العرب في بريطانيا | ماذا لو لم تفرّقنا سايكس بيكو؟

ماذا لو لم تفرّقنا سايكس بيكو؟

ماذا لو لم تفرّقنا سايكس بيكو؟
أميرة عليان تبلو أغسطس 30, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

 حين تتحول الحدود من خطوطٍ على الخريطة إلى جدرانٍ في الذاكرة

ماذا لو لم يجلس سايكس وبيكو ذات مساء فوق خريطة الشرق، وبقلمٍ باردٍ لا يعرف حرارة هذه الأرض، يرسمان خطوطًا لم تكن تعرفها الصحراء، ولا الجبال، ولا الأنهار؟

 ماذا لو لم يُسأل العربي يومًا: من أي دولة أنت؟

 وسُئل فقط: من أي مدينةٍ جئت؟

 ماذا لو كانت دمشق لا تزال قريبةً من بغداد كما هي قريبة من القلب، وكانت القدس مدينةً لا تحتاج إلى تأشيرة كي يصل إليها العربي، وكان الطريق من حلب إلى الموصل طريقًا بين مدينتين، لا بين دولتين؟

 ماذا لو لم تتحول الجغرافيا إلى سجونٍ صغيرة، لكل سجنٍ علمٌ وحدودٌ وجواز سفر؟

 ربما كان وجه المنطقة مختلفًا تمامًا.

 لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن سايكس بيكو لم تقسّم الأرض وحدها؛ لقد ساهمت في صناعة عقلٍ اعتاد التقسيم.

 وهنا تكمن المأساة..

فالحدود التي رُسمت بالحبر على الخرائط، تسللت مع الزمن إلى عقولنا وقلوبنا. أصبحنا نتحدث عن (الشعب السوري) و(الشعب العراقي)و(الشعب الأردني) و(الشعب اللبناني) و(الشعب الفلسطيني) وكأن التاريخ بدأ يوم وُضعت الحدود، وكأن هذه الشعوب لم تتداخل دماؤها ولغاتها وأسواقها وثقافاتها وذاكرتها عبر قرون طويلة.

 ليس في الأمر انتقاصٌ من خصوصية أي بلد، ولا من حق الشعوب في اختيار مستقبلها وسيادتها.

 لكن السيادة لا تعني أن ننسى الجوار، والوطنية لا تعني أن نكره الآخر، والحدود السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى حدودٍ للرحمة.

 فمتى أصبح جرح أخيك شأنًا داخليًا في دولةٍ أخرى؟

 ومتى أصبح موت إنسانٍ على الجانب الآخر من الحدود أقل وجعًا لأنه يحمل جواز سفر مختلفًا؟

 لقد نجحنا، بطريقةٍ مؤلمة، في تحويل الاختلاف السياسي إلى اختلافٍ إنساني، والحدود السياسية إلى مسافاتٍ عاطفية. 

صار العربي أحيانًا يدافع عن حدودٍ لم يرسمها، ويتعصب لعلمٍ لم يختر لونه، ويخاصم أخاه على تاريخٍ مشترك، وكأن الدم حين يعبر الحدود يفقد قرابته.

 يا لهذه المفارقة!

 أمةٌ تتحدث لغةً واحدة، وتحمل ذاكرةً متشابكة، وتقرأ الشعر نفسه، وتبكي على المدن نفسها، ثم تقف عند الحدود وكأنها وصلت إلى آخر العالم.

 ماذا لو لم تفرّقنا سايكس بيكو؟

 ربما كنا سنملك سوقًا واحدةً بدل أسواقٍ متفرقة، ومشروعًا اقتصاديًا هائلًا بدل اقتصاداتٍ متنافسة، وشبكة مواصلات تربط المشرق بالمغرب، وجامعاتٍ تستقطب العقول بدل أن تصدّرها، وقوةً سياسيةً تجعل العالم يعيد حساباته قبل أن يقرر مصير المنطقة.

 كان يمكن لنفط الخليج أن يلتقي بعقول المشرق، ولثروات المغرب أن تتكامل مع أسواق المشرق، ولموانئ المتوسط أن تتصل بعمق آسيا، وللأرض العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج أن تكون مساحةً للتكامل لا ساحةً للصراع.

 لكن التاريخ لا يمنحنا رفاهية «لو».

 والمشكلة ليست أن سايكس بيكو حدثت.

 المشكلة أننا سمحنا لآثارها أن تعيش أطول مما عاش أصحابها.

 فالاتفاقية ماتت، لكن الفكرة بقيت.

 والحدود التي رسمها رجلان قبل أكثر من قرن ما زالت قادرةً على أن تفعل فينا ما لم تعد قادرةً على فعله في الخرائط.

 ومع ذلك…

 لا أؤمن أن هذه الأمة محكومةٌ بالتجزئة إلى الأبد، ولا أؤمن أن الوحدة حلمٌ ساذج،

ولا أؤمن أن اختلاف الدول يعني استحالة التعاون، أو أن وجود الحدود يعني وجوب وجود الكراهية.

 ربما لا نستطيع أن نمحو الحدود غدًا.

لكننا نستطيع أن نجعلها أقل قسوة.

 نستطيع أن نفتح المعابر أمام الإنسان قبل البضائع، وأن نفتح القلوب قبل المطارات، وأن نعلّم أبناءنا أن العربي الذي يعيش خلف الحدود ليس غريبًا، بل قريبٌ اختلفت معه السياسة ولم يختلف معه التاريخ.

 نستطيع أن نصنع وحدةً لا تبدأ بإلغاء الدول، ولكن بإلغاء العداوة بينها.

 وحدةً اقتصاديةً، وثقافيةً، وعلميةً، وإنسانيةً.

 وحدةً تجعل جواز السفر وثيقةً للسفر، لا وثيقةً لتحديد مقدار انتمائنا إلى بعضنا.

 لأن الوحدة ليست أن نرفع علمًا واحدًا بالضرورة.

 الوحدة أن نشعر أن وجع دمشق يعنينا في بغداد، وأن جرح القدس يؤلم القاهرة، وأن مأساة اليمن لا تمر أمامنا كخبرٍ عابر، وأن ما يحدث في طرابلس أو الخرطوم أو غزة ليس «شأنًا بعيدًا» لمجرد أن الحدود قالت ذلك.

 لقد علّمونا أن ننظر إلى الخريطة من الأعلى،

لكن الإنسان لا يرى العالم من الأعلى،

الإنسان يراه من القلب.

 ومن القلب لا توجد كل هذه الحدود.

 لذلك، حين نسأل اليوم: ماذا لو لم تفرّقنا سايكس بيكو؟

 ربما الأفضل أن نقول:

 ماذا لو قررنا ألا نسمح لها أن تفرّق ما تبقى منا؟

 فقد لا نستطيع أن نعيد رسم الخريطة…

لكننا نستطيع أن نعيد رسم الوعي.

قد لا نستطيع أن نهدم الحدود غدًا…

لكننا نستطيع أن نهدم الكراهية التي بنتها في داخلنا.

وقد لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء…

لكننا نستطيع أن نذهب إلى المستقبل دون أن نحمل أخطاء الماضي في قلوبنا،

فالحدود قد تفصل الأرض عن الأرض، لكنها لا تستطيع أن تفصل التاريخ عن التاريخ، ولا اللغة عن اللغة، ولا الإنسان عن أخيه.

 وإذا كان سايكس وبيكو قد رسما حدودًا على الخريطة…

 فإن مسؤوليتنا اليوم أن نرسم فوق تلك الحدود جسورًا.

 لأن الأمة التي تتعلم كيف تتجاوز حدودها في الوعي، ستجد يومًا طريقها لتتجاوزها في الواقع.

 وربما…

 حين يأتي ذلك اليوم، لن نسأل بعد الآن:

 ماذا لو لم تفرّقنا سايكس بيكو؟

سنقول:

 لقد فرّقتنا يومًا… لكننا لم نسمح لها أن تكون قدرنا.


 

 

اترك تعليقا