العرب في بريطانيا | التعليم في بريطانيا.. كيف تعلّمت الانتقال من حف...

من حفظ الإجابة إلى طرح السؤال: ماذا تعلّمت من الدراسة في بريطانيا؟

من حفظ الإجابة إلى طرح السؤال: ماذا تعلّمت من الدراسة في بريطانيا؟
فرح الكاظمي  أغسطس 13, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

منذ أن بدأت تجربتي الدراسية في بريطانيا، لفت انتباهي سؤال بسيط يتكرر كثيرًا في القاعات الدراسية والنقاشات:

What do you think? — ما رأيك؟

قد تبدو عبارة عادية، لكنها جعلتني أفكر في علاقتنا، نحن القادمين من تجارب تعليمية مختلفة، بالسؤال والإجابة.

كبر كثير منا وهو يعرف جيدًا معنى أن يكون طالبًا متفوقًا: أن يدرس جيدًا، ويحفظ جيدًا، ثم يعرف الإجابة عندما يُسأل. اعتدنا أن نبحث عن الإجابة الصحيحة، وأحيانًا عن الإجابة التي يريد الأستاذ سماعها.

لكن ماذا يحدث عندما لا يسألك أحد عن الإجابة، بل يسألك ببساطة: ما رأيك أنت؟

احتجت إلى بعض الوقت لأعتاد أن بعض الأسئلة لا توجد لها إجابة واحدة ينتظرها الأستاذ. قد يناقش طالبان الفكرة نفسها ويصلان إلى رأيين مختلفين بالكامل، ومع ذلك يكون كلاهما مقنعًا. لأن المهم ليس فقط: ماذا تعرف؟ بل: كيف وصلت إلى هذا الرأي؟ وما الدليل الذي تستند إليه؟

يمكنك أن تختلف مع فكرة قرأتها في كتاب أو بحث، وأن تسأل عن الدليل، بل وأن تغيّر رأيك في منتصف النقاش عندما تجد أن الحجة الأخرى أقوى. فالاختلاف هنا ليس مشكلة، وتغيير الرأي ليس ضعفًا.

شيئًا فشيئًا، بدأت أفهم أن التعليم لا يتعلق بكمية ما نعرفه فقط، بل بما نفعله بما نعرفه.

لماذا نخاف من السؤال؟

هذا جعلني أفكر في علاقتنا بالسؤال خارج الجامعة أيضًا.

كم مرة ترددنا في رفع أيدينا خوفًا من أن يكون سؤالنا «غبيًا»؟ وكم مرة قلنا لطفل كثير الأسئلة: «خلاص، لا تسأل كثيرًا»؟ وكم مرة فهمنا الاختلاف مع الأستاذ أو الأكبر سنًا أو الأكثر خبرة على أنه نوع من قلة الاحترام؟

بالطبع، لا يمكن اختزال ثقافة أو نظام تعليمي كامل في تجربة شخصية. ليس كل تعليم عربي قائمًا على الحفظ، وليس كل تعليم بريطاني قائمًا على التفكير والنقاش. لكن تجربتي جعلتني أتوقف أمام سؤال أراه مهمًا:

هل نعلّم أبناءنا كيف يجيبون فقط، أم نعلّمهم أيضًا كيف يسألون؟

أطفالنا في بريطانيا.. وربما يبدأ الاختلاف من هنا

هذه الفكرة تبدو أكثر وضوحًا لدى العائلات العربية التي يكبر أطفالها في المدارس البريطانية.

قد يعود الطفل إلى البيت ويسأل عن شيء نراه بديهيًا: «لماذا؟». نجيبه، فتأتي «لماذا؟» أخرى. وقد يكون الأمر متعبًا أحيانًا، لكن وراء هذا الإلحاح شيء مهم: الطفل لا يريد المعلومة فقط، بل يحاول أن يفهمها.

وهنا لدينا فرصة جميلة. فنحن نربي أبناءنا بين ما نحمله معنا من قيم وتجارب، وبين البيئة التي يكبرون ويتعلمون فيها. وليس المطلوب أن نختار ثقافة ونرفض الأخرى، بل أن نأخذ أفضل ما في الاثنين.

أن نحافظ على احترام المعلّم والكبير، من دون أن نجعل الاحترام يعني الصمت. وأن نعلّم الطفل أن بإمكانه أن يختلف بأدب، وأن يسأل بثقة، وأن يقول «لا أفهم» من دون أن يشعر بأن ذلك يقلل منه.

«لا أعرف» ليست إجابة سيئة

من أصعب الأشياء التي نتعلمها أحيانًا أن نقول: لا أعرف.

نميل إلى الاعتقاد بأن الشخص المتعلم يجب أن يمتلك إجابة عن كل شيء، لكن البحث العلمي علّمني شيئًا مختلفًا: كلما تعمقت في موضوع، أصبحت أكثر وعيًا بحجم ما لا أعرفه.

والأهم أن «لا أعرف» لا يجب أن تكون نهاية الحديث.

يمكن أن نقول: لا أعرف، لكن سوف أبحث.

أو: ما الدليل؟

وأحيانًا تحتاج هذه العبارات إلى شجاعة أكبر من إعطاء إجابة سريعة.

نحن نعيش في زمن الإجابات الجاهزة، ولذلك نحتاج إلى أسئلة أفضل

فهذا زمن لم تعد فيه المعلومة نادرة. هاتف صغير يستطيع أن يعطينا خلال ثوانٍ ما كان الوصول إليه يحتاج سابقًا إلى ساعات من البحث. ومع أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح الحصول على إجابة جاهزة ومقنعة أسهل من أي وقت مضى.

لكن وفرة الإجابات تضع أمامنا عقبة أكبر:

كيف نعرف أي إجابة نصدق؟

من كتب هذه المعلومة؟ ما مصدرها؟ ما الدليل؟ هل توجد وجهة نظر أخرى؟ وهل أصدقها لأنها صحيحة فعلًا، أم فقط لأنها توافق ما أؤمن به مسبقًا؟

لهذا أعتقد أن القدرة على السؤال أصبحت اليوم أكثر أهمية، لا أقل.

………..

العيش والدراسة في بلد مختلف لا يعني أن نتخلى عن ثقافتنا أو نقلّد ثقافة أخرى. لكنه يمنحنا فرصة ثمينة لأن ننظر إلى ما اعتدناه من زاوية مختلفة، وأن نقرر بوعي ما نريد الاحتفاظ به وما يستحق أن نعيد التفكير فيه.

وبالنسبة لي، واحدة من أهم الأفكار التي أريد أن أحملها معي من تجربتي في التعليم في بريطانيا هي:

لا تربط قيمة الإنسان دائمًا بامتلاكه الإجابة.

دعوا أبناءنا يسألون. ودعونا نحن أيضًا نسأل.

نسأل الأستاذ والطبيب والخبير. نسأل عمّا نقرأه ونشاهده. والأهم أن نمتلك الشجاعة لنسأل أنفسنا عن الأفكار التي كررناها طويلًا حتى بدت لنا وكأنها حقائق لا تحتاج إلى دليل.

لأن التعليم الحقيقي ربما لا يبدأ عندما نحفظ الإجابة الصحيحة، بل عندما نتعلم أن نسأل:

لماذا؟

وما الدليل؟

وكيف نعرف أن هذا صحيح؟

فأحيانًا، سؤال واحد جيد يغيّر طريقة تفكيرنا أكثر من عشرات الإجابات الجاهزة.

 

فرح الكاظمي
باحثة دكتوراه في الصحة العامة في جامعة لانكستر البريطانية

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
كشف تقرير للبرلمان البريطاني أبرز العمليات العسكرية والقواعد والمنشآت التي تعتمد عليها القوات المسلحة البريطانية في الشرق الأوسط، إلى جانب طبيعة انتشار القوات وأعداد أفرادها في المنطقة. وأوضح التقرير أن هذه المعلومات لا تشمل جميع القوات البريطانية الموجودة في الشرق…
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
"أحدُ الأشخاص القلائل الذين ساعدوني ماديًا.. كان رجلًا مسلمًا أسمر البشرة" المواطن البريطاني كيرون لوفتوس يدافع عن المسلمين ويشكرهم، بعد موقفٍ إنساني لم ينْسَهُ لرجلٍ مسلم ساندهُ ووقف بجانبه في أصعب ظروفه المالية. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
قصصُ نجاحٍ تُكتب بأيدٍ عربية في بريطانيا..🎓 يسرّنا في منصة "العرب في بريطانيا" أن نحتفي بنخبةٍ من طلابنا العرب الذين تألقوا في امتحانات A-Level، وحجزوا مقاعدهم في كُبرى التخصصات الجامعية. فخورون بكم وبكل ما حققتموه.. شاركونا تخصصات وقبولات أبنائكم وبناتكم…
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
R to @AlARABINUK: Image
عرض المزيد على X ←