كندا تمنع نائب رئيس بلدية القدس المحتلة أرييه كينغ.. فهل تفعلها بريطانيا مع أمثاله؟
ألغت السلطات الكندية تصريح السفر الإلكتروني لنائب رئيس بلدية القدس الغربية آريه كينغ، ومنعته من دخول البلاد، بعد حملة قانونية وحقوقية اتهمته بدعم التطهير العرقي والتحريض على جرائم ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة وغزة.
وبحسب موقع ميدل إيست آي، كان من المقرر أن يزور كينغ تورونتو ومونتريال للمشاركة في فعاليات مرتبطة بجمع تبرعات لصالح مستوطنين، قبل أن تلغي السلطات الكندية تصريح دخوله يوم الثلاثاء.
وتحمل القضية بعدًا بريطانيًا مباشرًا، لأن كينغ يحمل الجنسية البريطانية إلى جانب الإسرائيلية، ما يضع على بريطانيا عبئًا سياسيًا وقانونيًا لا يقتصر على موقفها من منعه أو استقباله، بل يمتد إلى ما إذا كانت ستتعامل معه بوصفه مواطنًا بريطانيًا متهمًا يمكن أن تطاله شكاوى جنائية أو مسار مساءلة قانونية، إذا توفرت الملفات والأدلة الداعمة.
حملة قانونية وراء القرار
قال مئير وينشتاين، منظم إحدى الفعاليات التي كان من المقرر أن يتحدث فيها كينغ، إن الحكومة الكندية ألغت تصريح السفر الإلكتروني الخاص به، ما منعه من دخول البلاد.
وكان وينشتاين قد قاد سابقًا فرع رابطة الدفاع اليهودية في كندا، وهي جماعة يمينية متطرفة وصفها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) في وقت سابق بأنها “جماعة إرهابية يمينية”.
وجاء قرار المنع بعد ضغوط من منظمات ونشطاء، بينهم مركز فلسطين القانوني، والمركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين، ومؤسسة هند رجب، إلى جانب ناشطين مناهضين للإبادة الجماعية.
وقدمت هذه الجهات شكوى جنائية إلى الشرطة الكندية بشأن ادعاءات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ترحيب فلسطيني وحقوقي
رحب مركز فلسطين القانوني بالقرار، وقال إن السلطات الكندية تحركت بناءً على الوقائع الواردة في المذكرات التي قدمتها المنظمات.
ووصف المركز كينغ بأنه “محرض ومنفذ للتطهير العرقي في القدس الشرقية المحتلة”، مضيفًا أن أفعاله لا تخالف القانون الدولي فقط، بل تخالف القانون الكندي أيضًا، بحسب بيان نشره على منصة إكس.
ولا يعني القرار الكندي صدور حكم قضائي ضد كينغ، لكنه يمثل استخدامًا لصلاحيات الدولة في منع الدخول عندما ترى السلطات أن الزيارة قد ترتبط بشخصية متهمة بارتكاب أو دعم جرائم خطيرة.
من هو آريه كينغ؟
آريه كينغ سياسي وناشط استيطاني يميني متطرف يحمل الجنسيتين البريطانية والإسرائيلية، وينحدر والداه من المملكة المتحدة.
ويقيم كينغ في بؤرة معاليه هزيتيم الاستيطانية داخل حي رأس العامود الفلسطيني في القدس الشرقية المحتلة.
وتقول ميدل إيست آي إن الزيارة التي كان يخطط لها إلى كندا، ثم إلى الولايات المتحدة، قُدمت بوصفها فرصة لجمع تبرعات لـ”استثمارات” حول القدس.
ونظمت الزيارة مؤسسة “صندوق أرض إسرائيل” (Israel Land Fund)، التي أسسها كينغ، وتعمل، بحسب التقرير، على تهجير عائلات فلسطينية من منازلها في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية، وإحلال مستوطنات يهودية مكانها.
تصريحات تجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم
أورد ميدل إيست آي أن كينغ لديه سجل طويل من التصريحات العلنية التي تدعو إلى جرائم حرب ضد الفلسطينيين.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، بعد شهرين من بدء الإبادة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في غزة، دعا كينغ القوات الإسرائيلية إلى “زيادة الوتيرة”، في تحريض على زيادة وتيرة القتل والتدمير.
وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وصف الفلسطينيين المعتقلين في غزة بعبارات تجردهم تمامًا من إنسانيتهم، قائلًا: “إنهم ليسوا بشرًا، وليسوا حيوانات بشرية. إنهم دون البشر، وهكذا يجب التعامل معهم”.
وتكمن خطورة هذه العبارة في أنها لا تعبر فقط عن موقف سياسي متطرف، بل تستخدم لغة نزع الإنسانية التي تسبق عادة تبرير القتل الجماعي والعقاب الجماعي والتهجير القسري.
دعوات لإبادة موظفي الأونروا

لم يقتصر خطاب كينغ على الفلسطينيين عمومًا، بل شمل أيضًا موظفي وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
وخلال هدم إسرائيل مقر الوكالة في القدس الشرقية المحتلة في يناير/كانون الثاني، قال كينغ: “إما هم أو نحن”، ثم أضاف: “بعون الله، سندمر وسنقضي ونبيد جميع أفراد الأونروا”.
وبحسب أونروا، قُتل ما لا يقل عن 393 من موظفيها في غزة منذ بدء الحرب.
وتمنح هذه التصريحات الشكاوى الحقوقية ضد كينغ وزنًا خاصًا، لأنها لا تتعلق بمجرد تأييد الاستيطان، بل بلغة علنية تحرض ضد فئات محمية، بينها مدنيون وعاملون في وكالة أممية.
مشروع لدفع غير اليهود إلى الهجرة

في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، نشر كينغ إعلانًا للبحث عن مدير لمشروع قال إنه يستهدف “تشجيع” هجرة غير اليهود مما يسميه “أرض إسرائيل”.
وفي مقابلة باللغة العبرية، قال كينغ إنه إذا نجح المشروع في إخراج ربع مليون أو نصف مليون من الناطقين بالعربية إلى خارج البلاد، فسيكون ذلك كافيًا بالنسبة إليه.
وأوضح أن المشروع سيستخدم شركات توظيف دولية لاستهداف شبان عرب بعروض عمل في الخارج، على أمل ألا يعودوا لاحقًا.
وتقول ميدل إيست آي إن كينغ وصف الهدف من المشروع بصورة أيديولوجية، وتحدث عن احتمال أن يصل من يغادرون إلى “نقطة لا عودة”، ويتزوجوا في الخارج ويبقوا هناك.
استهداف المسيحيين في القدس
لم تقتصر حملات كينغ، بحسب التقرير، على الفلسطينيين المسلمين، إذ شارك أيضًا في حملات استهدفت المسيحيين في القدس.
وفي مايو/أيار 2023، قاد احتجاجات ضد مسيحيين كانوا يزورون المدينة، بينما صُوّر أحد المشاركين وهو يبصق باتجاه مصلين مسيحيين.
وقال كينغ في تصريحات سابقة إن على المسيحيين أن يفهموا أنهم “غير مرغوب فيهم في إسرائيل، وفي القدس تحديدًا”.
كما عمل على منع مؤتمر كان مخصصًا لمناقشة الاعتداءات والبصق على المسيحيين في القدس، واصفًا الحدث المقترح بأنه “معاد للسامية”.
المسار البريطاني مختلف لكنه لا يغلق باب المساءلة
تحمل قضية كينغ بعدًا بريطانيًا مباشرًا، لأنه يحمل الجنسية البريطانية إلى جانب الإسرائيلية، ولأن منظمات حقوقية في بريطانيا سبق أن طالبت بمحاسبة مسؤولين إسرائيليين على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة.
لكن الحالة البريطانية لا تعني بالضرورة أن كينغ خارج نطاق المساءلة. فإذا كان يحمل الجنسية البريطانية، فإن منعه من دخول بريطانيا ليس المسار المعتاد، لكن ذلك يفتح مسارًا آخر أكثر مباشرة: التعامل معه كمواطن بريطاني متهم يمكن أن تطاله شكاوى جنائية أو تحقيقات محتملة إذا قُدمت ملفات قانونية كافية بشأن التحريض أو دعم جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
أما بالنسبة إلى المسؤولين أو الناشطين الإسرائيليين غير البريطانيين، فيبقى منع الدخول أو فرض عقوبات أو فتح مسارات تحقيق قانونية من الأدوات الممكنة سياسيًا وقانونيًا إذا توفرت الإرادة والملفات الداعمة.
وهنا تكمن أهمية القرار الكندي: فهو لا يضع كينغ وحده تحت الضغط، بل يقدم نموذجًا لدولة غربية قررت أن التحريض على التهجير والتطهير العرقي ليس مجرد رأي سياسي، وأن جمع الأموال لصالح مشاريع استيطانية يمكن أن يصبح سببًا لمنع الدخول أو التحرك القانوني.
اختبار لخطاب بريطانيا عن القانون الدولي

لطالما أكدت الحكومات البريطانية أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وأن التهجير القسري والتحريض على العنف ضد المدنيين لا يمكن قبولهما.
لكن قيمة هذا الموقف لا تُختبر في البيانات وحدها، بل في الأدوات العملية التي يمكن استخدامها عندما يتعلق الأمر بشخصيات تدعم الاستيطان أو تحرض علنًا على الفلسطينيين.
وتزداد أهمية هذا الاختبار مع اتساع الدعوات الحقوقية داخل أوروبا وأمريكا الشمالية لاستخدام قوانين العقوبات ومنع الدخول والاختصاص القضائي ضد مسؤولين ومستوطنين إسرائيليين متهمين بجرائم خطيرة.
فالقرار الكندي لا يمثل إدانة قضائية لكينغ، لكنه يرسل رسالة سياسية وقانونية واضحة: التحريض على الفلسطينيين، والدعوة إلى تهجيرهم، وجمع الدعم لمشروعات استيطانية في القدس المحتلة، لم تعد بالضرورة أنشطة يمكن تمريرها في العواصم الغربية بلا تكلفة.
وبالنسبة إلى بريطانيا، التي ترتبط بالقضية الفلسطينية تاريخيًا وسياسيًا وقانونيًا، تبدو الخطوة الكندية اختبارًا محرجًا. فالمسألة لم تعد فقط ما إذا كانت لندن تستطيع منع شخصيات مشابهة من دخول أراضيها، بل ما إذا كانت مستعدة لفتح مسارات مساءلة ضد من يحملون جنسيتها أيضًا عندما تلاحقهم شكاوى مرتبطة بالتحريض أو دعم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
المصدر: ميدل إيست آي
اقرأ أيضاً:
- كيف يغطي الإعلام البريطاني تصاعد اعتداءات المستوطنين والعدوان العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية؟
- برمنغهام تستضيف فلسطينيات لنقل شهادات حية من الضفة الغربية
- بريطانيا وحلفاؤها يفرضون عقوبات على شركات تدعم عنف المستوطنين في الضفة الغربية
الرابط المختصر هنا ⬇