الجارديان: حسابات خارجية قادت التحريض على “إكس” بعد اضطرابات بلفاست وساوثهامبتون
كشف تحليل أجرته صحيفة الجارديان أن أكثر من نصف الحسابات التي نشرت على منصة إكس -المملوكة لإيلون ماسك- محتوى عن أعمال الشغب في بلفاست والفوضى المدنية في ساوثهامبتون خلال حزيران/يونيو كانت مقارّها خارج بريطانيا. ومن بين 8,672 حسابًا تجاوزت منشوراتها مجتمعةً ألف مشاهدة، ظهر أن 45.3 في المئة فقط منها في بريطانيا، وفق خاصية تحديد الموقع في المنصة نفسها.
وبحسب البيانات، جاء سُدس الحسابات (16.8 في المئة) من الولايات المتحدة، و4.5 في المئة من أيرلندا، ونحو ربعها من دول أوروبية أخرى غير بريطانيا. كما أن سبعًا من أكثر 12 تغريدة قراءةً حول بلفاست وساوثهامبتون صدرت من الولايات المتحدة، بينها واحدة من ماسك نفسه واثنتان من معلّقين أمريكيين محسوبين على «اليمين البديل»، فيما ارتبطت تغريدة ثامنة بأمريكا الشمالية.
نافذة على تأثير خارجي

يشير التحليل إلى أن جهات يمينية أمريكية تسعى للتأثير في الشأن البريطاني وتعزيز حضورها على منصة إكس في لحظات الاضطراب، واستغلال أحداث مشتعلة لم تجذب سوى اهتمام سياسي متقطّع في بريطانيا. وتبيّن أن نحو ثلث مجموع 43 ألف منشور تناولت الحادثتين احتوى على تعليقات عنصرية أو معادية للهجرة، فيما تضمّن واحد من كل عشرة منشورات متصلة ببلفاست دعوات إلى العنف أو إلى تحرّكات شبه عسكرية أو خارجة عن القانون.
وقال عمران أحمد، الرئيس التنفيذي لمركز مكافحة الكراهية الرقمية، إن البيانات تُظهر أن منصة إكس صارت «سلاحًا مفضّلًا» لجهات أجنبية معادية تسعى إلى استغلال المحتوى الصادم والمثير للانقسام. وأضاف أن هدفها هو «تضخيم المآسي والأزمات المحلية، وتصعيد الروايات العنصرية، والتحريض على العنف في مجتمعات لم تطأها أقدامهم قط ولا تربطهم بها أي صلة حقيقية».
منشور ماسك و28 مليون مشاهدة

تجاوز منشور نشره ماسك، بعد صدور حكم بالسجن المؤبد على قاتل هنري نوفاك البالغ من العمر 18 عامًا، حاجز 28 مليون مشاهدة. وكان نواك قد اتُّهم زورًا بالعنصرية من قبل الشرطة بعد تعرّضه للطعن في ساوثهامبتون. وكتب ماسك قبيل الساعة الثالثة عصرًا في الثاني من حزيران/يونيو: «الإعلام السائد التقليدي، ذاته الذي كتب عن جورج فلويد ملايين المرات، صامتٌ تمامًا بشأن نوفاك»، في ترويجٍ فعليّ لمنصته في لحظة توتر واضطراب في المدينة بمقاطعة هامبشير.
وأُصيب 11 من عناصر الشرطة في ليلة الثاني من حزيران/يونيو في ساوثهامبتون، حين سار أشخاص قالوا إنهم يحتجّون على مقتل نوفاك نحو موقع الحادثة. وسبق ذلك تجمّع أمام مقرّ الشرطة الرئيسي في المدينة خاطبه الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون.
ويقيم ماسك في الولايات المتحدة ولم يزر بريطانيا منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023. وكان تحليل سابق للجارديان قد وجد أنه نشر عن قضايا العرق والهجرة في بريطانيا ضِعف ما نشره عن شركة سبيس إكس في الفترة التي سبقت طرحها العام الأولي في حزيران/يونيو.
«أحداث استراتيجية» لليمين المتطرف
حذّر خبراء أمن، بينهم فيونا هيل المستشارة السابقة للحكومتين الأمريكية والبريطانية، من أن بريطانيا هدف سهل للتلاعب الإلكتروني من جهات خارجية لأنها لا تأخذ فكرة الدفاع المدني أو «النفسي» على محمل الجد. أما الدكتورة يوليا إبنر، الباحثة في معهد الحوار الاستراتيجي وجامعة أكسفورد، فقالت إن الحوادث المشتعلة مثل ساوثهامبتون وبلفاست باتت «أحداثًا استراتيجية» لجهات اليمين المتطرف الساعية إلى تضخيمها واستغلالها.
وأوضحت إبنر أن هذه الجهات «تستخدم بريطانيا مثالًا سلبيًا، وتشوّه صورتها لترويج رواياتها عن انحطاط الحضارة الغربية أو الانهيار الاجتماعي»، مضيفةً أن الغرض الآخر هو «التأثير في السياسة البريطانية، والسياسة الأوروبية على نطاق أوسع»، عبر توظيف لحظات الأزمات في «الترويج لموجة يمينية متطرفة قوية عبر العالم».
حسابات بريطانية وأخرى مجهولة

جاءت أربع من أكثر 12 تغريدة مشاهدةً من حسابات بريطانية؛ اثنتان لزعيم حزب استعادة بريطانيا «Restore Britain» روبرت لاو الذي أيّده ماسك، وواحدة لقناة «GB News»، فيما كانت الأكثر رواجًا — بـ37.6 مليون مشاهدة — من المعلّق اليميني كونستانتين كيسين المعروف بمواقفه «المناهضة للصوابية السياسية».
ومن الحسابات الأخرى الموجودة في الولايات المتحدة حساب مجهول لكنه مألوف باسم @EndWokeness، الذي نشر في الثامن من حزيران/يونيو صورة ثابتة ضبابية لرجل أسود يعتدي على رجل أبيض في بلفاست، قائلًا إن الفيديو الكامل «أقسى من أن يُنشر»، فاجتذب 16.3 مليون مشاهدة. وكان الاعتداء عبارة عن طعنٍ فقد فيه الضحية ستيفن أوغلفي إحدى عينيه، وأشعل ثلاث ليالٍ من الشغب ذي الدوافع العنصرية استهدفت غير البيض في بلفاست، فيما وُجّهت إلى طالب لجوء من السودان تهمة محاولة القتل واعتُقل ما لا يقل عن 23 شخصًا.
وسبق أن استشهدت لجنة برلمانية بحساب @EndWokeness، الذي يتابعه 3.9 ملايين شخص، بعدما ضخّم ادعاءً كاذبًا بأن هجوم ساوثبورت عام 2024 الذي قُتلت فيه ثلاث فتيات نفّذه رجل مسلم. وربط محلل مصادر مفتوحة الحسابَ بجاك بوسوبيك، وهو مؤثّر يميني روّج نظرية «بيتزا غيت» التآمرية التي اتّهمت زورًا قيادات ديمقراطية أمريكية بممارسات ضد الأطفال في مطعم بيتزا في واشنطن.
مؤشرات على التزييف

من أبرز الناشرين أيضًا المؤثّر اليميني الأمريكي بيني جونسون، الذي اتّهم صحيفة نيويورك تايمز بأنها لم تكتب شيئًا عن نوفاك وكتبت آلاف المواد عن مقتل جورج فلويد في مينيابوليس عام 2020، رغم أن نوفاك قُتل في بريطانيا. ولم يكشف تحليل الحسابات الأكثر مشاهدة عن أي منشورات من روسيا أو الصين — البلدين المتّهمين بحملات تضليل إلكتروني — وإن ظلّ محتملًا أن ناشرين نجحوا في إخفاء مواقعهم عبر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).
وتعرض منصة إكس بيانات الموقع لمعظم الحسابات مستنبطةً إياها من عناوين بروتوكول الإنترنت، مع استثناء الحسابات الحكومية. وبعد إطلاق الخاصية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قال رئيس المنتجات آنذاك نيكيتا باير إن دقتها تفوق 99 في المئة، وكشفت عند إطلاقها أن بعض الحسابات المؤيدة لاستقلال اسكتلندا كانت مقارّها في إيران.
ومع ذلك ظهرت مؤشرات على التزييف في منشورات رائجة؛ فقد جاءت تغريدتان من الأكثر مشاهدةً من حساب C3 (@C_3C_3) الأمريكي متّهمًا «الإعلام التقليدي» بعدم تغطية قضية نوفاك، وصورة ملفه لرضيع يرتدي قبعة «اجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، وقد غُيّر اسم المستخدم 14 مرة سابقًا. كما كتب حساب بريطاني عن مقتل نوفاك ست مرات على الأقل بمجموع مشاهدات ناهز 3,800، بعدما غيّر اسمه أكثر من 400 مرة، إذ كتب أحد منشوراته عن «حشد ضخم من الوطنيين خارج مقر شرطة ساوثهامبتون».
ومن الحسابات الخارجية التي غيّرت أسماءها أكثر من 20 مرة، واحد في كينيا كتب بعد طعن بلفاست: «حين تعجز الدولة عن حماية الناس، تجد الشوارع لغتها الخاصة»، وآخر من أوروبا وصف قضية نوفاك بأنها «شرٌّ معولم محسوب وخبيث» يمسّ «كل شخص أبيض وكل أمة بيضاء». وبحسب تحليل الجارديان، كان نحو ثلث تغريدات بلفاست وساوثهامبتون — قرابة 13 ألفًا — عنصريًا أو معاديًا للمهاجرين، سواء صدر من داخل بريطانيا أو خارجها.
وعند التحليل المنفصل، تبيّن أن رُبع المنشورات المتعلقة بساوثهامبتون وحدها كانت عنصرية أو معادية للمهاجرين، مقابل ثلث المنشورات المتعلقة ببلفاست وحدها. وكتب ناشر مقرّه بريطانيا، بعد يوم من طعن بلفاست، أنه يأمل أن يكون المهاجم بريطاني المولد لأن «العرق هو القضية، لا الوضع القانوني للهجرة»، وحقق المنشور مليوني مشاهدة.
وقالت فاليري فيرتشافتر، الخبيرة في عمليات التأثير الأجنبي عبر الإنترنت من معهد بروكينغز الأمريكي، إنها تعتقد أن أحداثًا عنيفة مثل ما جرى في بلفاست وساوثهامبتون تمثّل «نقطة استغلال» يستطيع فيها «محرّضون خارجيون» إحداث تأثير غير متناسب. وأضافت أن موقعهم يتعزّز بتقليص منصة إكس وشركات التواصل الأخرى ضوابط المحتوى، وخصوصاً بفعل «الخوارزميات وكيفية تصادمها مع العمليات الإدراكية الأساسية للبشر، فنحن أكثر انجذاباً إلى ما يصدمنا».
المصدر: الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇