تحليل: وزير الخزانة يحذر السوبرماركت.. هل تختبر حكومة بيرنهام حدود السوق؟
حين يقول وزير الخزانة جون هيلي إنه «لن يسمح للسوبرماركت باستغلال» الناس، فالمسألة لا تتعلق بتحذير عابر من ارتفاع الأسعار. إنها فصل جديد في نقاش أوسع بدأ قبل وصول آندي بيرنهام إلى داونينغ ستريت: إلى أي مدى تستطيع الحكومة البريطانية التدخل في أسعار السلع الأساسية من دون أن تبدو كأنها تدير السوق من فوق؟
بحسب صنداي تلغراف، حذر هيلي محال السوبرماركت من استغلال أزمة الشرق الأوسط لرفع الأسعار، وتعهد بأن يكون «مباشرًا وحاضرًا» في حماية المستهلكين. كما تحدث عن صلاحيات الجهات التنظيمية في مواجهة ممارسات رفع الأسعار بصورة مبالغ فيها أثناء الأزمات، أو ما يُعرف بـprice-gouging.
هذا لا يعني أن الحكومة ستحدد سعر الخبز أو الحليب أو البيض. لكنه يعني أن سلة الطعام لم تعد تُترك بالكامل لمنطق السوق، خصوصًا حين تتحول الحرب والطاقة والشحن إلى مبررات جاهزة لرفع الأسعار.
الذاكرة القريبة: سقوف الأسعار التي أثارت غضب السوق
حساسية تصريح هيلي لا تأتي من فراغ. ففي أيار/مايو الماضي، ضغطت وزارة الخزانة على كبرى سلاسل السوبرماركت لبحث سقوف طوعية لأسعار سلع أساسية مثل البيض والخبز والحليب، مقابل تخفيف بعض الأعباء التنظيمية أو تأجيل قواعد مكلفة. لكن الحكومة اضطرت سريعًا إلى نفي وجود سقوف إلزامية، بعد اعتراض قوي من القطاع.

كان رد السوبرماركت حادًا. رئيس ماركس آند سبنسر ستيوارت ماشين وصف فكرة سقوف أسعار الغذاء بأنها «سخيفة تمامًا»، بينما حذرت هيئة تجارة التجزئة البريطانية من العودة إلى «ضوابط أسعار على طريقة السبعينيات»، ومن إجبار المتاجر عمليًا على بيع بعض السلع بخسارة.
هذه الذاكرة مهمة لأنها تشرح لماذا يبدو تحذير هيلي اليوم حساسًا. فالحكومة لا تبدأ من صفحة بيضاء، بل من محاولة سابقة للاقتراب من تسعير السلع الأساسية، ثم تراجع جزئي أمام ضغط السوق. لذلك تبدو رسالته الحالية أقل من ضبط الأسعار، لكنها أكثر من مجرد مناشدة أخلاقية.
ما الطبيعي في بريطانيا.. وما الاستثنائي؟
في بريطانيا، تدخل الدولة في السوق ليس أمرًا غريبًا. هناك هيئة المنافسة والأسواق، ورقابة على تسعير الوقود، وتحقيقات في أسعار الولاء، وتسعير الوحدة، وشفافية العروض داخل المتاجر. الدولة لا تقف خارج السوق، بل تحاول التأكد من أن المنافسة تعمل وأن المستهلك لا يُضلل أو يُستغل.
لكن ما يظل غير مألوف هو أن تتحول الحكومة إلى طرف يضغط مباشرة على أسعار الغذاء اليومية. فالفارق كبير بين أن تمنع الدولة ممارسات احتكارية أو مضللة، وبين أن تقترب من تحديد سعر سلع أساسية أو تجميدها سياسيًا، حتى لو كان ذلك طوعيًا.
لذلك يتحرك هيلي في منطقة ضيقة: يريد أن يظهر كوزير خزانة يحمي الأسر من الاستغلال، لا كوزير يفرض تسعيرة حكومية على السوبرماركت. يريد أن يقول إن الدولة حاضرة، من دون أن يعطي خصومه فرصة للقول إن حكومة بيرنهام تعيد بريطانيا إلى اقتصاد الأوامر.
حجة السوبرماركت ليست ضعيفة

لكن التحليل لا يستقيم إذا تحول السوبرماركت إلى متهم سهل. فارتفاع أسعار الغذاء لا ينتج فقط من جشع المتاجر. هناك كلفة الطاقة، والأجور، والنقل، والتغليف، وسلاسل الإمداد، وأسعار السلع المستوردة، ومنافسة قوية بين المتاجر الكبرى وسلاسل الخصم.
ولهذا جاءت خلاصات هيئة المنافسة والأسواق في 2023 مهمة. فقد قالت إن الأدلة لا تشير إلى أن ضعف المنافسة في قطاع التجزئة كان هو المحرك الرئيسي لتضخم الغذاء. والأهم أنها وجدت أن أرباح التشغيل في قطاع البقالة تراجعت 41.5 في المئة في 2022/2023، وأن متوسط هامش التشغيل انخفض من 3.2 في المئة إلى 1.8 في المئة.
هذه الأرقام لا تبرئ كل ممارسة تسعير، لكنها تكسر السردية السهلة: الحكومة الطيبة في مواجهة سوبرماركت جشع. الواقع أعقد. بعض الأسعار يرتفع لأن التكلفة ارتفعت فعلًا، وبعض الهوامش ضيقة، وبعض الضغوط قد ينتقل في النهاية إلى الموردين والمزارعين إذا ضغطت الحكومة على المتاجر من جهة واحدة.
من حماية المستهلك إلى سياسة كلفة المعيشة
مع ذلك، لا تستطيع حكومة بيرنهام أن تختبئ خلف تعقيدات السوق. فالناخب لا يرى سلاسل الإمداد، بل يرى فاتورة الشراء. ولا يحاسب أسعار النفط عالميًا، بل يحاسب الحكومة التي وعدته بتخفيف كلفة المعيشة.
من هنا يصبح السوبرماركت مسرحًا سياسيًا. فرفوف الطعام هي المكان الذي يلمس فيه المواطن التضخم مباشرة: ما الذي ارتفع؟ ما الذي اختفى من العربة؟ وما الذي صار رفاهية بعد أن كان جزءًا من الشراء الأسبوعي؟
تحذير هيلي يخدم هذه الرسالة: الحكومة لن تقول للناس فقط إن الحرب رفعت الأسعار، بل ستسأل أيضًا من يربح من الأزمة، وهل تمرر الشركات التكلفة الحقيقية أم تضيف إليها هامش خوف.
اختبار بيرنهام
القصة، إذن، ليست عن السوبرماركت وحدها. إنها عن شكل الدولة في عهد بيرنهام.
حكومة بيرنهام لا تستطيع أن تعلن حربًا على السوق، لأن السوق البريطاني لا يعمل بهذه الطريقة، ولأن ضبط الأسعار المباشر قد يرتد بنقص في السلع أو ضغط على الموردين أو اتهامات بتشويه المنافسة. لكنها لا تستطيع أيضًا أن تطلب من الأسر انتظار السوق حتى «يصحح نفسه»، بينما ترتفع فواتير الطعام والوقود والطاقة.
لذلك يبدو خط هيلي محاولة لصياغة طريق ثالث: لا تسعيرة حكومية، ولا ثقة عمياء في السوق. تدخل عبر الرقابة، والضغط، والتهديد بصلاحيات تنظيمية عند الضرورة، مع تجنب القفز إلى سقوف أسعار شاملة.
سيقول اليمين إن هذه بداية تدخل حكومي زائد، وإن الأسعار لا تُخفض بالتحذيرات. وستقول الحكومة إن ترك السوق وحده في لحظة أزمة يعني ترك المواطن وحده أمام الفاتورة. وبين الاتهامين، سيُختبر بيرنهام في سؤال بسيط وصعب: كيف تحمي الدولة الناس من الغلاء من دون أن تكسر آلية السوق التي توفر السلع؟
في بلد مثل بريطانيا، هذه ليست تفصيلة صغيرة. إنها اختبار مبكر للحد الفاصل بين دولة تحرس المنافسة ودولة تحاول توجيهها، وبين حكومة تريد حماية المستهلك وحكومة قد تُتهم بأنها تعاقب السوق لأنها لا تملك أدوات أسرع لخفض الأسعار.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇