العرب في بريطانيا | الجفاف يخنق نهر واي البريطاني ويهدد الطبيعة وال...

الجفاف يخنق نهرًا بريطانيًا شهيرًا.. الطبيعة والسياحة تدفعان ثمن انخفاض منسوب المياه

الجفاف يخنق نهرًا بريطانيًا شهيرًا.. الطبيعة والسياحة تدفعان ثمن انخفاض منسوب المياه الصورة: توضيحية (AI)
محمد سعد أغسطس 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم يعد نهر واي (River Wye) يبدو في بعض مناطقه كما يعرفه زواره كل صيف. مساحات من الحصى والصخور ظهرت بعدما تراجعت المياه، وأصبحت القوارب تتحرك في مجرى أكثر ضحالة، بينما تواجه الأسماك والحياة المائية ضغطًا متزايدًا مع ارتفاع درجات حرارة المياه وانخفاض تدفقها.

المشهد رصدته شبكة «سكاي نيوز» (Sky News) خلال زيارة إلى وادي واي، حيث تتجاوز أزمة الجفاف حدود الطبيعة لتصل إلى الشركات المحلية التي تعتمد في نشاطها على النهر، من تأجير قوارب الكانو وتنظيم الرحلات إلى أماكن الإقامة والمطاعم والحانات التي تستفيد من حركة الزوار.

وتأتي الأزمة في وقت تستعد فيه بريطانيا لموجة حر خامسة خلال العام، مع توقعات بوصول درجات الحرارة إلى 36 درجة مئوية في بعض المناطق، ما يزيد الضغوط على أنهار عانت بالفعل أشهرًا من الطقس الجاف وقلة الأمطار.

نهر شهير يعيش على دعم الخزانات

يمتد نهر واي من وسط ويلز عبر مناطق من ويلز وإنجلترا، ويمر ببلدات ومناطق سياحية شهيرة مثل هاي أون واي وهيرفورد وروس أون واي ومونماوث، قبل أن يصل إلى مصب نهر سيفرن.

لكن الأرقام الرسمية تكشف مدى تراجع تدفقه الطبيعي هذا الصيف.

في منتصف يوليو/تموز، قالت هيئة الموارد الطبيعية في ويلز (Natural Resources Wales) إن نهر واي كان من بين الأنهار التي وصلت إلى مستويات منخفضة بصورة استثنائية، وإن السلطات اضطرت إلى تشغيل ترتيبات لتنظيم المياه من أجل دعم تدفقه.

والرقم الأكثر دلالة كان في الجزء السفلي من النهر، حيث كان نحو نصف التدفق يأتي من المياه التي تُطلق من خزان إيلان (Elan Reservoir)، وليس من التدفق الطبيعي للنهر نفسه. وقالت الهيئة إن ذلك يكشف حجم الاستنزاف الذي أصاب التدفق الطبيعي نتيجة نقص الأمطار والحرارة المرتفعة.

وفي 30 يوليو/تموز، أعلنت الهيئة رسميًا أن حالة الجفاف أصبحت تشمل ويلز بأكملها، بما في ذلك حوض نهر واي، بعدما تدهورت الظروف بصورة سريعة خلال أسابيع قليلة.

ولم تحصل ويلز حتى 27 يوليو/تموز سوى على نحو 8 في المئة من متوسط الأمطار المعتاد لذلك الشهر، ما وضع يوليو على طريق أن يصبح الأكثر جفافًا منذ بدء التسجيل قبل نحو 190 عامًا.

المشكلة ليست في كمية المياه فقط

 الجفاف يخنق نهرًا بريطانيًا شهيرًا.. الطبيعة والسياحة تدفعان ثمن انخفاض منسوب المياه
جفاف النهر يؤثر على البيئة.

انخفاض منسوب النهر ليس الخطر الوحيد.

فحين تنخفض المياه تحت أشعة الشمس، ترتفع حرارتها بسرعة أكبر، وتتراجع كمية الأكسجين المتاحة للأسماك والكائنات المائية، في الوقت نفسه الذي تصبح فيه الملوثات الموجودة في النهر أقل تخفيفًا بفعل المياه.

وسجلت هيئة الموارد الطبيعية درجات حرارة بلغت 20 درجة مئوية أو أكثر في عدد من أنهار ويلز، فيما تجاوزت حرارة المياه في نهري واي وأسك 26 درجة مئوية خلال موجات الحر.

وحذرت الهيئة من أن الجمع بين انخفاض التدفقات وارتفاع الحرارة يمكن أن يؤثر في صحة الأسماك وهجرتها، ولا سيما السلمون، كما سجلت السلطات في مناطق مختلفة حالات إجهاد ونفوق للأسماك مع استمرار الظروف الجافة.

حين يصبح النهر اقتصادًا

لكن أزمة نهر واي لا تتوقف على النظام البيئي.

فالمنطقة المحيطة به تعتمد تاريخيًا على السياحة إلى جانب الزراعة والغابات، وتقول إدارة «وادي واي الوطني» (Wye Valley National Landscape) إن النشاط السياحي في المنطقة ارتبط منذ بداياته بالنهر والبلدات الواقعة على امتداده وبجمال المشهد الطبيعي المحيط به.

وعلى ضفاف واي نشأت عشرات الأنشطة التجارية التي تعتمد عليه مباشرة.

شركات تأجير القوارب تقدم رحلات تبدأ من جولات تستغرق نصف يوم وتمتد إلى رحلات لعدة أيام، مع التخييم والإقامة على امتداد النهر. وتصف إحدى الشركات المحلية واي بأنه أحد أشهر الأنهار البريطانية لممارسة رياضة الكانو، وتقول إنها تعمل في هذا النشاط منذ عام 1968.

لكن انخفاض المياه يغيّر طبيعة هذه الرحلات.

فالشركات نفسها تنبه زوارها إلى أن مستوى النهر يؤثر في سرعة التدفق والملاحة والسلامة وإمكان الوصول إلى نقاط الانطلاق، وتتابع مناسيب المياه بصورة يومية قبل السماح للرحلات بالخروج. وفي الظروف المنخفضة للغاية، قد تضطر القوارب إلى البحث عن القنوات الأعمق أو تجنب أجزاء ضحلة من المجرى.

وتوصي شركات التجديف كذلك بتجنب المرور فوق الحصى المكشوفة في ظروف المياه المنخفضة وعدم إزعاج المناطق التي تعتمد عليها الأسماك والطيور والكائنات الأخرى.

وهنا تلتقي الأزمة البيئية بالمشكلة الاقتصادية التي ركز عليها تقرير سكاي.

فالنشاط التجاري يعتمد على وجود نهر صالح لممارسة الرحلات، بينما حماية النهر في الوقت نفسه قد تقتضي الحد من بعض الأنشطة عندما تنخفض المياه بصورة حادة.

موسم الصيف يتحول إلى مصدر للقلق

 الجفاف يخنق نهرًا بريطانيًا شهيرًا.. الطبيعة والسياحة تدفعان ثمن انخفاض منسوب المياه
موسم الصيف يهدد منسوب النهر. الصورة| توضيحية (AI)

مفارقة الأزمة أن الصيف يفترض أن يكون من أهم المواسم بالنسبة إلى الشركات السياحية في وادي واي.

الطقس الدافئ والعطلات المدرسية يدفعان الزوار إلى الرحلات النهرية والمخيمات والحانات والمطاعم وأماكن الإقامة الريفية. لكن الطقس نفسه الذي يجلب السياح بات يهدد المورد الطبيعي الذي يجذبهم.

وحين يصبح النهر أكثر ضحالة، لا تتأثر شركة القوارب وحدها.

فالزائر الذي لا يحجز رحلة قد لا يحتاج إلى ليلة إضافية في أحد أماكن الإقامة، أو وجبة في حانة تقع على مسار الرحلة، أو وسيلة نقل تعيده من نقطة انتهاء التجديف. وهكذا يمكن أن تنتقل آثار انخفاض المياه عبر سلسلة من الأعمال الموسمية الصغيرة التي يقوم اقتصاد المنطقة على كثير منها.

نهر كان مريضًا قبل وصول الجفاف

ويزداد الوضع تعقيدًا لأن نهر واي لم يدخل موسم الجفاف وهو في أفضل حالاته البيئية.

فقد عانى النهر خلال السنوات الماضية ضغوطًا مرتبطة بالتلوث والمغذيات والفوسفات وتدهور بعض المواطن الطبيعية، فيما أصبحت حالته البيئية موضوعًا لحملات سياسية وقانونية واسعة.

وفي يوليو/تموز، نشرت هيئة الموارد الطبيعية في ويلز دراستين جديدتين عن صحة النهر، قالت إنهما تظهران استمرار الضغوط على النظام البيئي، لكنهما تشيران أيضًا إلى أن التعافي ممكن إذا جرى التحرك على مستوى الحوض كله.

وهذا يجعل الجفاف عاملًا إضافيًا فوق أزمة موجودة أصلًا.

فالمياه الأقل تدفقًا تعني بيئة أكثر هشاشة أمام الحرارة والتلوث، والأسماك التي كانت تواجه بالفعل تدهور جودة المياه تجد نفسها الآن في مجرى أكثر سخونة وأقل عمقًا.

قبل ثلاثة أشهر فقط.. «حق النهر في التدفق»

المفارقة الأكثر لفتًا للنظر جاءت قبل أقل من ثلاثة أشهر من أزمة الصيف الحالية.

ففي مايو/أيار، أصبح حوض نهر واي الأول في بريطانيا الذي يُعترف به رسميًا، ضمن ميثاق بيئي، بوصفه نظامًا بيئيًا حيًا يتمتع بمجموعة من «الحقوق المتأصلة».

ومن بين الحقوق التي نص عليها الميثاق: الحق في التدفق، والحق في التنوع البيولوجي، والحق في التحرر من التلوث، والحق في التجدد البيئي.

كان الإعلان في حينه خطوة رمزية وسياسية في معركة طويلة لإنقاذ النهر من التلوث والتدهور.

لكن بعد أسابيع قليلة فقط، اكتسب تعبير «الحق في التدفق» معنى أكثر حرفية.

فالمشكلة أمام سكان المنطقة والسلطات لم تعد فقط كيف تصبح مياه واي أكثر نظافة، وإنما كيف يبقى في النهر ما يكفي من المياه أصلًا للحفاظ على نظامه البيئي والأنشطة التي تعتمد عليه.

صورة من مستقبل أكثر حرارة؟

لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن نهر واي سيجف بالكامل، كما أن إطلاق المياه من الخزانات يساعد على الحفاظ على التدفقات في بعض مناطقه.

لكن الجهات البيئية البريطانية تحذر من أن الظروف التي أنتجت الأزمة الحالية قد تصبح أكثر تكرارًا.

وقالت هيئة الموارد الطبيعية في ويلز إن أنماط الطقس القاسية التي شهدتها البلاد تمثل مثالًا واضحًا على آثار تغير المناخ، مع توقع أن تصبح فصول الصيف الأكثر حرارة وجفافًا وفصول الشتاء الأكثر رطوبة جزءًا أكثر اعتيادية من المناخ البريطاني خلال السنوات المقبلة.

وهذا هو ما يجعل قصة نهر واي أكبر من صيف سيئ واحد.

فبالنسبة إلى الأسماك والكائنات المائية، يعني انخفاض المياه صراعًا على مناطق أكثر برودة وغنى بالأكسجين. وبالنسبة إلى الشركات المحلية، يعني تهديدًا لموسم سياحي يعتمد على استمرار النهر في أداء دوره الذي اعتاد عليه منذ عقود.

أما بالنسبة إلى بريطانيا، فقد يكون واي صورة مبكرة لمعضلة ستتكرر على أنهار أخرى: ماذا يحدث عندما يصبح الطقس الذي يجذب الناس إلى المياه هو نفسه الطقس الذي يسحب المياه من تحتهم؟

المصدر: سكاي نيوز، هيئة الموارد الطبيعية في ويلز


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
"حاجة ملحة وسباق مع الزمن لإنقاذ أرواح الأبرياء في جنوب لبنان" في شهادة ميدانية مؤلمة، تنقل الدكتورة شميلا الواقع الطبي الحرِج الذي يواجهه مئات الآلاف من النازحين في جنوب لبنان، ممن فروا من منازلهم دون أدنى مقومات الحياة الأساسية، وكيف…
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
شراكة استراتيجية وتدريب قيادي منصة "العرب في بريطانيا" توقع اتفاقية شراكة مع "كشافة المغرب" في مخيم إفران، وتختتم دورة تدريبية لـ 50 قائدًا وقائدة في صناعة المحتوى والإعلام الرقمي. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
R to @AlARABINUK: للمزيد من التفاصيل عبر الرابط المرفق: https://alarabinuk.com/?p=240448
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
السلفادور بديلًا عن سجون بريطانيا.. كشف زعيم حزب "ريفورم"، نايجل فاراج، أنه بدأ محادثات مع حكومة السلفادور بشأن خطة تقضي بإرسال نحو 10 آلاف سجين أجنبي يقضون عقوبات في السجون البريطانية إلى سجون السلفادور، وذلك في حال وصول حزبه إلى…
عرض المزيد على X ←