ماذا لو عاد كل شخص في إنجلترا إلى “وطنه الأصلي”؟ فرضية تصطدم بالتاريخ
في خضم السجال العام حول الهجرة في بريطانيا، يتكرر سؤال استفزازي بصيغ مختلفة: ماذا لو عاد كل مهاجر، أو كل من له أصول أجنبية، إلى بلده “الأصلي”، فمن الذي سيبقى في إنجلترا؟ يبدو السؤال في ظاهره حاسمًا وبسيطًا، غير أنه حين يُختبر في ضوء التاريخ الديموغرافي والدراسات الجينية الحديثة يتكشّف عن كونه فرضية يستحيل تطبيقها عمليًا، ذلك أن “الإنجليزي الأصيل” نفسه نتاج طبقات متعاقبة من الهجرة والغزو والاستيطان امتدت آلاف السنين.
من هم “الإنجليز الأصليون” أصلًا؟

المفارقة الأولى التي يصطدم بها هذا السؤال هي غياب أي تعريف علمي ثابت لـ”الإنجليزي الأصيل”. فالجزر البريطانية لم تشهد قط استقرارًا سكانيًا واحدًا متصلًا، بل تعاقبت عليها موجات استيطان كبرى غيّرت تركيبتها السكانية واللغوية جذريًا عبر العصور.
استقرت في الجزر أولى المجموعات البشرية منذ العصر الحجري الحديث، ولا تزال بصمتها الجينية الأعمق ظاهرة بوضوح بين سكان ويلز اليوم. ثم جاء الاحتلال الروماني الذي جلب معه إداريين وجنودًا وتجارًا من مختلف أرجاء الإمبراطورية، قبل أن تصل في القرن الخامس الميلادي هجرات الأنجل والساكسون، الموجة التي منحت إنجلترا اسمها ولغتها. وتشير أبحاث جامعة أكسفورد ضمن مشروع “شعوب الجزر البريطانية”، وهو أوسع مسح جيني أُجري على سكان بريطانيا حتى الآن، إلى أن غالبية سكان شرق ووسط وجنوب إنجلترا تنحدر من مجموعة جينية واحدة نسبيًا، تحمل مساهمة من الأصول الأنجلوسكسونية تتراوح بين 10% و40% من مجمل تكوينها الجيني. وذهبت دراسة حديثة أجراها فريق من معهد فرانسيس كريك في لندن إلى أبعد من ذلك، إذ رصدت آثارًا لهذا الأصل القاري في أكثر من 70% من الرفات المكتشفة في مواقع الدفن الأنجلوسكسونية جنوب إنجلترا.
ثم جاءت غزوات الفايكنج بين القرنين التاسع والحادي عشر، والتي تركت بصمتها الأوضح في جزر أوركني، حيث يحمل نحو ربع السكان أصولًا نرويجية تعود إلى تلك الحقبة، فيما كانت مساهمة الفايكنج الدنماركيين في شرق إنجلترا أقل حدة لكنها ملموسة. أما الغزو النورماندي عام 1066، الذي يُنظر إليه غالبًا كنقطة تحول حاسمة في التاريخ الإنجليزي، فتكشف الدراسات الجينومية الحديثة أن أثره الديموغرافي كان أقل بكثير مما توحي به كتب التاريخ التقليدية: فرفات ما قبل الغزو وما بعده تقع، بحسب هذه الدراسات، ضمن العنقود الجيني نفسه تقريبًا، دون دليل واضح على تحول سكاني جذري.
الخلاصة العلمية هنا واضحة: لا يوجد “أصل نقي” واحد يمكن الاحتكام إليه، بل طبقات متراكبة من التمازج امتدت لعشرة آلاف عام تقريبًا.
موجات حديثة أضافت طبقات جديدة
إلى جانب هذا الإرث القديم، أضافت القرون الأخيرة طبقات جديدة من التنوع السكاني إلى الخريطة الإنجليزية. فقد استقر الهوغونوت الفرنسيون فارّين من الاضطهاد الديني في القرن السابع عشر، وترسخت جالية يهودية عبر موجات متعددة امتدت من القرون الوسطى حتى أوائل القرن العشرين، وشهد القرن التاسع عشر هجرة أيرلندية كثيفة تصاعدت مع المجاعة الكبرى.
وبعد الحرب العالمية الثانية، وصل ما يُعرف بـ”جيل ويندراش” من الكاريبي عام 1948 للمساهمة في إعادة إعمار بريطانيا، تلاه في السبعينيات آسيويون من شرق أفريقيا، وموجات متلاحقة من جنوب آسيا والعالم العربي والإسلامي على مدى عقود. ثم جاء التوسع الأوروبي شرقًا في الألفية الجديدة بعمالة من بولندا ودول أوروبا الشرقية، وأضيفت إليها في السنوات الأخيرة موجات من حاملي جوازات الهجرة البريطانية من هونغ كونغ، ومن اللاجئين الأوكرانيين والأفغان.
ماذا تقول الأرقام الرسمية اليوم؟

بحسب تعداد 2021 الصادر عن مكتب الإحصاء الوطني البريطاني لإنجلترا وويلز، حدّد 81.7% من السكان، أي نحو 48.7 مليون شخص، أنفسهم ضمن الفئة العرقية العليا “أبيض”، بتراجع من 86% في تعداد 2011. وضمن هذه الفئة تحديدًا، وصف 74.4% من إجمالي السكان، أي 44.4 مليون شخص، أنفسهم بأنهم “إنجليز أو ويلزيون أو اسكتلنديون أو من أيرلندا الشمالية أو بريطانيون”، في تراجع مستمر من 80.5% عام 2011 ومن 87.5% عام 2001. وجاءت الفئة العرقية “آسيوي أو آسيوي بريطاني” في المرتبة الثانية بنسبة 9.3%، أي 5.5 مليون شخص، وهي الفئة التي سجلت أكبر ارتفاع نسبي منذ 2011، صعودًا من 7.5%.
أما على صعيد الهوية الوطنية، فقد حدد 90.3% من السكان، أي 53.8 مليون شخص، أنفسهم بهوية بريطانية واحدة على الأقل، سواء كانت إنجليزية أو ويلزية أو اسكتلندية أو من أيرلندا الشمالية أو بريطانية أو كورنية، في انخفاض طفيف من 92% عام 2011. في المقابل، اقتصر 9.7% من السكان، أي 5.8 مليون شخص، على هوية غير بريطانية فقط، وهي نسبة ارتفعت من 8% في التعداد السابق.
يجدر التوضيح أن التعداد الشامل، وهو المصدر الوحيد للتصنيف العرقي التفصيلي على هذا المستوى من الدقة، يُجرى في بريطانيا مرة كل عشر سنوات فقط، وموعد التعداد التالي بعد 2021 سيكون عام 2031، ما يجعل بيانات 2021 حتى الآن أحدث مصدر رسمي متاح لهذا النوع من التصنيف. غير أن مكتب الإحصاء الوطني ينشر سنويًا تقديرات سكانية عامة تعكس أحدث اتجاهات النمو والهجرة. فبحسب أحدث تقدير صادر في يوليو/تموز 2026 لمنتصف عام 2025، بلغ عدد سكان إنجلترا وويلز نحو 62 مليون نسمة، بزيادة قدرها 224,900 نسمة عن العام السابق، وهي أبطأ وتيرة نمو سكاني منذ منتصف 2020. ويعود هذا التباطؤ أساسًا إلى تراجع صافي الهجرة الدولية: فقد هاجر إلى إنجلترا وويلز من خارج المملكة المتحدة نحو 816,500 شخص خلال تلك السنة، مقارنة بـ1,197,500 شخص في العام الذي سبقها، بينما ارتفع عدد المغادرين إلى الخارج إلى نحو 604,800 شخص. كما تراجع عدد المواليد للعام الثاني على التوالي، في وقت لا يزال فيه أكثر من 40% من المواليد الجدد في إنجلترا وويلز لعام 2025 لأمهات أو آباء وُلدوا خارج المملكة المتحدة، وهو مؤشر إضافي على استمرار التفاعل بين السكان “الأصليين” والوافدين حتى في الجيل الحالي.
هذه الأرقام مجتمعة، القديمة منها والحديثة، تكشف حقيقة لافتة: حتى بين من يحملون هوية “أبيض بريطاني” اليوم، تعود أجزاء واسعة من تكوينهم الجيني إلى موجات هجرة قديمة، رومانية وجرمانية واسكندنافية وفرنسية-نورماندية، لم تعد تُصنَّف اليوم كـ”هجرة” لأن التاريخ طواها ببساطة في نسيج الهوية القومية.
لماذا الفرضية غير قابلة للتطبيق منهجيًا؟

يصطدم سؤال “من يبقى لو عاد الجميع؟” بثلاث عقبات جوهرية حين يُختبر منهجيًا. أولها غياب أي خط زمني مرجعي واضح: أي “أصل” يُعتمد معيارًا للحكم؟ ما قبل الرومان؟ ما قبل الأنجلوسكسون؟ ما قبل الفايكنج أم النورمان؟ فكل اختيار لنقطة بداية يستبعد تعسفًا طبقة سكانية أخرى ذات جذور عميقة بالقدر ذاته.
وثانيها اتساع رقعة التمازج الجيني عبر التاريخ؛ فالدراسة الأشمل حتى الآن، القائمة على أكثر من 4500 عينة ضمن مشروع “شعوب الجزر البريطانية”، خلصت إلى أن الأنجلوسكسون تزاوجوا مع السكان الأصليين ولم يحلّوا محلهم، وهو نمط ينسحب على معظم موجات الاستيطان اللاحقة أيضًا.
أما العقبة الثالثة فهي أن الهوية لا تعادل الأصل الجغرافي؛ فملايين ممن يُصنَّفون اليوم “بريطانيين” لهم أصول هجرة موثقة تعود لقرون، وتتشابك جذورهم الأسرية مع الجزيرة عبر أجيال متعاقبة، ما يجعل من مفهوم “العودة إلى الوطن الأم” فكرة سياسية خطابية أكثر منها واقعًا ديموغرافيًا قابلًا للقياس فعليًا.
سياق سياسي لا يمكن تجاهله
يجدر التنويه إلى أن هذا النمط من التساؤل الافتراضي يُستخدم في الخطاب العام البريطاني من زوايا متعارضة تمامًا. فمن جهة، تستثمره بعض التيارات القومية واليمينية كأداة لإثارة القلق من التحول الديموغرافي والدعوة لسياسات هجرة أكثر تشددًا، انطلاقًا من افتراض وجود “أصل إنجليزي نقي” مهدد بالتذويب. ومن جهة أخرى، يستخدمه باحثون ومؤرخون لعكس المعنى تمامًا، عبر إظهار أن مفهوم “الأصالة القومية” نفسه بناء حديث نسبيًا، وأن بريطانيا، شأنها شأن غيرها من الأمم الأوروبية، نتاج تراكم حضاري متعدد الطبقات لا ينفصل فيه “الأصيل” عن “الوافد”.
وتقتضي الموضوعية الصحفية هنا عرض الجدل بطرفيه: فبينما تدعم الحقائق التاريخية والجينية الرواية الثانية من الناحية العلمية البحتة، يبقى النقاش حول سياسات الهجرة الحالية ووتيرتها وأثرها الاقتصادي والاجتماعي قضية سياسية مشروعة قائمة بذاتها، تختلف جوهريًا عن الفرضية التاريخية موضوع هذا التقرير، وتستحق نقاشًا منفصلًا يستند إلى بيانات اقتصادية وديموغرافية معاصرة، لا إلى مفهوم “العودة إلى الأصل”.
ما الذي تصطدم به هذه الفرضية؟
فرضية “عودة الجميع إلى وطنهم الأم” تصطدم، عند اختبارها علميًا، بحقيقة أن إنجلترا نفسها لم تكن يومًا كيانًا سكانيًا مغلقًا أو متجانسًا. فمن الرومان إلى الأنجلوسكسون فالفايكنج فالنورمان، وصولًا إلى موجات الهجرة الحديثة من الكاريبي وجنوب آسيا والعالم العربي وأوروبا الشرقية، تشكّلت الهوية الإنجليزية عبر تراكم تاريخي مستمر لا عبر نقاء ديموغرافي متخيَّل. والسؤال الأدق الذي يطرحه التاريخ ليس “من الذي سيبقى؟”، بل: أي طبقة من طبقات الهجرة المتراكمة نعتبرها نقطة الصفر؟ وهو سؤال لا جواب علميًا حاسمًا له.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇