في حضرة فلسطين… حين تتجمّل العربية بأبهى حكاياتها
في حضرة فلسطين، لا تبدو اللغة العربية مجرّد حروفٍ مصطفّة على الورق، ولا كلماتٍ تتعاقب في الجمل، ولكن تبدو كأنها تستعيد شيئًا من روحها الأولى؛ وكأن الحروف حين تقترب من فلسطين ترتدي ذاكرتها، وتستحضر أسماءها القديمة، وتفتح دفاترها التي لم تستطع السنون أن تطوي صفحاتها.
هناك أسماء، حين تُنطق، تشعر أن اللغة نفسها تقف إجلالًا لها.
وفلسطين واحدة من تلك الأسماء التي لا تُقال فحسب، وإنما تُستشعر. اسمٌ كلما مرّ على اللسان، مرّت معه حكاية وطن، وحنين إنسان، وذاكرة أجيال، وأرضٌ ظلّت رغم كل ما مرّ بها قادرةً على أن تقول: أنا هنا.
فلسطين ليست حكايةً كتبتها العربية ثم مضت؛ هي حكايةٌ عاشت في قلب العربية، وتغلغلت في مفرداتها، واستقرت في أناشيدها وقصائدها وأمثالها وحكايات الجدّات. ولذلك، حين نتحدث عن فلسطين بالعربية، فإننا لا نصف مكانًا على الخريطة، وإنما نستدعي ذاكرةً كاملة.
فلسطين في ذاكرة العربية
فاللغة العربية ليست أبجديةً صامتة، وإنما ذاكرة حيّة تحمل ملامح البشر وأحلامهم وجراحهم. وفي فلسطين، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا؛ إذ لكل مدينة حكايتها، ولكل قرية اسمٌ يختزن تاريخًا، ولكل حجرٍ ظلّ إنسانٍ مرّ من هنا وترك شيئًا من روحه خلفه.
القدس ليست مدينةً فحسب؛ إنها دعاءٌ قديم يسكن الذاكرة، ومئذنةٌ ترتفع في الروح قبل أن ترتفع في السماء، واسمٌ كلما نطقناه شعرت قلوبنا أن ثمة شيئًا مقدسًا لا يزال ينتظر.
وغزة درسٌ طويل في معنى الصبر. مدينةٌ علّمت العالم أن الإنسان قد يحمل جرحه، ويمضي به، ويظل قادرًا على أن يحب أرضه، وأن يحلم، وأن يتمسك بالحياة رغم أن الموت يطرق أبوابه كل يوم.
وفي فلسطين، تتسع اللغة لتصبح أقدر من الكلام نفسه.
نروي بها دمعة الأم، وارتجافة الطفل، وحنين المنفى، ووجع الغائب، وذاكرة البيت الذي لم يعد بيتًا إلا في الصور. نروي بها الزيتونة التي لم تعد شجرةً وحسب، وإنما صارت نسبًا يصل الإنسان بأرضه، وجذورًا تقول إن للأرض أصحابًا تحفظهم الذاكرة حتى وإن ابتعدوا عنها.
والبيت الفلسطيني شاهدٌ على زمنٍ كامل. والأرض ذاكرةٌ وهويةٌ وتاريخ. وحتى أسماء القرى بقايا أصواتٍ بشرية ظلّت تقاوم المحو، كأن الاسم نفسه يقول: كنا هنا، وما زلنا.
لهذا، حين نحمي اللغة العربية، فإننا لا نحرس الحروف من الضياع فحسب، بل نحرس الأرواح التي سكنت تلك الحروف، والأصوات التي عبرت بها من جيل إلى جيل.
إن الرابط بين فلسطين والعربية عهدٌ قديم لم يُكتب بالحبر. عهدٌ حُفر في الذاكرة، وتناقلته الأجيال كما تتناقل أسماء الآباء والأجداد.
حين تصبح الكتابة مقاومة للنسيان
ولعلّ أجمل ما في العربية أنها تمنح الألم قدرةً على أن يُروى دون أن يفقد كرامته.
فحين نعجز عن وصف وجعٍ ما، تأتي اللغة لتبحث في أعماقها عن كلمةٍ تشبهه. وحين تضيق الكلمات أمام المأساة، تتحول اللحظات الصامتة نفسها إلى لغة. وفي فلسطين، كثيرًا ما وقفت العربية على حافة العجز؛ لأن ما عاشه الإنسان هناك كان أكبر من أن تحيط به جملة، وأثقل من أن تحمله الكلمات.
ومع ذلك، ظللنا نكتب.
نكتب لأن الكتابة مقاومةٌ للنسيان، ولأن الذاكرة إذا لم تجد لغةً تحملها قد تصبح فريسةً للغياب. نكتب عن فلسطين لأن بعض الحكايات لا يكفي أن تُروى مرةً واحدة؛ بل يجب أن تُحكى في كل زمن، وبكل صوت، وبكل لغة تستطيع أن تحفظ شيئًا من حقيقتها.
وفلسطين، في نهاية الأمر، ليست جدلًا سياسيًا يُختصر في العناوين، ولا قضيةً تُحاصرها الأرقام والخرائط؛ إنها روحٌ تسكن القصائد، وأغنيةٌ في أفواه الأمهات، واسمُ قريةٍ تحفظه ذاكرةُ عجوز، ومفتاحُ بيتٍ لا يزال صاحبه يؤمن أن للأبواب ذاكرةً لا تُغلق.
وحين تتكلم فلسطين بالعربية، لا تتحدث لغةً فقط؛ إنها تستعيد صوتها.
تستعيد صوت أمٍّ فقدت ولدها ولم تفقد قدرتها على الدعاء، وصوت طفلٍ كبر قبل أوانه، وصوت لاجئٍ حمل وطنه في حقيبته، وصوت إنسانٍ ظلّ واقفًا في المكان الذي أراد العالم أن ينساه.
العربية بيتًا للذاكرة
وهنا تحديدًا، تصبح العربية أكثر من لغة.
تصبح بيتًا للذاكرة.
تصبح الجسر الذي يعبر عليه الماضي إلى الحاضر، والوصية التي يسلّمها الأجداد إلى الأبناء، والصوت الذي يقول إن ما يُمحى من الأرض لا يُمحى بالضرورة من الذاكرة، وإن ما يُهدَم من البيوت يمكن أن تعيد اللغة بناءه في وجدان الإنسان.
وفي حضرة فلسطين، تتجمّل العربية بأبهى حكاياتها؛ لأنها تجد في هذه الأرض ما يجعل الحرف أكثر حياة، والكلمة أكثر وجعًا، والقصيدة أكثر صدقًا.
فلسطين لم تكن يومًا مجرد حكاية في العربية؛ فلسطين واحدة من الحكايات التي منحت العربية بعضًا من روحها.
ولذلك، ستظل العربية تحفظ أسماء مدنها، وقراها، وزيتونها، وبيوتها، وأمهاتها، وشهداءها، وأحلام أبنائها.
ستظل تقول للأجيال القادمة إن هنا أرضًا أحبّها أهلها حتى صار حبها جزءًا من لغتهم، وإن هنا شعبًا حمل ذاكرته فوق كتفيه، ومشى بها عبر المنافي، ولم يسمح للغياب أن ينتصر.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: أيُّ لغة تستطيع أن تحمل كل هذا الألم؟
بل السؤال الأعمق:
أيُّ لغة تستطيع أن تحمل وطنًا كاملًا بكل ما فيه من حبٍّ ووجعٍ وذاكرةٍ وصمود، ثم تظل قادرةً على أن تقول، بكل هذا الكبرياء:
فلسطين.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇


