حين يصبح الطريق اختبارًا للرجولة… انتبهوا إلى أبنائكم
في الثالثة والنصف فجرًا، كان هناك أب في بريطانيا نائم، وربما كان يظن أن ابنه في مكان آمن.
وفي مكان آخر من شمال شرق إنجلترا، كانت سيارة تسير في الاتجاه الخطأ على الطريق A66.
بعد دقائق، لم يعد هناك من ينتظر عودة أحد.
سبعة أشخاص قتلوا في ذلك الاصطدام المروع قرب ميدلزبره، بينهم خمسة شبان وشرطيان، في حادث أعاد إلى بريطانيا، وبقوة مؤلمة، سؤالًا أكبر من الحادث نفسه: إلى أي حد يمكن أن يدفع بعض المراهقين والشباب حب المغامرة، وضغط الأصدقاء، ورغبة الظهور على وسائل التواصل، إلى تجاوز الخط الذي يفصل الجرأة عن الموت؟ (AP News)
وبعد أيام فقط، شهدت أيرلندا مأساة أخرى على الطريق السريع M9، حين اصطدمت سيارة كانت تسير في الاتجاه الخاطئ بسيارة أخرى، فقُتل خمسة مراهقين وأصيب أربعة أشخاص في المركبة الأخرى، بينهم طفل. وأثارت الواقعة غضبًا واسعًا بسبب تداول مقاطع على وسائل التواصل تمجّد القيادة الخطرة، حتى استُدعي TikTok إلى البرلمان الأيرلندي لتقديم تفسير حول كيفية تعامله مع هذا النوع من المحتوى.
لكن علينا أن ننتبه إلى شيء مهم: ليس كل حادث من هذا النوع «ترندًا»، وليس من العدل أن نحول مأساة A66 تحديدًا إلى قصة TikTok مكتملة الأركان قبل انتهاء التحقيقات. ما نعرفه يقينًا هو أن هناك ثقافة رقمية باتت تجعل بعض صور القيادة المتهورة والسرعة والهروب من الشرطة والاستعراض بالسيارات مادة للفرجة والتحدي. وهذا وحده كافٍ لكي نقلق.
ليس لأن أبناءنا سيئون.
بل لأنهم أبناء مرحلة عمرية شديدة الحساسية.
المراهق يريد أن يثبت نفسه. يريد أن يبدو شجاعًا أمام أصدقائه. يريد أن يشعر بأنه كبير، مستقلاً، ومختلف. وفي المجموعة قد يفعل أشياء لم يكن ليفعلها وحده.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا كآباء.
الحل ليس أن نقول لابننا: «أعطني هاتفك».
ولا أن نبدأ تحقيقًا بوليسيًا كلما خرج بالسيارة.
الحل أن نعرف عالمه.
من هم أصدقاؤه؟ ماذا يشاهد؟ ما نوع حسابات السيارات التي يتابعها؟ هل أصبح يتحدث عن السرعة والسباقات والهروب من الشرطة؟ هل يكرر عبارات مثل: «كل الشباب يسوونها» أو «نجربها مرة»؟ هل بدأ يعتبر تصوير المخالفة بطولة؟
هذه علامات تستحق الحديث، لا الصراخ.
فإذا وجدت ابنك يشاهد مقاطع القيادة الخطرة، لا تبدأ بـ«أنت ضايع».
اسأله:
«شو اللي يعجبك في هذا الفيديو؟»
قد تفاجأ بالإجابة.
وقد تكتشف أن القضية ليست حب الخطر أصلًا، وإنما الرغبة في أن يكون مقبولًا بين أصدقائه.
وهذه نقطة يجب أن نصل إليها مبكرًا.
علّم ابنك أن يقول «لا» عندما يكون «نعم» طريقًا إلى الكارثة.
وعلمه شيئًا أهم:
إذا ركبت مع شخص وبدأ يقود بطريقة خطرة، اتصل بي. سأأتي لأخذك. نتحدث عن الخطأ لاحقًا، لكنني أريدك حيًا أولًا.
قد تبدو هذه الجملة بسيطة، لكنها قد تكون في لحظة معينة أهم من كل العقوبات.
الأرقام البريطانية نفسها تدعونا إلى عدم الاستهانة. فالحكومة تقول إن السائقين بين 17 و24 عامًا يمثلون نحو 6% فقط من حاملي الرخص، لكنهم مرتبطون بـ24% من الاصطدامات المميتة والخطيرة. ولهذا طرحت الحكومة في استراتيجيتها الجديدة للسلامة على الطرق فكرة فرض فترة تعلم دنيا قبل الحصول على الرخصة الكاملة.
المشكلة إذن ليست «TikTok» وحده.
إنها مزيج من قلة الخبرة، وضغط الأصدقاء، والسرعة، والرغبة في إثبات الذات، ومحتوى رقمي يستطيع أن يحول السلوك الخطير إلى بطولة.
وهنا، كعرب ومسلمين، لدينا شيء ثمين يمكن أن نقدمه لأبنائنا.
نحن لا نربيهم على الخوف من الطريق فقط، بل على معنى الأمانة.
أجسادهم أمانة.
وحياة الآخرين أمانة.
والسيارة ليست وسيلة لإثبات الرجولة.
الرجولة أن تعرف متى تتوقف.
والشجاعة ليست أن تسير عكس الجميع.
الشجاعة أن تقول لصديقك: «لن أفعلها»، حتى لو ضحك عليك.
وفي ثقافتنا العربية، هناك أم تنتظر عند الباب، وأب يتظاهر أحيانًا بأنه غير قلق، وجدّة ترفع يديها بالدعاء، وإخوة ينتظرون صوت المفتاح في الباب.
فلنذكّر أبناءنا بذلك.
لا نريد أن نخنق حريتهم، ولا أن نحول سنوات المراهقة إلى سجن.
نريد فقط أن نساعدهم على عبور هذه المرحلة بسلام.
لا يوجد فيديو يستحق حياة إنسان.
ولا توجد «لايكات» تعيد ابنًا إلى أمه.
ولا يوجد تحدٍّ يستحق أن يكون آخر مشهد في حياة شاب.
لذلك، ربما حان الوقت لأن نجلس مع أبنائنا الليلة، لا لنحاضرهم، بل لنسألهم سؤالًا واحدًا:
«لو كنت مع أصدقائك في سيارة، وبدأ السائق يفعل شيئًا خطيرًا… هل ستعرف كيف تنجو من ضغطهم؟»
ثم أخبره أنك ستكون إلى جانبه.
قبل أن تكون شرطيًا عليه، كن ملجأً له.
فبعض الأبناء لا يحتاجون أبًا يراقبهم أكثر.
بل يحتاجون أبًا يعرفهم أكثر.
وهذه قد تكون أفضل طريقة لإنقاذ حياة قبل أن نضطر إلى البكاء عليها.
الرابط المختصر هنا ⬇


