لماذا تتراجع صحة البريطانيين؟ وهل نظام NHS جزء من المشكلة؟
تتراجع سنوات الحياة التي يقضيها الناس في صحة جيدة في بريطانيا، رغم وجود نظام صحي عام صُمم أصلًا لتوفير الرعاية للجميع بغض النظر عن الدخل.
الأرقام الجديدة تفتح نقاشًا أوسع من مجرد قوائم انتظار المستشفيات أو صعوبة الحصول على موعد مع الطبيب العام؛ فهي تطرح سؤالًا عن العلاقة بين أداء هيئة الخدمة الصحية الوطنية (NHS)، والفقر، واللامساواة، وتغيرات سوق العمل، والصحة النفسية.
تراجع غير مسبوق في سنوات الصحة الجيدة
بحسب مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS)، بلغ متوسط العمر الصحي المتوقع في بريطانيا خلال الفترة بين 2022 و2024 نحو 60.7 عامًا للرجال و60.9 عامًا للنساء.
ويمثل ذلك انخفاضًا قدره 1.8 عام للرجال و2.5 عام للنساء مقارنة بالفترة بين 2019 و2021، وهو أدنى مستوى منذ بدء هذا النوع من التحليل عام 2011.
ولا يعني العمر الصحي المتوقع عدد السنوات التي يعيشها الإنسان فقط، بل عدد السنوات التي يتوقع أن يقضيها في صحة جيدة. ولهذا تعده مؤسسة الصحة (Health Foundation) مؤشرًا مهمًا، لأنه يكشف ما لا يظهر دائمًا في متوسط العمر الإجمالي.
بريطانيا بين دول غنية تتراجع صحيًا
تُظهر المقارنات الدولية أن بريطانيا كانت واحدة من خمس دول فقط بين أغنى 21 دولة في العالم شهدت تراجعًا في العمر الصحي المتوقع.
وفي الوقت نفسه، تسجل دول لا تعتمد على نظام صحي ممول بالكامل من الضرائب سنوات أطول من الحياة بصحة جيدة، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية (WHO).
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن نموذج تمويل NHS هو السبب المباشر. فالعمر الصحي المتوقع مؤشر معقد، يتأثر بجودة الرعاية الصحية، لكنه يتأثر أيضًا بالدخل، والسكن، والعمل، والتعليم، والصحة النفسية، ونمط الحياة.
هل NHS هو المشكلة؟
يرى غاريث ليون (Gareth Lyon)، رئيس ملف الصحة والرعاية الاجتماعية في مركز بوليسي إكستشينج (Policy Exchange)، أن جزءًا من المشكلة يعود إلى هيئة الخدمة الصحية الوطنية نفسها، التي وصفها بأنها “متهالكة” وتحتاج إلى إعادة نظر.
ويقول ليون إن بريطانيا أصبحت حالة شاذة بين الدول الغنية، لأنها لا تواجه بجدية سؤال استدامة النظام الصحي على المدى الطويل.
ويشير إلى أرقام من مؤسسة الصحة تظهر أن الوصول إلى مواعيد الأطباء العامين والتدخل الطبي المبكر في بريطانيا أضعف مما هو عليه في هولندا. فبينما يقول نحو نصف البريطانيين إنهم يحصلون دائمًا أو غالبًا على رد من طبيبهم العام في اليوم نفسه، ترتفع النسبة في هولندا إلى نحو 8 من كل 10.
كما ينتظر واحد من كل خمسة مرضى في بريطانيا أكثر من عام لإجراء جراحة غير عاجلة، بينما لا تسجل هولندا النسبة نفسها في هذا النوع من الانتظار.
دعوات إلى نموذج أقرب لهولندا
يرى ليون أن المشكلة تكمن في أن الدولة في بريطانيا تمول العلاج وتقدمه في الوقت نفسه، ما يقلل، في رأيه، من المنافسة والحوافز التي تدفع مقدمي الخدمة إلى تحسين الكفاءة والاستجابة السريعة للمرضى.
ويقترح أن تتجه بريطانيا إلى نموذج قريب من النظام الهولندي، حيث يدفع البالغون تأمينًا صحيًا إلزاميًا، مع دعم لذوي الدخل المنخفض، في إطار يتيح تغطية صحية شاملة لكن من خلال منافسة بين شركات التأمين ومقدمي الرعاية.
وبحسب هذا الرأي، ساعد النموذج الهولندي منذ تطبيقه قبل نحو 20 عامًا على توسيع الرعاية الأولية، وتحسين التشخيص المبكر، وتسريع العلاج.
رأي آخر: المشكلة ليست في التمويل الضريبي
في المقابل، يرفض سيباستيان ريس (Sebastian Rees)، رئيس ملف الصحة في معهد أبحاث السياسات العامة (IPPR)، فكرة أن المنافسة بين مقدمي الخدمات أو شركات التأمين تؤدي تلقائيًا إلى رعاية صحية أفضل أو إلى عمر صحي أطول.
ويشير إلى تحليل حديث أجراه المعهد على 22 دولة مرتفعة الدخل، خلص إلى عدم وجود دليل واضح على أن الأنظمة القائمة على التأمين، مثل النموذج الهولندي، تتفوق على الأنظمة الممولة من الضرائب في مؤشرات الوصول إلى الرعاية أو جودتها.
ويرى هذا الاتجاه أن الفروق في الأداء داخل كل نموذج تمويلي أكبر من الفروق بين النماذج نفسها. بمعنى آخر، يمكن أن ينجح نظام ممول من الضرائب أو يفشل، كما يمكن أن ينجح نظام تأميني أو يتعثر.
ومن هذا المنظور، يعود ضعف أداء NHS مقارنة ببعض الدول إلى سنوات من نقص الاستثمار، لا إلى فكرة التمويل الضريبي بحد ذاتها.
الفقر واللامساواة في قلب الأزمة
يرى ريس أن مقارنة بريطانيا بهولندا يجب ألا تتجاهل الفروق الاجتماعية والاقتصادية بين البلدين.
فهولندا تسجل معدلات سمنة تقارب نصف معدلات بريطانيا، كما أن لديها مستويات أقل من فقر الأطفال والأسر، وبطالة أقل، ودخلًا متاحًا أعلى لدى المواطنين.
وبحسب ريس، فإن هذه العوامل قد تكون أكثر تأثيرًا في صحة السكان من طريقة تنظيم المنافسة بين شركات التأمين أو مقدمي الرعاية.
وتظهر الفجوة داخل بريطانيا نفسها بوضوح. فامرأة تعيش في ريتشموند أبون تيمز (Richmond-upon-Thames) يمكن أن تتوقع حياة صحية أطول بعقدين تقريبًا من امرأة تعيش في هارتلبول (Hartlepool).
هذا الفارق لا يمكن تفسيره بالمستشفيات وحدها. إنه يعكس اختلافات في الدخل، والسكن، ونوعية العمل، والبيئة المحلية، وفرص الحياة منذ الطفولة.
سنوات التقشف وأثرها الصحي
يقول البروفيسور مارتن ماكي (Martin McKee)، من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي (London School of Hygiene and Tropical Medicine)، إن NHS عانى من سنوات طويلة من نقص الاستثمار منذ تطبيق سياسات التقشف.
ويشير إلى أن بريطانيا تعاني نقصًا في أجهزة الفحص والتشخيص، مثل الماسحات الطبية، وأنها تأخرت عن دول أخرى في البنية الأساسية الصحية.
لكن ماكي يرى، مثل ريس، أن جذور تراجع العمر الصحي المتوقع تتجاوز المستشفيات. فالفقر، وانعدام الفرص، والتفاوت الإقليمي، وتدهور الصحة النفسية، كلها عوامل تجعل الناس يمرضون مبكرًا ويعيشون سنوات أطول في حالة صحية سيئة.
ويقول إن كثيرًا من الشباب، ولا سيما بعض الرجال، يعانون تدهورًا في الصحة النفسية والجسدية بسبب شعور أوسع بالتهميش وفقدان الأمل.
الصحة النفسية و”وفيات اليأس”
تقول بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية إن نحو واحد من كل أربعة بالغين بين 16 و29 عامًا كان يعاني أعراض اكتئاب متوسطة إلى شديدة في أبريل/نيسان من العام الماضي.
كما أن الأشخاص في أفقر خُمس من السكان في بريطانيا أكثر عرضة بمرتين تقريبًا لخطر الإصابة بمشكلات الصحة النفسية مقارنة بذوي الدخل المتوسط.
ويتركز جزء كبير من تراجع العمر الصحي المتوقع بين الفئات الأكثر تهميشًا، خصوصًا في اسكتلندا وشمال إنجلترا.
وتتداخل هذه المناطق أيضًا مع بؤر ما يسمى “وفيات اليأس”، وهي الوفيات المرتبطة بالمخدرات والكحول والانتحار. وكثير من العوامل التي تقف خلف هذه الوفيات، مثل الإدمان وسوء التغذية والضغط النفسي، تسهم أيضًا في زيادة السنوات التي يقضيها الناس في اعتلال صحي.
هل تكفي 15 دقيقة مع الطبيب العام؟
داخل NHS نفسها، يحاول بعض الأطباء اختبار طرق جديدة لتحسين الرعاية، خصوصًا في المناطق الأكثر فقرًا.
يعمل الدكتور ديفيد بلين (David Blane) طبيبًا عامًا في بوسيلبارك (Possilpark) بمدينة غلاسكو، كما يقود الجانب الأكاديمي لمبادرة أطباء المناطق الأكثر حرمانًا في اسكتلندا (GPs at the Deep End).
ويقول بلين إن المرضى في هذه الأحياء يصابون غالبًا بأمراض مزمنة متعددة قبل سكان المناطق الأكثر ثراءً بنحو 10 إلى 15 عامًا.
ولا تقتصر المشكلة على المرض الجسدي، بل تتداخل مع الاكتئاب، والألم المزمن، وضغوط السكن والدخل، ما يؤثر في جودة الحياة والشعور بالهدف.
ومن بين التجارب التي تعمل عليها المبادرة إطالة مواعيد الطبيب العام إلى 15 دقيقة، بدلًا من المواعيد الأقصر المعتادة. ويرى بلين أن ذلك يساعد الطبيب على التعامل مع أكثر من مشكلة في الزيارة نفسها، ويزيد التعاطف، ويخفف ضغط العمل على الأطباء.
أهمية رؤية الطبيب نفسه
لكن بلين يرى أن العامل الأهم ليس مدة الموعد وحدها، بل استمرارية الرعاية؛ أي أن يرى المريض الطبيب أو الفريق نفسه كل مرة قدر الإمكان.
ويقول إن استمرارية الرعاية “تنقذ الأرواح”، لأنها تحسن المتابعة، وتسهّل الوصول إلى العلاج، وتساعد على بناء علاقة ثقة بين المريض والطبيب.
ويرى أن السياسة الصحية في السنوات الأخيرة ركزت كثيرًا على سرعة الوصول إلى الخدمة، وهو أمر مهم في بعض الحالات، لكنه لا يكفي وحده لعلاج المرضى الذين يعيشون مع مشكلات صحية واجتماعية معقدة.
وتجري في غلاسكو أيضًا تجربة عمال دعم رفاه الأسرة، الذين يساعدون المرضى في الوصول إلى نصائح مالية، ودعم سكني، واستشارات مرتبطة بالصدمات النفسية، ودعم لغوي، وبرامج نشاط بدني.
والفكرة هنا أن الرعاية الصحية لا تبدأ وتنتهي عند الوصفة الطبية، بل تحتاج أحيانًا إلى ربط المريض بالخدمات التي تخفف أسباب المرض نفسها.
كيف يُموَّل الإصلاح؟
يبقى السؤال العملي هو كيفية تمويل هذه الخدمات على المدى الطويل.
يرى الدكتور كريستيان نيميتز (Kristian Niemietz)، من معهد الشؤون الاقتصادية (IEA)، أن أي نظام صحي لا يمكن عزله عن الاقتصاد الأوسع، لكنه يقول إن الأنظمة القائمة على التأمين قد توفر تمويلًا أكثر استقرارًا من دورات الزيادة والنقصان التي عرفتها ميزانيات NHS.
ويعتقد أن المنافسة يمكن أن تدفع النظام نحو حلول أفضل، فإذا أثبتت استمرارية الرعاية أو التكامل بين الخدمات أنها تحسن النتائج، فإن السوق التنافسية ستتبناها كما يحدث في قطاعات أخرى.
في المقابل، يرى ماكي أن النظام الممول من الضرائب يظل أفضل للتعامل مع تحدي شيخوخة السكان، لأن تكاليف الرعاية توزع على قاعدة أوسع من المجتمع.
ومع انخفاض عدد العاملين مقارنة بعدد كبار السن، الذين يحتاجون عادة إلى رعاية صحية أكبر، قد تتعرض الأنظمة التي تعتمد على أقساط التأمين أو تغطية صاحب العمل لضغوط خاصة.
لا يوجد نظام مثالي واحد
يرى سيباستيان ريس أنه لا يوجد نموذج صحي واحد يضمن أفضل النتائج دائمًا.
فهناك دول ممولة من الضرائب تحقق أداء جيدًا، مثل النرويج وآيسلندا والسويد وإسبانيا، كما توجد أنظمة تأمين اجتماعي تسجل نتائج قوية في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا.
وتشير هذه المقارنة إلى أن طريقة تمويل النظام مهمة، لكنها ليست وحدها العامل الحاسم. فالصحة العامة تتشكل أيضًا خارج العيادات: في المدارس، والمساكن، والأجور، والبيئة، وشبكات الأمان الاجتماعي.
المشكلة ليست في NHS وحده
تراجع سنوات الحياة الصحية في بريطانيا لا يمكن رده إلى سبب واحد. فصعوبة الوصول إلى الرعاية، وقوائم الانتظار، ونقص الاستثمار في NHS كلها عوامل حاضرة. لكن الفقر، واللامساواة الإقليمية، والصحة النفسية، وأنماط الحياة، وضعف الفرص تلعب دورًا لا يقل أهمية.
ولهذا يبدو السؤال “هل NHS هو السبب؟” ناقصًا قليلًا. فالنظام الصحي قد يكون جزءًا من المشكلة، لكنه يتعامل أيضًا مع نتائج مشكلات أعمق بدأت قبل أن يصل المريض إلى باب العيادة أو المستشفى.
وبالنسبة إلى كثير من المرضى، يظهر النقاش الكبير في صورة بسيطة جدًا: صعوبة الحصول على موعد، أو انتظار طويل، أو شعور بأن النظام لا يراهم مبكرًا بما يكفي. وبين الدفاع عن NHS والدعوة إلى إصلاحه، تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحًا أن البريطانيين يعيشون سنوات أقل في صحة جيدة، وهذا وحده كافٍ لفتح نقاش جاد لا يكتفي بالشعارات.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇