حين غنّت قسنطينة في لندن.. دنيا الجزائرية تحيي أمسية احتفت بإرث المالوف الجزائري
ما إن انطلقت أولى نغمات المالوف حتى تعالت الزغاريد الجزائرية في أرجاء مسرح “ذا تابيرناكل” (The Tabernacle) التاريخي، ليتحول قلب لندن، ولو لساعات، إلى مساحة تستحضر روح قسنطينة وإرثها الأندلسي العريق.
ففي أمسية استثنائية احتفت بأحد أعرق ألوان التراث الموسيقي الجزائري، أحيت الفنانة دنيا الجزائرية، الملقبة بـ”سلطانة المالوف”، حفلًا فنيًا مميزًا برفقة فرقتها الموسيقية الكاملة القادمة من مدينة قسنطينة، وسط حضور متنوع من عشاق الموسيقى الجزائرية والثقافة الأندلسية، اجتمعوا للاحتفاء بفن حملته الأجيال عبر القرون.
ونُظمت الأمسية من قبل مؤسسة صوت المرأة الجزائرية في بريطانيا (The Voice of Algerian Women Foundation UK)، برئاسة السيدة مريم محسن بن شاوي، و برعاية الخطوط الجوية الجزائرية (Air Algérie)، في إطار جهودها للتعريف بالثقافة الجزائرية وتعزيز حضورها في بريطانيا.
عراقة المالوف ومكانة قسنطينة

ويُعد المالوف أحد المدارس الثلاث للموسيقى الأندلسية الكلاسيكية في الجزائر، إلى جانب الصنعة في الجزائر العاصمة والغرناطي في تلمسان، فيما تُعرف مدينة قسنطينة بأنها عاصمة المالوف، حيث حافظت على هذا الفن عبر أجيال متعاقبة حتى أصبح أحد أبرز رموز الهوية الثقافية الجزائرية.
وجاءت الفنانة دنيا الجزائرية خصيصًا من مدينة قسنطينة برفقة فرقتها الموسيقية الكاملة، لتقدم للجمهور أمسية حملت روح المدينة وتاريخها العريق، في أول ظهور لها بهذا التشكيل الموسيقي في لندن.
وتُعد دنيا من أبرز الأصوات النسائية في المالوف، بعدما نجحت في ترسيخ مكانتها في فن ظل لعقود طويلة حكرًا على الرجال، محافظة على أصالته، مع تقديمه إلى أجيال جديدة داخل الجزائر وخارجها. كما شاركت في مهرجانات دولية عدة وحظيت بتقدير واسع لمسيرتها الفنية، ما جعلها واحدة من أبرز الأسماء التي تمثل المالوف الجزائري اليوم.
إطلالة تراثية تنبض بالهوية
واعتلت دنيا المسرح مرتدية القندورة القسنطينية المصنوعة من القطيفة والمطرزة بالفتلة، ومتزينةً بالحلي التقليدية، من بينها المخبل والسخاب الجزائري، في إطلالة جسدت أناقة الموروث القسنطيني، قبل أن تبدأ رحلة موسيقية أخذت الجمهور إلى أجواء الجزائر.
وتنقلت دنيا الجزائرية بالحضور في رحلة موسيقية عبر ألوان المالوف القسنطيني، مقدمة باقة من القصائد والنوبات التي شكلت وجدان هذا الفن العريق، من بينها “دلواح غرام”، و”جاني ما جاني”، و”عذبتي قلبي”، و”عاشق ممحون”. ومع كل وصلة، كان المسرح يزداد دفئًا، بينما علت أصوات التصفيق والزغاريد الجزائرية التي ملأت أرجاء القاعة، في مشهد جسّد عمق ارتباط الحاضرين بتراثهم الموسيقي.
تفاعل جماهيري لافت

وامتلأت القاعة بجمهور متنوع ضم أفرادًا من الجالية الجزائرية، وأعضاء مؤسسة صوت المرأة الجزائرية في بريطانيا، وصحفيين وإعلاميين، إلى جانب ضيوف من دول عربية وأجنبية وبريطانيين حرصوا على اكتشاف هذا الفن العريق. كما ارتدت العديد من السيدات الأزياء الجزائرية التقليدية، لتكتمل صورة أمسية امتزج فيها الطرب بالحنين، واستحضرت ملامح الوطن وتراثه في قلب العاصمة البريطانية.
ولم يقتصر تفاعل الجمهور على التصفيق طوال فقرات الحفل، بل وقف الحاضرون تكريمًا للفنانة دنيا الجزائرية وأعضاء الأوركسترا في ختام الأمسية، تقديرًا للأداء الذي أعاد إلى الأذهان روح قسنطينة وأصالة المالوف، وسط مشاعر من الفخر والاعتزاز بالهوية الثقافية الجزائرية.
واختُتمت الفعالية بسحب على جوائز برعاية الخطوط الجوية الجزائرية، أسفر عن فوز ثلاثة من الحضور بتذاكر سفر ذهابًا وإيابًا من لندن إلى الجزائر العاصمة، في ختام أضاف مزيدًا من الفرح والتفاعل إلى هذه المناسبة الثقافية.
جسور التواصل الثقافي في المهجر

وتعكس مثل هذه الفعاليات الدور الذي تؤديه المبادرات الثقافية في الحفاظ على هوية الجالية الجزائرية في المهجر، إذ توفر مساحة يلتقي فيها الجزائريون بمختلف أعمارهم وخلفياتهم حول تراثهم المشترك، كما تمنح الأجيال الشابة، التي نشأ كثير منها خارج الجزائر، فرصة للتعرف إلى موسيقاهم وثقافتهم وجذورهم من خلال تجربة حية تتجاوز الكتب والروايات.
وتأتي هذه الأمسية ضمن سلسلة من المبادرات الثقافية التي تنظمها مؤسسة صوت المرأة الجزائرية في المملكة المتحدة، وهي مؤسسة خيرية بريطانية تعمل على دعم الجالية الجزائرية والتعريف بالثقافة والتراث الجزائريين في المملكة المتحدة، إلى جانب تمكين المرأة الجزائرية وإبراز إسهامات الفنانات والمبدعات وصاحبات المبادرات الثقافية. ومن خلال هذه الجهود، تسعى المؤسسة إلى تعزيز حضور الثقافة الجزائرية في بريطانيا ومد جسور التواصل بين مختلف مكونات المجتمع.
المزيد من الصور:


اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇