العرب في بريطانيا | اعتراف بريطانيا بفلسطين.. هل تستطيع لندن حماية ...

تحليل: بعد الاعتراف بفلسطين.. هل تستطيع بريطانيا حماية الدولة التي اعترفت بها؟

تحليل: بعد الاعتراف بفلسطين.. هل تستطيع بريطانيا حماية الدولة التي اعترفت بها؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

عندما اعترفت بريطانيا رسميًا بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025، لم تقدم القرار باعتباره مجرد تصحيح دبلوماسي متأخر، بل ربطته بهدف سياسي واضح: حماية إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة والإبقاء على حل الدولتين ممكنًا.

وقالت الحكومة البريطانية وقتها صراحة إن الاعتراف “لا يكفي وحده لتغيير الوضع على الأرض”، وإن قيمته تأتي ضمن جهد أوسع لمنع اختفاء إمكانية التسوية السياسية نفسها.

بعد أقل من عام، يضع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي E1 هذا المنطق أمام اختبار أكثر صعوبة.

ففي 18 أغسطس/آب، فتحت الحكومة الإسرائيلية باب التقدم لبناء 1234 وحدة استيطانية في منطقة E1 شرق القدس المحتلة، ضمن مخطط أوسع يضم 3401 وحدة. والمشكلة، من وجهة النظر البريطانية والدولية، ليست عدد الوحدات وحده، بل موقع المشروع وما يمكن أن يفعله بالجغرافيا التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.

ولهذا جاء الرد البريطاني أكثر حدة من بيانات القلق التقليدية. استدعت لندن القائم بالأعمال الإسرائيلي، وطالبت الحكومة الإسرائيلية بسحب المناقصة ووقف المشروع، فيما أعلن وزير الخارجية إد ميليباند أن بريطانيا ستكشف خلال الأسابيع المقبلة عن حزمة إجراءات تستهدف، من بين أمور أخرى، المشاركين في التوسع الاستيطاني غير القانوني.

وهكذا ينتقل النقاش من سؤال الاعتراف بفلسطين إلى سؤال أصعب بكثير: ماذا تفعل بريطانيا عندما تصبح الدولة التي اعترفت بها أكثر قبولًا دبلوماسيًا، لكنها أقل قابلية للقيام جغرافيًا؟

اعتراف يتسع وجغرافيا تضيق

في 21 سبتمبر/أيلول 2025، قالت لندن إن الاعتراف بفلسطين يستهدف “حماية قابلية حل الدولتين للحياة”، وإن الدولة الفلسطينية المنشودة يجب أن تكون “قابلة للحياة وذات سيادة”.

هذه الصياغة جعلت الاعتراف وسيلة، لا غاية في ذاته.

فالدولة ليست علمًا وسفارة واعترافًا دوليًا فقط، وإنما تحتاج أيضًا إلى أرض تستطيع عليها ممارسة سلطة سياسية واقتصادية وإدارية فعلية.

ومن هنا تظهر المفارقة التي تجعل الحالة الفلسطينية مختلفة: يمكن لفلسطين أن تحقق انتصارات سياسية في الخارج، بينما تتآكل جغرافيًا في الداخل.

ولهذا فإن المسارين لا يتحركان بالضرورة في الاتجاه نفسه: الاعتراف الدولي يمكن أن يتسع في اللحظة نفسها التي تضيق فيها جغرافيا الدولة.

لماذا يختلف E1 عن مشروع استيطاني آخر؟

التوسع الاستيطاني ليس جديدًا على الضفة الغربية المحتلة، لكن خطورة E1 لا تكمن فقط في إضافة 1234 وحدة استيطانية جديدة، أو حتى في المخطط الأوسع الذي يضم 3401 وحدة.

المشروع يقع شرق القدس، بين المدينة ومستوطنة معاليه أدوميم، في منطقة شديدة الحساسية لمستقبل الاتصال الجغرافي الفلسطيني.

ولهذا لم تكتف بريطانيا بالحديث عن عدم شرعية الاستيطان. ففي بيان مشترك صدر في 20 أغسطس/آب، قالت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وكندا والنرويج إن تنفيذ المشروع سيدفع “إسفينًا” عبر الضفة الغربية ويقوض الاتصال الجغرافي للأراضي الفلسطينية.

وكانت بريطانيا وشركاؤها قد استخدموا في مايو/أيار لغة أكثر وضوحًا، عندما حذروا من أن تطوير المنطقة سيقسم الضفة الغربية إلى قسمين.

وهذا هو العنصر الذي يجعل E1 مختلفًا سياسيًا.

فالقضية لم تعد فقط بناء مساكن في أرض تعتبرها بريطانيا محتلة، وإنما تغيير شكل الأرض بطريقة تمس التصور نفسه الذي يقوم عليه حل الدولتين: دولة فلسطينية تربط بين أجزائها شبكة جغرافية وسياسية قابلة للحكم.

وإذا تحولت المناطق الفلسطينية تدريجيًا إلى جزر منفصلة تحيط بها المستوطنات والطرق والوقائع الإسرائيلية، فإن المشكلة تصبح أكبر من عدد الوحدات الاستيطانية؛ تصبح سؤالًا حول ما إذا كانت الجغرافيا التي يحتاج إليها حل الدولتين ستظل موجودة أصلًا.

من بيانات الإدانة إلى أدوات الضغط

لكن التطور الآخر المهم هو أن السياسة البريطانية تجاه المستوطنات بدأت تستخدم أدوات تتجاوز البيانات الدبلوماسية.

ففي يونيو/حزيران، شددت الحكومة إرشاداتها للشركات البريطانية، ونصحتها بوضوح بعدم ممارسة أنشطة اقتصادية أو مالية داخل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، سواء عبر الاستثمار أو المشتريات أو الخدمات أو غيرها من الأنشطة التي تستفيد منها المستوطنات.

وفي الشهر نفسه، أعلنت بريطانيا مع عدد من شركائها عقوبات على أفراد وكيانات قالت إنها تمول أو تسهل عنف المستوطنين في الضفة الغربية.

ثم فتحت مفوضية المؤسسات الخيرية في أغسطس/آب تحقيقًا بشأن ثماني جمعيات خيرية، لفحص مخاوف تتعلق باستخدام أموال خيرية في المستوطنات غير القانونية، من دون أن يعني فتح التحقيق ثبوت ارتكاب مخالفات.

ومع إطلاق مناقصة E1، حذرت بريطانيا وشركاؤها الشركات صراحة من التقدم إليها، ونبهتها إلى المخاطر القانونية والمتعلقة بالسمعة التي يمكن أن تنتج عن المشاركة في المشروع.

هذه الإجراءات متفرقة ومحدودة الأثر إذا نظرنا إلى كل منها منفردة، لكنها ترسم اتجاهًا مختلفًا عن الاكتفاء بوصف الاستيطان بأنه غير قانوني.

فالضغط يبدأ في الانتقال إلى الشركات، والتمويل، والأفراد والكيانات المرتبطة بالمستوطنات، أي إلى المسارات التي تساعد على تحويل المشروع السياسي إلى واقع اقتصادي ومادي.

والسؤال الذي ستجيب عنه حزمة ميليباند المقبلة هو إلى أي مدى تريد الحكومة أن تدفع بهذا الاتجاه.

حدود ما تستطيع بريطانيا فعله

مع ذلك، من السهل تحميل الاعتراف أكثر مما يحتمل.

فلا توجد قاعدة تجعل الدولة التي تعترف بدولة أخرى مسؤولة عن ضمان حدودها أو الدفاع عنها، وبريطانيا لا تملك منفردة القدرة على إجبار الحكومة الإسرائيلية على وقف البناء في الضفة الغربية.

كما أن النفوذ البريطاني على إسرائيل له حدود واضحة، ولا يمكن النظر إلى العقوبات أو تحذيرات الشركات كما لو كانت قادرة وحدها على تغيير ميزان القوى على الأرض.

لكن محدودية القدرة لا تعني غياب الخيارات.

فالفرق كبير بين دولة تعترف بفلسطين ثم تكتفي بتكرار موقفها القانوني من المستوطنات، ودولة تستخدم ما لديها من أدوات دبلوماسية واقتصادية وتنظيمية لجعل المشاركة في توسيعها أكثر تكلفة.

ولهذا لا ينبغي قياس السياسة البريطانية بمعيار غير واقعي، مثل قدرتها منفردة على وقف E1، وإنما بالسؤال عما إذا كانت مستعدة لاستخدام النفوذ الذي تملكه بالفعل عندما تتعرض السياسة التي بنت عليها قرار الاعتراف للتقويض.

هنا تحديدًا تأتي أهمية حزمة الإجراءات التي وعد بها ميليباند.

فحجمها، والأطراف التي تستهدفها، وما إذا كانت ستقتصر على المستوطنين والجهات المرتبطة مباشرة بالمشروع أو تمتد إلى دوائر أوسع، سيكشف مقدار المسافة التي تريد لندن قطعها بين الاعتراض الدبلوماسي ومحاولة تغيير الحسابات على الأرض.

إسرائيل واختبار الفصل بين الدولة والمستوطنات

هناك أيضًا معضلة أخرى تواجه السياسة البريطانية.

فقد حافظت الحكومات البريطانية المتعاقبة على تمييز واضح بين إسرائيل داخل حدود ما قبل 1967 والمستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة. ولذلك تستطيع لندن الحفاظ على علاقاتها السياسية والتجارية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه اعتبار المستوطنات غير قانونية ومعارضة توسعها.

لكن E1 يضغط على هذا الفصل.

فعندما تقول بريطانيا إن مشروعًا استيطانيًا بعينه لا يمثل مجرد خرق قانوني، بل يهدد الحل السياسي الذي تقوم عليه سياستها تجاه الصراع، يصبح التعامل معه باعتباره ملفًا هامشيًا منفصلًا عن العلاقة الأوسع مع إسرائيل أكثر صعوبة.

وهنا لا يعني التصعيد البريطاني بالضرورة الانتقال إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل، لكنه قد يعني أن استمرار التوسع الاستيطاني ستكون له كلفة أكبر داخل العلاقة نفسها.

وهذا هو الاختبار السياسي الأهم في الأسابيع المقبلة: هل تظل معارضة E1 ملفًا منفصلًا محدود الأدوات، أم تبدأ لندن في ربط تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية بثمن سياسي واقتصادي أوضح؟

من الاعتراف الرمزي إلى سياسة لها ثمن

قوة الاعتراف البريطاني بفلسطين كانت في رسالته السياسية: لندن لم تعد تتعامل مع الدولة الفلسطينية باعتبارها نتيجة مؤجلة إلى نهاية مفاوضات غير محددة، بل كحق سياسي قررت الاعتراف به بالفعل.

أما مشروع E1 فيكشف الحد الذي لا يستطيع الاعتراف تجاوزه وحده.

فهو يستطيع تغيير الوضع الدبلوماسي لفلسطين، لكنه لا يستطيع بذاته وقف الجرافات أو إعادة وصل الأراضي التي تفصل بينها الوقائع الجديدة.

ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب.

لم يعد المطلوب من بريطانيا أن تكرر أنها تؤيد دولة فلسطينية قابلة للحياة؛ فقد حسمت ذلك سياسيًا عندما اعترفت بها. المطلوب الآن هو تحديد مقدار الكلفة التي هي مستعدة لفرضها على السياسات التي تقول بنفسها إنها تجعل هذه الدولة أقل قابلية للحياة.

وفي هذا المعنى، لا تكمن أهمية E1 في أنه يطرح مرة أخرى السؤال عما إذا كانت بريطانيا تؤيد حل الدولتين. الإجابة الرسمية معروفة بالفعل.

ما يختبره المشروع هو شيء أكثر عملية: هل يتحول الاعتراف بفلسطين من موقف دبلوماسي إلى سياسة تحاول حماية الشروط المادية لوجود الدولة التي اعترفت بها؟

فالدولة الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من الأعلام والسفارات في المدن الأوروبية بقدر ما تحتاج إلى أرض تستطيع أن تقوم عليها. وإذا كان الاعتراف البريطاني قد قُدّم باعتباره وسيلة لإنقاذ هذه الإمكانية، فإن قيمته السياسية ستبدأ من اللحظة التي يصبح فيها الدفاع عنها مكلفًا.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا