هل الحنين محاولة لاستعادة أنفسنا؟
لا يمكنني العودة إلى الجامعة اليوم، وبعد أربعين سنة من التخرج، كما لا يمكنني الإصرار على استخدام الحاسبة اليدوية السوداء الصغيرة التي كانت ترافقنا كأنها امتداد لجيوبنا. العالم تغيّر، والحاسبة تحوّلت إلى كمبيوتر لوحي يحمل ذاكرة كونية، لكن لا أحد يستطيع مصادرة إحساسي حين تستعاد أغنية كانت تُبثّ في نادي الجامعة، أو حين أرى شابًا يرتدي قميصًا يشبه ما كنا نرتديه في تلك الأيام.
الفرق بين الحاسبة اليدوية والأغنية ليس فرقًا في الزمن، بل في طبيعة العلاقة معه: استخدام الحاسبة اليوم يبدو كأنك تحاول إعادة تشغيل جهاز انقرض، بينما الاستماع إلى أغنية قديمة يشبه إعادة تشغيل جزء منك أنت، الجزء الذي لم يغادرك رغم كل ما غادرته.
الماضي ليس تخلفًا، ولا عودة إلى الوراء، وإلا لماذا يستفزّنا الحنين إليه؟
لماذا يوقظ فينا شيئًا يشبه الخفقة الأولى، أو تلك اللحظة التي كنا نظن فيها أن العالم قابل للفهم؟
الحنين ليس رغبة في استعادة ما مضى، بل رغبة في استعادة الإيقاع الذي كنا نعيش به، إيقاعًا أبطأ، أعمق، أقل ضجيجًا، وأكثر قدرة على الإصغاء.
كتبت تشين ماكدونالد مديرة مركز ثيوس للأبحاث الدينية في مقال لها بصحيفة فايننشيال تايمز هذا الأسبوع، عن لحظة حنين باغتتها في مكتبة جامعة كامبريدج حين مرّ بين أيدي الحضور قرصٌ مرنٌ من تسعينيات القرن الماضي. قطعة بلاستيكية صغيرة، لكنها حملت معها صوت النقرة المستطيلة التي كانت تُخرج القرص من جهاز “أمستراد” القديم. صوتٌ مألوف، لكنه طواه النسيان.
هذه اللحظة ليست حنينًا إلى القرص نفسه، بل إلى زمنٍ كان فيه الصوت جزءًا من التجربة، لا مجرد إشارة رقمية تُحاكي الواقع.
يوهانس هوفر، طالب الطب السويسري، صاغ كلمة “نوستالجيا” عام 1688 من جذريْن يونانييْن: نوستوس: العودة إلى الوطن، ألغوس: الألم.
الحنين إذن ليس شوقًا إلى الماضي، بل ألم العودة إليه. ألمٌ ناعم، لكنه حقيقي، يشبه ما شعر به أوديسيوس في الأوديسة وهو يعود إلى إيثاكا بعد حرب طروادة، لم يكن يعود إلى المكان، بل إلى نفسه التي فقدها في الطريق. وإلّا لماذا حقق فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان إلى الآن، وبعد اسابيع من بدء عرضه، مليار دولار، والمتفرجون يتزاحمون لمشاهدته؟
ومن المتوقع أن تصل مبيعات دواوين الشعر في بريطانيا إلى مستوى قياسي هذا العام، مدعومة بنجاح فيلم “الأوديسة” الضخم المقتبس من ملحمة هوميروس الشعرية.
لكن ما يثير الانتباه اليوم هو أن هذا الحنين لم يعد حكرًا على من عاش الماضي، بل أصبح ظاهرة لدى جيل لم يعشه أصلًا.
جيلٌ عربي كامل يبحث عن أشرطة الكاسيت التي لم يسمعها، وعن كاميرات فيلم لم يستخدمها، وعن ألعاب “أتاري” لم يجلس أمامها.
جيلٌ يعيش في وفرة رقمية لا نهائية، لكنه يتوق إلى شيء يمكن الإمساك به، شيء له وزن، وله صوت، وله رائحة.
في العالم العربي، يتخذ الحنين شكلاً جماعيًا لافتًا، مئات الآلاف من الحسابات على فيسبوك تحوّلت إلى أرشيف مفتوح للذاكرة. صفحات تستعيد صور المدارس القديمة، دفاتر الحسابات، مقاهي الستينات وأزياء السبعينات، أغلفة المجلات، شوارع بغداد، ودمشق، وبيروت، وعدن، وطرابلس، وتونس، والرباط، قبل أن يبتلعها الزحام.
يكتب الناس تحت الصور تعليقات تشبه الاعترافات الصغيرة: “هنا كنا ننتظر الباص”، “هذه أول حقيبة اشتريتها”، “هذا الشارع كان يشبهنا قبل أن يتغير كل شيء”.
هذه الصفحات ليست مجرد ترفٍ بصري، بل محاولة جماعية لاستعادة زمنٍ كان فيه العالم قابلاً للّمس، لا للتمرير على شاشة.
الحنين هنا ليس إلى الأشياء، بل إلى علاقة مختلفة مع الزمن. علاقة لا تُقاس بالسرعة، بل بالمعنى. لا تُقاس بالوصول، بل بالرحلة. لا تُقاس بالذاكرة الرقمية، بل بالذاكرة التي تُخزّن في الروح.
في عالم اليوم، يبدو أن الحنين أصبح شكلًا من أشكال المقاومة. مقاومة السرعة، مقاومة الضجيج، مقاومة المستقبل الذي يبدو مفككًا، سريعًا، متوتّرًا، ومشحونًا بتوقعات لا يمكن احتمالها.
ولهذا يعود الناس إلى الكتب الورقية، إلى الموسيقى القديمة، إلى الصور المطبوعة، إلى الأشياء التي يمكن لمسها. ولهذا يعود جيل كامل إلى التكنولوجيا التناظرية: شريط كاسيت، كاميرات فيلم، أقراص مدمجة…
الناس لا يبحثون عن الماضي، بل يبحثون عن أنفسهم في الماضي. يبحثون عن لحظة كانت فيها الحياة قابلة للّمس، لا للتمرير على شاشة.
الحنين ليس مرضًا كما وصفه هوفر، بل هو محاولة لاستعادة توازن داخلي في عالم فقد توازنه. هو رغبة في الإمساك بخيط صغير من الماضي كي لا ننزلق تمامًا في سرعة الحاضر. هو بحث عن معنى في زمن يقدّم كل شيء إلا المعنى.
وهكذا، حين أستعيد أغنية من نادي الجامعة، لا أستعيد الماضي، بل أستعيد نفسي. وحين أرى الحاسبة اليدوية السوداء، لا أرى جهازًا قديمًا، بل أرى زمنًا كان فيه العالم أقل تعقيدًا، وكانت الأشياء تُفهم قبل أن تُستخدم. عالم كنت أنا الذي أفكر فيه ولم أدع الذكاء الاصطناعي يفكر فيه نيابة عني.
ما نشهده اليوم هو نوع من الحنين إلى الماضي، حنينٌ خاصٌّ بالقرن الحادي والعشرين. ليس هذا الحنين إلى اشرطة الكاسيت، بل إلى شيء يصعب وصفه: علاقة أبطأ مع الزمن، ومع بعضنا البعض، ومع أنفسنا. يجد البعض هذا الحنين في ثبات الدين، وهو ما قد يفسر الزيادة الملحوظة في عدد المؤمنين في الاسلام والمسيحية على حد سواء. إذن، هذا ليس رغبةً في العودة إلى الماضي بقدر ما هو تمردٌ هادئٌ على الروايات السائدة حول المستقبل.
لكن يبقى السؤال الذي لا يريد أن يغادرنا: هل الحنين محاولة لاستعادة أنفسنا، أم محاولة للهروب من نسخةٍ جديدة من العالم لا نعرف كيف نعيش فيها؟
هل نعود إلى الماضي لأننا نحبّه، أم لأن المستقبل لم يعد يقدّم لنا ما يكفي من الطمأنينة؟
وإذا كان الحنين تمردًا هادئًا على الروايات السائدة حول المستقبل… فهل نحن، دون أن نشعر، نكتب سردية جديدة للزمن، سردية تقول إن الإنسان لا يبحث عن الأمس، بل يبحث عن نفسه التي ضاعت في الطريق؟
الرابط المختصر هنا ⬇


