أفضل كمية قهوة لكل عمر.. ماذا تقول أحدث الدراسات؟
لم تعد القهوة مجرد وسيلة لبدء اليوم أو التغلب على الإرهاق، إذ تشير دراسات متزايدة إلى أن فوائدها قد تمتد إلى دعم صحة الدماغ والقلب والكبد والعضلات، لكن هذه الفوائد لا تبدو متساوية في جميع المراحل العمرية.
وفي بريطانيا، حيث يُستهلك نحو 95 مليون كوب من القهوة يوميًا، يرى باحثون أن الكمية المناسبة من القهوة قد تختلف باختلاف العمر، وقد يكون لذلك أثر في تعزيز الصحة على المدى الطويل.
لماذا يولي العلماء القهوة اهتمامًا متزايدًا؟

ارتبطت القهوة لعقود بتعزيز التركيز وزيادة النشاط، إلا أن الباحثين باتوا ينظرون إليها من زاوية أوسع، بعد أن كشفت دراسات حديثة عن فوائد محتملة تتجاوز تأثير الكافيين المعروف.
فإلى جانب دوره في تحسين اليقظة والأداء البدني، تحتوي القهوة على مركبات البوليفينول المضادة للالتهابات، التي يعتقد العلماء أنها قد تسهم في خفض خطر الإصابة بالخرف وأمراض القلب والوهن، فضلًا عن تقليل خطر الوفاة المبكرة.
ويشير الخبراء إلى أن تأثير هذه المركبات يختلف من شخص إلى آخر تبعًا للعمر. فبينما قد ترتبط بفوائد أكبر لصحة القلب لدى كبار السن نتيجة تراكم آثارها الإيجابية مع مرور الوقت، قد تصبح النساء خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أو أثناءها أكثر حساسية لتأثيرات الكافيين، مثل القلق واضطرابات النوم.
في الثلاثينيات.. استثمار مبكر في صحة المستقبل

قد تبدو أمراض مثل الخرف أو سرطان الكبد بعيدة عن اهتمامات كثيرين في الثلاثينيات، إلا أن الباحثين يرون أن هذه المرحلة تمثل بداية تغيرات بيولوجية قد تظهر آثارها بعد سنوات طويلة. ولذلك، فإن بعض العادات اليومية، ومنها شرب القهوة، قد يكون لها أثر يتجاوز هذه المرحلة العمرية.
وأظهرت دراسة شملت أكثر من 350 ألف شخص في بريطانيا، تجاوزت أعمارهم 37 عامًا، أن الأشخاص الذين اعتادوا شرب خمسة أكواب أو أكثر من القهوة يوميًا كانوا أقل عرضة للإصابة بسرطان الكبد مقارنةً بغيرهم.
كما انخفضت احتمالات إصابتهم بتشمع الكبد، وهو مرض يؤدي إلى تندب دائم في أنسجة الكبد، بنحو الثلث.
ولم تقتصر هذه النتائج على القهوة المحتوية على الكافيين، بل شملت أيضًا الأشخاص الذين يشربون القهوة المنزوعة الكافيين.
ويرجح الباحثون أن يعود هذا التأثير إلى مركبات البوليفينول، التي تساعد في الحد من الالتهابات والإجهاد التأكسدي داخل الجسم.
القهوة وصحة الدماغ.. فوائد قد تبدأ قبل ظهور الأعراض بسنوات

لا تقتصر الفوائد المحتملة للقهوة على الكبد، إذ تشير الدراسات إلى أنها قد تؤدي أيضًا دورًا في حماية الدماغ من الخرف قبل ظهور أعراضه بسنوات طويلة.
وأظهرت أبحاث أن الأشخاص الذين يشربون كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة يوميًا خلال سنوات العمل تقل لديهم احتمالات الإصابة بالخرف، كما يحققون نتائج أفضل في اختبارات القدرات الإدراكية مقارنةً بمن لا يشربون القهوة.
وفي دراسة أخرى تابعت أكثر من 130 ألف شخص على مدار 40 عامًا، انخفض خطر الإصابة بالخرف بنسبة 20% لدى من اعتادوا تناول كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة يوميًا.
وقال أليكس مانوس، مدير الصحة والأداء في إكسهيل كوفي (Exhale Coffee)، إن مركبات البوليفينول قادرة على عبور الحاجز الدموي الدماغي، ما يساعد في الحد من الالتهابات العصبية، وتحفيز نمو الخلايا العصبية، وتحسين تدفق الدم إلى الدماغ.
لكنه نبّه على أن القهوة لا ينبغي التعامل معها بوصفها حلًا سريعًا، وإنما باعتبارها جزءًا من نمط حياة صحي طويل الأمد، موضحًا أن التغيرات البيولوجية المرتبطة بالخرف قد تبدأ قبل أكثر من عقدين من تشخيص المرض.
في الأربعينيات.. القهوة قد ترتبط بشيخوخة أكثر صحة لدى النساء

قد لا يكون التخلي عن فنجان القهوة الصباحي ضروريًّا لكثير من النساء في هذه المرحلة العمرية، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن تناول القهوة باعتدال قد يرتبط بالتمتع بصحة أفضل مع التقدم في العمر.
وأظهرت الأبحاث أن التأثير الوقائي للقهوة يبلغ ذروته تقريبًا عندما تبلغ المرأة 48 عامًا.
وفي هذا السياق، حلل باحثون في جامعة هارفارد بيانات أكثر من 47 ألف امرأة تراوحت أعمارهن بين 45 و60 عامًا، ووجدوا أن النساء اللاتي اعتدن شرب ثلاثة أكواب صغيرة يوميًا كن أكثر احتمالًا بنسبة 13% للتمتع بصحة بدنية وذهنية جيدة في السبعينيات من العمر وما بعدها.
كما ارتبط كل كوب إضافي بزيادة قدرها 2% في فرص التمتع بصحة جيدة، والخلو من الأمراض المزمنة الرئيسة، والحفاظ على القدرات الذهنية والإدراكية.
لماذا تختلف استجابة النساء للقهوة في هذه المرحلة؟

وقالت الدكتورة سارة مهدوي، الباحثة الرئيسة في الدراسة، إن النساء اللاتي تناولن كميات معتدلة من القهوة المحتوية على الكافيين خلال هذه المرحلة العمرية كن أكثر احتمالًا للتقدم في العمر بصحة جيدة على مدى العقود الثلاثة التالية.
وأوضحت أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن جميع النساء ينبغي أن يبدأن بشرب القهوة، لكنها تمنح قدرًا من الطمأنينة للواتي يشربنها بالفعل ويتحملن الكافيين جيدًا، مشيرةً إلى أن العادات اليومية البسيطة قد تترك أثرًا في الصحة يمتد لسنوات طويلة.
ويرى الخبراء أن التغيرات الهرمونية التي ترافق هذه المرحلة قد تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الكافيين، وهو ما قد يفسر وضوح هذه الفوائد لدى بعض النساء.
وفي المقابل، قد تؤدي التغيرات الهرمونية خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، التي تمر بها معظم النساء بين 45 و55 عامًا، إلى زيادة الحساسية للكافيين لدى بعضهن، ما قد يفاقم أعراضًا مثل القلق، وخفقان القلب، واضطرابات النوم.
بعد سن الخمسين.. صورة مختلفة لصحة القلب

ارتبط الإفراط في تناول القهوة لسنوات طويلة بالتحذيرات المتعلقة بصحة القلب، إلا أن الأدلة الحديثة ترسم صورة مختلفة.
فقد خلصت جمعية القلب الأمريكية (American Heart Association)، في وقت سابق من هذا العام، إلى أن معظم البالغين الأصحاء في منتصف العمر يمكنهم تناول ما يصل إلى خمسة أكواب من القهوة يوميًا من دون زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتيجة لا تعني أن جميع من تجاوزوا الخمسين ينبغي أن يزيدوا استهلاكهم للقهوة إلى هذا الحد، إذ تختلف استجابة الجسم للكافيين من شخص إلى آخر.
وأوضح الدكتور نيل كلارك، الخبير في المعهد العلمي لمعلومات القهوة (Institute for Scientific Information on Coffee)، أن تحمل الكافيين قد يتغير مع التقدم في العمر، شأنه شأن كثير من التغيرات الفسيولوجية التي تطرأ على الجسم.
وأضاف أن بعض كبار السن قد يحتاجون إلى تعديل كمية القهوة التي يتناولونها بما يتناسب مع حساسيتهم للكافيين، وجودة نومهم، وحالتهم الصحية، والأدوية التي يستخدمونها.
في الشيخوخة.. القهوة قد تساعد في الحفاظ على القوة والاستقلالية

كلما تقدم الإنسان في العمر، ازدادت أهمية الحفاظ على القوة البدنية والقدرة على الاعتماد على النفس. ويُعد الوهن من أبرز المشكلات الصحية التي تواجه كبار السن في بريطانيا، نظرًا لما يرتبط به من ارتفاع خطر التعرض لإصابات ومضاعفات خطيرة.
وتشير دراسات حديثة إلى أن القهوة قد تؤدي دورًا في الحد من هذا التراجع البدني.
فقد أظهرت دراسة نُشرت في المجلة الأوروبية للتغذية (European Journal of Nutrition) أن تناول أربعة إلى ستة أكواب من القهوة يوميًا خلال الستينيات من العمر قد يقلل خطر الإصابة بالوهن.
وتابع الباحثون أكثر من 1,100 شخص تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر على مدى 7 سنوات، ووجدوا أن تناول القهوة بكميات معتدلة إلى مرتفعة ارتبط بتحسن القوة العضلية، وسرعة المشي، ومستويات النشاط البدني، فضلًا عن الحفاظ على وزن صحي.
القهوة والعضلات.. فوائد قد تكون أوضح لدى الرجال

ولا تقتصر الفوائد المحتملة للقهوة على الدماغ والقلب، بل تشير الأدلة أيضًا إلى أنها قد تساعد في الحفاظ على الكتلة العضلية، وتشجع كبار السن على مواصلة النشاط البدني.
وقال الدكتور نيل كلارك إن الكافيين قد يسهم في تحسين الأداء أثناء ممارسة التمارين، ويقلل الشعور بالإجهاد، ويزيد القدرة على التدريب، وهو ما قد يساعد كبار السن على الحفاظ على نشاطهم مع التقدم في العمر.
كما أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يشربون كوبين على الأقل من القهوة يوميًا ابتداءً سن الـ40 عامًا يمتلكون كتلة عضلية أكبر في مراحل متقدمة من العمر مقارنةً بمن لا يحرصون على شربها.
ويرى الباحثون أن هناك أكثر من تفسير محتمل لهذه العلاقة، من بينها أن القهوة قد تعزز عملية الالتهام الذاتي للخلايا، وهي العملية التي تتخلص خلالها الخلايا من مكوناتها التالفة وتعيد إصلاحها، وتؤدي دورًا مهمًّا في الحفاظ على صحة العضلات.
كما قد تسهم خصائص القهوة المضادة للالتهابات في الحد من فقدان الكتلة العضلية المرتبط بالتقدم في العمر.
ومع ذلك، أظهرت الدراسات أن هذا التأثير يبدو أكثر وضوحًا لدى الرجال مقارنةً بالنساء.
المصدر: ديلي ميل
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇