من أنفيلد إلى شواطىء البحر الأسود.. كيف أدهش استقبال محمد صلاح الصحافة البريطانية؟
لم يحتج محمد صلاح إلى خوض مباراة واحدة بقميص طرابزون سبور حتى تحولت المدينة التركية المطلة على البحر الأسود إلى مسرح لواحد من أكثر مشاهد الانتقالات إثارة هذا الصيف.
عشرات الآلاف من المشجعين، وألعاب نارية وشماريخ وهتافات باسم النجم المصري، فيما كانت الحشود تتدافع لرؤية اللاعب الذي أمضى تسع سنوات في ليفربول وأصبح خلالها واحدًا من أبرز نجوم الدوري الإنجليزي الممتاز.
المشهد لم يمر عابرًا في الصحافة البريطانية. فصلاح ليس بالنسبة إليها لاعبًا غادر أحد أندية البريميرليغ فحسب، وإنما واحد من أبرز الوجوه التي صنعت حقبة كاملة في أنفيلد؛ ثالث الهدافين التاريخيين لليفربول برصيد 257 هدفًا في 442 مباراة، وصاحب إرث جعله يغادر النادي بوصفه أحد أعظم لاعبيه.
ولهذا، حملت متابعة الصحافة البريطانية لوصوله إلى تركيا مزيجًا من الدهشة والفضول: دهشة من حجم الاستقبال، وفضول بشأن اختياره طرابزون تحديدًا بعد نهاية مسيرته الطويلة في إنجلترا.
«25 ألف مشجع».. استقبال أدهش صلاح نفسه
صحيفة «ذا صن» (The Sun) اختارت الصورة الأكثر صخبًا من الحدث، وقالت إن نحو 25 ألفًا من مشجعي طرابزون سبور احتشدوا لاستقبال صلاح، في مشهد امتلأ بالشماريخ والألعاب النارية والهتافات.
ووصفت الصحيفة صلاح بأنه بدا في حالة من الدهشة أمام حجم الجماهير التي خرجت لرؤيته، بعدما تحولت لحظة وصوله إلى احتفال ضخم سبق ظهوره الأول بقميص الفريق داخل الملعب.
وبحسب الصحيفة، عبر صلاح نفسه عن إعجابه بالمشهد، فيما قدمت التغطية وصول «أسطورة ليفربول» باعتباره واحدًا من أكبر الأحداث التي شهدها النادي التركي في سوق الانتقالات.
وكانت الاحتفالات قد بدأت قبل الوصول إلى طرابزون نفسها. فعند وصول صلاح إلى إسطنبول لإتمام الفحوص الطبية والإجراءات الخاصة بالانتقال، ذكرت وكالة رويترز أن مئات المشجعين تزاحموا في مطار أتاتورك لإلقاء نظرة عليه، قبل أن يقود معهم أحد الهتافات التقليدية للنادي.
لكن ما حدث لاحقًا في طرابزون رفع حجم الاستقبال إلى مستوى آخر، وحوّل الصفقة من خبر انتقال لاعب كبير إلى مشهد جماهيري وجد طريقه سريعًا إلى وسائل الإعلام البريطانية.
الجارديان تعود 50 عامًا إلى الوراء
أما صحيفة «الجارديان» (The Guardian)، فاختارت زاوية أكثر طرافة وتاريخًا.
فبدل الاكتفاء بصور صلاح وسط الجماهير، أعادت الصحيفة القصة خمسين عامًا إلى الوراء، إلى أول زيارة قام بها ليفربول إلى طرابزون لمواجهة طرابزون سبور في كأس أوروبا عام 1976.
كانت تلك الرحلة، وفق شهادات لاعبي ومدربي ليفربول في ذلك الوقت، بعيدة تمامًا عن صورة الترحيب التي وجدها صلاح في المدينة عام 2026.
المدرب الأسطوري بوب بيزلي لم يكن سعيدًا بالفندق أو الطعام أو حتى الكرة المستخدمة في المباراة، بينما وصف حارس ليفربول السابق راي كليمنس الرحلة في وقت لاحق بأنها «أسوأ رحلة أوروبية» خاضها مع النادي.
بعد نصف قرن تقريبًا، قلبت الجارديان الصورة رأسًا على عقب.
فالمدينة التي تركت لدى جيل ليفربول في السبعينيات تلك الذكريات أصبحت الآن المكان الذي اختاره أحد أعظم لاعبي النادي لقضاء الفصل التالي من مسيرته.
وكتبت الصحيفة، بنبرة ساخرة، أن طرابزون أصبحت «أكثر ترحيبًا قليلًا» خلال العقود الخمسة الماضية، قبل أن تنتقل إلى صور الجماهير التي خرجت بأعداد ضخمة لاستقبال النجم المصري.
وهي مقارنة تمنح انتقال صلاح معنى يتجاوز الصفقة نفسها: قبل خمسين عامًا، كان ليفربول يسافر إلى طرابزون باعتبارها محطة أوروبية صعبة وغير مألوفة، واليوم يصل إليها واحد من أكبر رموز أنفيلد لتحتفل به المدينة كما لو كان بطلها الشعبي.
لكن لماذا طرابزون؟
وراء الاحتفاء البريطاني بحجم الاستقبال ظل سؤال آخر حاضرًا: لماذا اختار صلاح طرابزون سبور؟
فالنجم المصري غادر ليفربول بعد تسع سنوات أصبح خلالها أحد أشهر لاعبي كرة القدم في العالم، وكان مرتبطًا باهتمام أندية أخرى قبل إعلان انتقاله إلى النادي التركي.
ولهذا بدا اختيار طرابزون مفاجئًا للبعض في الإعلام الرياضي البريطاني.
شبكة «توك سبورت» (talkSPORT) نقلت دهشة لاعب ليفربول السابق دين سوندرز من القرار، إذ رأى أن صلاح لا يزال قادرًا على اللعب في مستوى أعلى، وتساءل عن الأسباب التي دفعته إلى اختيار طرابزون. وفي المقابل، رأت أصوات تركية تحدثت للشبكة أن الصفقة قد تغير ميزان المنافسة داخل الدوري وتمنح طرابزون سبور فرصة أكبر لمواجهة هيمنة أندية إسطنبول الكبرى.
وهنا يصبح حجم الاستقبال نفسه جزءًا من الإجابة.
فصلاح لا ينتقل إلى نادٍ ينظر إليه فقط بوصفه جناحًا قادرًا على تسجيل الأهداف، وإنما إلى مدينة ونادٍ يدركان أنهما حصلا على اسم عالمي يمكن أن يغيّر موقعهما داخل حدود كرة القدم التركية.
طرابزون تريد مكانًا على خريطة العالم

هذا المعنى ظهر بوضوح في تصريحات رئيس طرابزون سبور أرطغرل دوغان، التي أبرزتها الجارديان.
دوغان وصف صلاح بأنه «نجم عالمي»، وقال إن النادي كان يحتاج لاعبًا مثله، مضيفًا أن طرابزون سبور يريد إرسال رسالة مفادها أنه قادر على استقطاب اللاعبين الذين يريدهم إلى المدينة.
لم تكن إذن صفقة صلاح مجرد محاولة لإضافة هداف مخضرم إلى الفريق.
بالنسبة إلى طرابزون سبور، فإن لاعبًا صنع اسمه في واحد من أكبر أندية العالم، وفاز مع ليفربول بالدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، يحمل معه شيئًا لا يمكن قياسه بعدد الأهداف وحدها: الاهتمام العالمي.
وهذا ما التقطه أحد مشجعي طرابزون ممن تحدثت إليهم الجارديان، حين لخّص أثر الصفقة بفكرة بسيطة: العالم سيتحدث عن النادي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم ضخامة الاحتفال. فالجماهير لم تكن تحتفل فقط بلاعب جديد، بل بلحظة شعرت فيها أن ناديها أصبح فجأة في قلب الحديث العالمي عن كرة القدم.
«الملك المصري» في طريقه إلى مملكة جديدة

بالنسبة إلى الصحافة البريطانية، يصعب فصل صور صلاح في تركيا عن الصور التي سبقتها بأسابيع قليلة في أنفيلد.
في مايو/أيار الماضي، ودعه جمهور ليفربول بعد تسع سنوات، في يوم غلبت عليه الدموع والتكريم. وقال صلاح حينها إن الرحيل عن مكان مثل ليفربول كان أمرًا بالغ الصعوبة، فيما وصفه النادي بأنه أحد أعظم من ارتدوا قميصه.
بعد أسابيع فقط، ظهرت صورة مختلفة تمامًا.
لم يعد صلاح يقف أمام مدرج «ذا كوب» مودعًا، وإنما أمام بحر من الأعلام والشماريخ على ساحل البحر الأسود، بينما تهتف باسمه جماهير لم تشاهده بعد يلعب دقيقة واحدة بقميص فريقها.
ربما ظل السؤال البريطاني حاضرًا: لماذا طرابزون؟
لكن المدينة قدمت في ليلة وصوله جزءًا من الإجابة.
بعد تسع سنوات كان خلالها «الملك المصري» أحد رموز ليفربول والدوري الإنجليزي، وجد محمد صلاح مكانًا جديدًا مستعدًا، منذ اللحظة الأولى، لأن يضعه في مركز المشهد.
وبالنسبة إلى طرابزون سبور، لم يكن وصوله مجرد تقديم لاعب جديد، وإنما إعلانًا عن طموح يتجاوز حدود تركيا. أما بالنسبة إلى صلاح، فقد بدا الرحيل عن أنفيلد أقل شبهًا بنهاية الحكاية، وأكثر شبهًا ببداية فصل جديد؛ في مدينة حرصت منذ الليلة الأولى على أن تقول له، وللعالم، إنه لم يصل إليها كلاعب عادي بل كبطل لقصتها الجديدة.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇