العرب في بريطانيا | اللغة الأم عند الأطفال.. كيف تصنع الذاكرة والهو...

حين تُهدى الطفولةُ لغةً

حين تُهدى الطفولةُ لغةً
أميرة عليان تبلو أغسطس 28, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

هل فكّرنا يومًا أن أجمل ما يمكن أن نهديه لطفلٍ ليس شيئًا يُغلَّف بورقٍ ملوّن، ولا لعبةً تلمع في عينيه ثم يملّها بعد أيام، وإنّما كلمةٌ واحدة نقولها له بلغتنا الأولى، فتصل إلى قلبه قبل أن تصل إلى أذنه؟

الطفل لا يولد وفي يده قاموس، ولا يعرف أن للكلمات أوطانًا وحدودًا وجوازات سفر. يولد فقط وفي داخله قدرةٌ غامضة على أن يلتقط أصوات الذين يحبهم، فيحفظها كما تُحفظ رائحة البيت، وملامح الأم، وضحكة الأب، وخطوات الجدّ في الممرّ القديم.

ولهذا، فإن اللغة التي يسمعها الطفل في سنواته الأولى لا تدخل رأسه فحسب؛ إنها تدخل تكوينه.

هناك كلمات لا نتعلمها، نحن نرثها.

كلمة “أمي” مثلًا، ليست مجرد أربعة أحرف. إنها أول وطنٍ نعرفه قبل أن نعرف معنى الوطن. وكلمة “أبي” ليست اسمًا لشخص، بل ظلٌّ طويل من الأمان. وحين يقول الطفل: “أحبك” بلغته الأولى، فإنه لا ينطق جملةً تعلّمها في كتاب، وإنما يستدعي تاريخًا كاملًا من الأصوات والوجوه واللمسات والذكريات.

لهذا كانت اللغة الأم أعمق من أن تكون مادةً دراسية، وأكبر من أن تُختصر في قواعد النحو والإملاء.

إنها الذاكرة حين تتكلّم…

اللغة الأم لا تعني الانغلاق

نحن نعيش في عالمٍ تتعدد فيه اللغات، وتتقاطع فيه الثقافات، وتصبح معرفة أكثر من لغة بابًا من أبواب المعرفة والفرص. وليس في ذلك ما ينبغي أن نخاف منه؛ فاللغة الجديدة لا تنتزع من الإنسان لغته الأولى، كما أن النافذة الجديدة لا تهدم البيت.

يمكن للطفل أن يفتح نوافذ كثيرة على العالم، لكن المهم ألّا نطفئ المصباح الذي يضيء بيته من الداخل.

فليس المطلوب أن نضع العربية في مواجهة اللغات الأخرى، ولا أن نجعل الطفل يختار بين الانتماء والانفتاح، بل أن نعلّمه أن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من لغة في فمه، دون أن يفقد اللغة التي تسكن قلبه.

فاللغات أبواب، أما اللغة الأم فهي البيت الذي خرجنا منه.

ومن عرف بيته، استطاع أن يسافر بعيدًا دون أن يضيع.

حين ترتبط اللغة بالفرح

المشكلة ليست أن يتعلم الطفل لغةً أخرى.

المشكلة أن يتعلمها وهو يشعر أن لغته الأولى أقل قيمة، أو أقل جمالًا، أو أقل قدرة على أن تفتح له أبواب المستقبل.

حين يشعر الطفل أن العربية لغةٌ للواجبات المدرسية، وللأخطاء التي يُعاقب عليها، وللامتحانات التي يخشاها، بينما اللغة الأخرى هي لغة اللعب، والأصدقاء، والأفلام، والرحلات، والضحك؛ فمن الطبيعي أن يميل قلبه إلى اللغة التي ارتبطت في ذاكرته بالفرح.

فالطفل لا يحب اللغة لأنها لغةٌ عظيمة في نظر الكبار، وإنما يحبها لأنها كانت حاضرةً حين كان سعيدًا.

وهنا تبدأ مسؤوليتنا.

علينا ألّا نطلب من الطفل أن يحب العربية، ثم نضعها في يده كواجب ثقيل.

علينا أن نجعلها شيئًا يُحب.

أن نروي له بها حكايةً قبل النوم.

أن نضحك معه بها.

أن نناديه بأجمل أسمائه.

أن نغني له.

أن نحكي له عن جدته وجدّه، عن القرية الأولى، عن الحكايات التي كانت تُروى في ليالي الشتاء، عن الأمثال التي كانت تختصر حكمة أعمارٍ كاملة في كلمات قليلة.

حينها لن يتعلم العربية فقط، سيتعلم أن وراء كل كلمةٍ ذاكرة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للغة ليس أن يقلّ عدد المتحدثين بها، ولكن أن تنفصل عن العاطفة.

فاللغة التي لا يجد الطفل فيها حضنًا، قد يجد صعوبةً في أن يجد فيها وطنًا.

واللغة التي لا تأتيه إلا مع الأوامر والنواهي، قد تصبح في وجدانه لغةً للسلطة لا لغةً للحب.

أما حين يسمعها من أمّه وهي تهمس له، ومن أبيه وهو يضحك معه، ومن جدته وهي تسرد حكاياتها، ومن عائلته في لحظات الفرح والحزن؛ فإن الكلمات تتحول شيئًا فشيئًا إلى ذاكرة حيّة.

وعندما يكبر، قد ينسى كثيرًا من تفاصيل طفولته، لكنه لن ينسى بالضرورة النبرة التي كانت تُقال بها الكلمات.

قد ينسى القصة، لكنه يتذكر صوت من رواها.

قد ينسى الجملة، لكنه يتذكر الدفء الذي أحاط بها.

وهذه هي اللغة في أعمق معانيها: ليست ما نقوله فقط، بل ما نشعر به حين نقوله.

العربية لغة للحياة

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله لأطفالنا أن نعيد العربية إلى مكانها الطبيعي: إلى الحياة.

لا نريد طفلًا يحفظ عشرات القواعد ولا يستطيع أن يحكي لنا عن حلمه.

نريد طفلًا يستطيع أن يقرأ، وأن يسأل، وأن يحاور، وأن يكتب، وأن يضحك بالعربية، وأن يبكي بها، وأن يجد فيها الكلمات التي تسع قلبه حين تضيق به المشاعر.

نريد أن تكون العربية لغةً للعيد كما هي لغةٌ للكتاب.

لغةً للرحلة كما هي لغةٌ للدرس.

لغةً للحب كما هي لغةٌ للمعرفة؛

لأن الطفل إذا أحب اللغة، طلبها بنفسه.

وإذا ارتبطت في وجدانه بالجمال، لم يحتج إلى من يطارده كي يتعلمها.

جذور لا تمنع الطفل من الانفتاح

وفي زمنٍ يستطيع فيه الطفل أن يعرف العالم كله من شاشةٍ صغيرة، ربما لم تعد مهمتنا أن نغلق عنه العالم، وإنّما أن نمنحه جذورًا يستطيع أن يعود إليها كلما اتسعت أمامه الطرق.

علّموه الإنجليزية، والفرنسية، والتركية، وأي لغةٍ تفتح له نافذةً جديدة.

لكن لا تجعلوه يحتاج إلى لغةٍ أخرى كي يقول لأمه “أحبك”.

لا تجعلوه يبحث عن ترجمةٍ لمشاعره حين يريد أن يحكي عن خوفه، أو فرحه، أو حلمه.

امنحوه العالم كلّه، ولكن لا تأخذوا منه البيت.

فالجذور لا تمنع الشجرة من أن ترتفع؛ بل هي التي تمنحها القدرة على الارتفاع.

واللغة الأم ليست قيدًا حول عقل الطفل، فهي جذورٌ تحت قدميه.

اللغة التي تعيدنا إلى المكان الأول

وحين يكبر ذلك الطفل، ويبتعد عن البيت، وتكثر المدن التي يسكنها، وتتغير الوجوه من حوله، قد يجد نفسه ذات مساءٍ يبحث عن شيءٍ لا يعرف اسمه.

ثم يسمع كلمةً عربيةً عابرة.

فتتوقف في داخله أشياء كثيرة.

ربما تعيده الكلمة إلى حضن أمّه.

إلى صوت أبيه.

إلى مائدةٍ قديمة.

إلى حكاية جدته.

إلى شارعٍ لم يعد موجودًا.

إلى طفولةٍ ظن أنه نسيها.

عندها فقط سيدرك أن اللغة لم تكن يومًا مجرد كلمات.

كانت الطريق السري الذي ظل يصل بينه وبين المكان الأول.

كانت ذاكرته حين شاخت الذاكرة.

وكانت الوطن الذي استطاع أن يحمله معه، دون أن يثقل عليه.

فيا أيها الآباء والأمهات…

لا تسألوا فقط: أي لغةٍ سيتعلم طفلي؟

اسألوا أيضًا:

بأي لغةٍ سيحلم؟

وبأي لغةٍ سيحكي أول فرحٍ في قلبه؟

وبأي لغةٍ سيعود إلى نفسه حين تضيق به الدنيا؟

علّموه لغات العالم كلها إن استطعتم.

لكن اتركوا في قلبه لغةً واحدةً لا يحتاج فيها إلى ترجمة كي يكون نفسه.

لغةً حين يقول بها “أمي” لا ينادي امرأةً فحسب…

بل ينادي أول وطن.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا