكومة؟
لا يتمتع جون هيلي بالشهرة التي تحيط بآندي بيرنهام أو إد ميليباند، ولم يقد حزب العمال أو يخض معركة علنية للوصول إلى رئاسة الحكومة. وربما كان هذا جزءًا من سر بقائه.
فقد قضى قرابة ثلاثين عامًا في مجلس العموم، وعمل مع حكومات وقيادات متباينة، وخرج من الصفوف الأمامية ثم عاد إليها أكثر من مرة. وهو أقرب إلى السياسي المؤسسي الصبور منه إلى الزعيم الذي يبني مسيرته على الكاريزما.
لكن وزارة الخزانة لا تسمح طويلًا بالبقاء في الظل. فكل زيادة ضريبية تحمل اسم الوزير، وكل تخفيض في الإنفاق يترك أثره على سمعته، وكل اضطراب في الأسواق يحول هدوءه إلى مادة للاختبار.
وصل جون هيلي إلى المنصب بعد مسيرة طويلة، لكن الطريق الحقيقي يبدأ الآن. فالرجل الذي استقال لأنه لم يحصل على الأموال الكافية أصبح مسؤولًا عن إخبار الآخرين بأن الأموال لا تكفي.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇