بين بلاغة الآلة… وروح الإنسان
(يخرب بيت) تشات جي بي تي! لقد فعل بالبيان ما فعلته الميكنة بالصناعات اليدوية. كما حوّلت الأنوال الآلية السجاد الأعجمي، الذي كانت كل عقدةٍ فيه تحكي قصة صانعه، إلى نسخ متشابهة تخرج من آلة واحدة، جميلة المنظر، متقنة الصنعة، لكنها تفتقد تلك اللمسة الخفية التي كانت تنبض بالحياة… فعل الذكاء الاصطناعي شيئًا قريبًا من ذلك بالكلمة.
صرنا نقرأ اليوم في مجموعات المحادثة رسائل تُخيّل إليك، من جزالة ألفاظها وإحكام سبكها، أنك في سوق عكاظ، مع أن أكثر المتحدثين من عامة الناس. بل قرأت لأحد الزملاء الأعاجم، ممن لا يحسنون العربية حديثًا، كلامًا لو نسب إلى ابن العميد أو الرافعي لما استغربه أحد.
وهل هذا يعيب الذكاء الاصطناعي؟ ليس هذا مقصودي. فهذه الأدوات نعمة إذا أُحسن استخدامها، ووسيلة نافعة لمن أراد أن يعبر عما في نفسه.
لكن الذي أفتقده هو شيء آخر… أفتقد روح الكاتب.

أشتاق إلى العبارة التي تتلعثم قليلًا لأنها خرجت من قلب صاحبها، وإلى الخطأ الصغير الذي يشهد أن وراء الكلمات إنسانًا، وإلى الأسلوب الذي يحمل بصمة صاحبه فلا يشتبه بغيره.
لقد ذكرتني هذه الحال ببدايات الرسائل النصية القصيرة، حين كانت عبارات التهنئة والمعايدات والصباحات تتناقل نسخًا ولصقًا، فتصل إلى الناس بلا روح، كأنها عرائس شمع في متحف أثري. جميلة الهيئة، لكنها باردة الحياة.
ولعل أكبر تحدٍّ يفرضه الذكاء الاصطناعي اليوم ليس أن يحسن الكتابة عنا، بل أن يحافظ كل واحد منا على صوته الخاص، فلا تصبح الكلمات كلها متشابهة، وإن اختلفت الأسماء التي تُذيَّل بها.
فالناس لا يبحثون دائمًا عن أجمل عبارة، وإنما عن أصدق عبارة. والفرق بينهما… هو الفرق بين إتقان الصنعة، وصدق الروح.
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇