لماذا تحذر نظريات القيادة الحديثة من هوس التحكم في فرق العمل؟
تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقولة مفادها أن “الأشخاص الذين يشعرون بالحاجة إلى السيطرة على الآخرين، لا يملكون السيطرة على أنفسهم”.
ورغم ما تحمله العبارة من بعدٍ تحفيزي، فإنها لا تمثل حقيقة علمية مطلقة. لكن اللافت أن الأبحاث الحديثة في علم النفس التنظيمي والقيادة تؤكد وجود علاقة وثيقة بين ضعف إدارة الذات لدى بعض القادة، وبين ميلهم إلى ممارسة السيطرة المفرطة على الآخرين.
ففي بيئات العمل المعاصرة، لم تعد القيادة تُقاس بقدرة المدير على إصدار الأوامر أو مراقبة الموظفين، بل بقدرته على بناء الثقة، وتمكين الفرق، وإدارة ذاته في المقام الأول.
متى تتحول القيادة المفرطة إلى عبء تنظيمي على المؤسسات؟

خلال العقود الماضية، شهدت فلسفات الإدارة تحولًا جذريًا.
فبعد أن كانت المؤسسات تقوم على الرقابة الصارمة والتسلسل الهرمي، أصبحت تعتمد اليوم على فرق العمل المستقلة، والقيادة التشاركية، والتمكين المؤسسي.
وتشير دراسات منشورة في (Harvard Business Review) و(MIT Sloan Management Review) إلى أن الإفراط في الرقابة، أو ما يُعرف بـ(Micromanagement)، يرتبط بانخفاض مستويات الابتكار، وتراجع الرضا الوظيفي، وارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي، فضلاً عن إبطاء اتخاذ القرار داخل المشاريع.
ويرى خبراء الإدارة أن المدير الذي يتدخل في كل قرار، ويطلب الاطلاع على كل تفصيل، لا يعزز جودة العمل بقدر ما يرسل رسالة ضمنية إلى فريقه مفادها: “أنا لا أثق بكم”.
ماذا تقرر نظريات القيادة الحديثة بشأن إدارة الذات والتحكم؟
تُعد نظرية الذكاء العاطفي، التي أسهم في تطويرها عالم النفس دانيال جولمان، من أكثر النماذج تأثيرًا في تفسير هذا السلوك.
وتضع النظرية “إدارة الذات” في صميم الكفاءة القيادية، باعتبارها القدرة على تنظيم الانفعالات، والتعامل مع الضغوط، واتخاذ قرارات متزنة بعيدًا عن ردود الفعل العاطفية.
ومن هذا المنطلق، يرى الباحثون أن القائد الذي يفتقر إلى الاستقرار الانفعالي قد يلجأ إلى فرض مزيد من السيطرة الخارجية، ليس بدافع القوة، وإنما لتعويض شعوره بعدم اليقين أو الخوف من فقدان السيطرة على النتائج.
وهنا ينبغي التمييز بين القيادة الحازمة، التي تضع معايير واضحة وتتابع الأداء، وبين القيادة المتحكمة التي تُقيد المبادرات وتُضعف استقلالية العاملين.
كيف تطور دور القائد من “مدير المشروع” التقليدي إلى “قائد الفريق” الحديث؟

في منهجيات إدارة المشاريع الحديثة، خصوصًا (Agile) و(Scrum)، تغيّر دور القائد بصورة جوهرية.
فلم يعد النجاح مرتبطًا بمتابعة كل مهمة بطريقة مباشرة، بل بتهيئة البيئة التي تمكّن الفريق من الإنجاز.
ويؤكد خبراء إدارة المشاريع أن وظيفة القائد أصبحت تتمثل في:
- إزالة العوائق أمام الفريق.
- توضيح الرؤية والأهداف.
- تعزيز التعاون والثقة.
- دعم اتخاذ القرار.
- توفير التغذية الراجعة المستمرة.
أما التفاصيل التنفيذية، فتُترك لأصحاب الاختصاص، وهو ما يرفع مستوى المسؤولية ويزيد سرعة الإنجاز وجودة المخرجات.
ما هي الأسباب الكامنة وراء ميل بعض المديرين إلى التحكم الزائد؟
لا تُرجع الأدبيات العلمية هذا السلوك إلى سبب واحد، وإنما إلى مجموعة من العوامل، أبرزها:
- الخوف من الإخفاق أو تحمل المسؤولية.
- انخفاض الثقة بقدرات الفريق.
- الشخصية الكمالية التي ترى أن لا أحد يؤدي العمل بالمستوى المطلوب.
- تجارب سابقة مع فرق عمل ضعيفة.
- ثقافة مؤسسية تعاقب الخطأ أكثر مما تكافئ التعلم.
- ضعف مهارات التفويض وإدارة المخاطر.
ولهذا فإن الحل لا يكمن في مطالبة القائد بالتوقف عن المتابعة، بل في تطوير مهاراته في التفويض، والثقة، وإدارة الذات.
ما الذي تحتاجه برامج إعداد القيادات والمدربين في العصر الحالي؟

أصبحت برامج إعداد القيادات مطالبة بتجاوز التدريب على التخطيط والتنظيم، إلى تنمية الكفاءات السلوكية والنفسية للقادة.
فالقائد الذي يستطيع إدارة انفعالاته، والتعامل مع الغموض، وبناء علاقات قائمة على الثقة، سيكون أكثر قدرة على قيادة فرق عالية الأداء من قائد يعتمد على الرقابة المستمرة وإصدار التعليمات.
وتشير الاتجاهات الحديثة في التدريب التنفيذي إلى أن الاستثمار في مهارات الوعي الذاتي، والذكاء العاطفي، والأمان النفسي، والتواصل المؤثر أصبح من أهم العوامل المؤثرة في نجاح المؤسسات، ولا سيما في بيئات العمل المتغيرة.
ليست كل ممارسة للسيطرة دليلًا على ضعف السيطرة على الذات، كما توحي العبارة المتداولة، إلا أن الأدلة العلمية تشير بوضوح إلى أن القائد الذي يمتلك وعيًا ذاتيًا مرتفعًا، وثقةً متوازنة بقدرات فريقه، يكون أقل ميلًا إلى الإدارة الدقيقة وأكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة.
فالقيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني أن تكون الشخص الذي يتحكم بكل شيء، بل الشخص الذي يبني بيئة يستطيع فيها الآخرون أن ينجحوا دون أن يعتمدوا عليك في كل خطوة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇