غزة… الجرح الذي لن يغيب
قالوا إن الحرب انتهت… لكن من يُقنع الأرض التي ما زالت تنزف أن الحرب انتهت؟ ومن يُخبر الركام أن يتوقف عن احتضان الشهداء؟ ومن يُقنع الأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن أبناءهن تحت الأنقاض أن المأساة أصبحت من الماضي؟
قالوا إن الحرب انتهت… لكن في غزة لا يزال كل صباح يحمل وداعًا جديدًا، وكل مساء يكتب فصلًا آخر من الحزن، وكل يوم يضيف أسماءً جديدة إلى سجل الشهداء. قالوا إن الحرب انتهت، فظنَّ العالم أن الحياة عادت، وأن الناس استراحوا، وأن الأفراح عادت إلى البيوت. لكن كيف تنتهي حربٌ وما زالت المقابر تتسع كل يوم؟ وكيف يُقال إن السلام عاد، والبيوت لا تزال تُهدم، والقلوب تُفجع، والأحلام تُدفن تحت الركام؟
هناك، في غزة، لا يقاس الزمن بالأيام، بل بعدد الوداعات، ولا تُعدُّ الساعات بدقاتها، بل بأصوات الانفجارات، ولا تُكتب الحكايات بالحبر، بل بدماء الأبرياء.
كذبوا حين أوهموا العالم أن المأساة أصبحت خلفنا، وأن الحياة عادت إلى طبيعتها. ففي غزة، لا تزال الحياة تُدفن تحت الأنقاض، ولا تزال الأرواح تُنتشل من بين الركام، ولا يزال الأطفال يولدون على صوت القصف، ويكبرون وهم لا يعرفون معنى الأمان، وكأن الخوف أصبح أول لغةٍ يتعلمونها، والحرمان أول ما يرافق طفولتهم.
ما يحدث في غزة لا يشبه أي مأساة عرفها العالم. هناك تُشيَّع عائلاتٌ بأسرها في جنازةٍ واحدة؛ أبٌ وأم، وأطفال، وأجداد، وأحفاد. عائلاتٌ مُسحت من الوجود في لحظات، حتى أصبح اسم الأسرة عنوانًا لقائمة طويلة من الشهداء. وكأن الموت لم يكتفِ بروحٍ أو اثنتين، بل أراد أن يقتلع شجرةً كاملةً من جذورها بأبشع صورة يمكن أن يتخيلها الإنسان.
أيُّ قلبٍ يستطيع أن يحتمل هذا المشهد؟ وأيُّ لغةٍ تستطيع أن تصف حجم الفقد حين يصبح اسم العائلة مرادفًا للمجزرة؟ وحين يتحول البيت، الذي كان يضج بالحياة، إلى كومةٍ من الحجارة تخفي تحتها الضحكات والذكريات والأحلام؟
وربما خفتت عدسات الإعلام، وربما قلَّت الأخبار، وربما غاب كثيرٌ من الصحفيين لأنهم استُشهدوا وهم يؤدون رسالتهم، أو لأن العالم قرر أن يدير وجهه بعيدًا. لكن الحقيقة لا تموت إذا غابت الكاميرا، والوجع لا ينتهي إذا صمتت نشرات الأخبار. فالمأساة لا تحتاج إلى بثٍّ مباشر حتى تكون حقيقية، ولا إلى عناوين عاجلة حتى تستحق أن تُروى.
غزة ليست خبرًا عابرًا، ولا عنوانًا مؤقتًا في صحيفة، ولا رقمًا يُضاف إلى نشرات الإحصاء. غزة وطنٌ ينزف، وحكايةُ شعبٍ صمد رغم كل ما مرَّ به، وذاكرةُ أمةٍ يجب ألا تُنسى؛ لأن النسيان خذلان، ولأن الصمت أمام الألم مشاركةٌ في دفنه.
لن ننسى البيوت التي هُدمت فوق رؤوس أصحابها، ولن ننسى الأطفال الذين رحلوا قبل أن يحفظوا أسماء ألعابهم أو يرسموا أحلامهم الصغيرة. لن ننسى الأمهات اللواتي ودَّعن أبناءهن بصمتٍ يوجع السماء، ولا الآباء الذين حملوا أبناءهم شهداء بعدما كانوا يحملونهم أملًا لمستقبلٍ أجمل.
سنظل نذكر غزة، حتى لو صمت العالم، وحتى لو تغيَّرت عناوين الأخبار. سنحمل أسماء شهدائها في قلوبنا، ونروي قصصهم لأبنائنا، لأن الأمم التي تنسى مآسيها تفقد جزءًا من إنسانيتها، وتخسر ذاكرتها قبل أن تخسر تاريخها.
قد يخفت ضجيج الإعلام، وقد تتبدل اهتمامات العالم، لكن غزة ستبقى حاضرةً في الضمائر، عصيةً على النسيان. ستبقى شاهدًا على وجعٍ عظيم، وعلى صمودٍ استثنائي، وعلى شعبٍ كتب بدمائه واحدةً من أكثر صفحات التاريخ إيلامًا وثباتًا.
وغزة ليست مجرد مدينة، بل رمزٌ للكرامة والصمود، وصوتُ المظلوم الذي يرفض أن يخفت، وضميرُ الإنسانية الذي يذكّر العالم كل يوم بأن العدالة لا تُقاس بقوة السلاح، بل بقدسية الإنسان وحقه في الحياة.
رحم الله من رحل، وشفى جراح من بقي، وربط على قلوب الثكالى، وأعاد إلى أهل غزة أمنهم وسكينتهم، وجعل لهم من بعد هذا البلاء فرجًا قريبًا وعدلًا يليق بما قدموه من تضحيات.
وسيظل وعدنا لها ثابتًا: لن ننساكِ يا غزة، ما دام فينا قلبٌ ينبض، وما دام فينا ضميرٌ حي، وما بقي في هذه الأمة من يروي الحقيقة ويحفظ الذاكرة.
الرابط المختصر هنا ⬇


