حكمة الخوص وفراسة الروح
في قلب قلعة “نزوى”، أنا القادم إليها من لندن، حيث تهمس الحجارة العتيقة بأسرار القرون، وتتنفس الجدران عبق التاريخ العماني المجيد، لم تكن اللحظة مجرد زيارة عابرة لمَعلم أثري، بل كانت ارتطامًا عاطفيًا وفكريًا بنبع حي من الحكمة والإنسانية. هناك، في عمق المكان الدافئ، وعلى سجاد يرتسم فيه دفء الشرق، جلست إلى جوار شيخ عماني تفيض ملامحه بالوقار والسكينة، وتتطاير يداه البسيطتان في شغف وهدوء لنسج السلال والقفوف من خوص النخيل.
حين تنسج اليد الخوص والمعنى

كان يشتبك مع الألياف المجردة في ظاهرها، فيحيلها بأصابعه الخشنة إلى تحف تمسك الحياة. غير أن الاندهاش الحقيقي لم يكن ينبع من مهارة يديه فحسب، بل من النباهة والعمق اللذين ينسكبان من صوته ورؤاه.
حين بسطت أسئلتي الأولى عليه – وظننت، استعلاءً من إرث المدنية والتأويل الذاتي، أنني سأنال أجوبة بسيطة بقدر بساطة مظهره – تراجعت إلى الخلف خطوة، ملجومًا بجلال الفكرة وفطنة الإجابة.
مع كل جملة كان ينطق بها، كان يعيد إليّ دهشة الفراسة العربية الأولى؛ تلك التي لا تُكتسب من متون الكتب، بل تُورث في السجايا وتتسرب في العروق.
يتحدث بلغة مُصفّاة كالمقامات، لغة تحمل في طياتها ملامح الإرث العماني الرخيم، منذ أن أشرقت على هذه الأرض أنوار الرسالة الخالدة عندما بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالته الشهيرة إلى حاكمي عمان، جيفر وعبد ابني الجلندي، فاستقبلاها بالطاعة والحكمة، متميزين عن ممالك الفرس والروم بالبصيرة والنفاذ.
فراسة لا تمنحها الكتب
أن يغزل الخوص فذاك صنيع اليدين، أما أن تغزل المعاني وتستشف الروح سريرة محدثها من نظرة، فذاك صنيع القرون المحفورة في هيبة هذا العماني الصامت.
لقد جسد لي ذلك الشيخ الرؤوم في تلك الجلسة الأبوية ميزان الإنسان الذي لم يفسده زيف المظاهر.
درس خارج المظاهر
غادرت المكان وأنا أحمل في صدري درسًا فلسفيًا بالغ القسوة والجمال؛ درسًا يخبرنا بأننا نحتاج إلى أن نراجع أنفسنا مرارًا وتكرارًا، وألا نجرؤ على الادعاء بامتلاك مقدرة على سبر غور البشر من الجلسة الأولى أو النظر السطحي.
فالعمق أحيانًا يختبئ تحت ثوب بسيط، والحكمة البالغة تكمن في يدين تضفران الخوص بيقين السنين.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇


