جود بيلينغهام ورفاقه يرفعون علم إنجلترا في وجه العنصرية: أبناء الهجرة الذين يحملون حلم 1966
في كل مرة ترتفع فيها أصوات اليمين المتطرف في بريطانيا مطالبة بإغلاق الأبواب وشيطنة المهاجرين وتصويرهم عبئاً على البلاد، تأتي كرة القدم الإنجليزية لتقدم درساً عملياً لا يحتاج إلى خطب سياسية ولا إلى مناظرات تلفزيونية طويلة.
يكفي أن تنظر إلى وجوه اللاعبين الذين يرتدون قميص الأسود الثلاثة، وتحمل أكتافهم أحلام أمة كاملة ما زالت تطارد كأس العالم منذ صيف عام 1966، لتدرك حجم المفارقة.
جود بيلينغهام، النجم الأسمر المولود في إنجلترا لأب ذي جذور أيرلندية وأم كينية، ليس مجرد لاعب كرة قدم استثنائي، بل صورة مصغرة لبريطانيا الحديثة التي يحاول بعض الناس إنكارها. بريطانيا التي صنعتها الهجرات، وشكلتها الثقافات المتعددة، ورفعتها كفاءات جاءت من كل مكان لتصبح جزءاً أصيلاً من هُويتها الوطنية.
وعندما ينزل بيلينغهام إلى أرض الملعب، لا يسأله أحد عن لون بشرته، ولا عن أصل والدته، ولا عن اسم جده الأول. الجميع يسأل السؤال الوحيد الذي يهم الملايين: هل يستطيع أن يقود إنجلترا إلى المجد الذي طال انتظاره؟
إلى جانب بيلينغهام يقف بوكايو ساكا، ابن العائلة النيجيرية، الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أهم نجوم الكرة الإنجليزية وأكثرهم تأثيراً وإلهاماً. اللاعب ذاته الذي تعرض بعد نهائي يورو 2020 إلى واحدة من أبشع موجات العنصرية في تاريخ الرياضة البريطانية الحديثة، فقط لأنه أهدر ركلة جزاء.
في تلك الليلة خرج أسوأ ما في بعض النفوس إلى العلن.
لم يعد ساكا بالنسبة إليهم لاعباً إنجليزياً يرتدي قميص المنتخب الوطني، بل عاد فجأة في نظرهم إلى لون بشرته وأصول عائلته. وكأن الوطنية يمكن أن تُقاس بدرجات اللون، أو أن الانتماء يحتاج إلى شهادة تصدرها جماعات الكراهية.
لكن ساكا لم يرد عليهم بمنشور غاضب، ولم يدخل في معارك سياسية.
رد عليهم بالأهداف.
وبالتمريرات الحاسمة.
وبالابتسامة التي لم تنجح العنصرية في انتزاعها من وجهه.
وإلى جانب هؤلاء يبرز اللاعبون المسلمون وأبناء المهاجرين واللاعبون القادمون من خلفيات متنوعة، ليقدموا جميعاً نموذجاً لإنجلترا الحقيقية؛ إنجلترا التي لا تُبنى بالخوف من الآخر، بل بالقدرة على احتضانه وإتاحة الفرصة له كي ينجح ويبدع ويضيف.
المفارقة التي تبدو مؤلمة لبعض المتطرفين أن كثيراً من اللاعبين الذين يرفعون علم إنجلترا ويقاتلون من أجله في أكبر المحافل الدولية هم أنفسهم أبناء العائلات التي يصفها الخطاب الشعبوي بأنها “عبء” على البلاد.
لكن من هو العبء الحقيقي؟
الطبيب الذي جاء والده مهاجراً؟
أم المهندس؟
أم المعلم؟
أم اللاعب الذي يجعل الملايين يبكون فرحاً عندما يسجل هدفاً لإنجلترا؟
الحقيقة التي يصعب على دعاة الكراهية الاعتراف بها أن بريطانيا الحديثة لم تنهض رغم التنوع، بل نهضت بفضله أيضاً.
كرة القدم لا تحل كل المشكلات الاجتماعية، لكنها تملك قدرة نادرة على كشف الحقائق المجردة.
وعندما يقف عشرات الآلاف في المدرجات وهم يهتفون باسم بيلينغهام أو ساكا أو أي لاعب آخر، فإنهم يهتفون للاجتهاد والموهبة والإنجاز، لا لشجرة العائلة ولا للون البشرة.
صحيح أن العنصرية لم تختفِ بعد.
وصحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي ما تزال تمنح المتطرفين مكبراً للصوت أكبر من حجمهم الحقيقي.
وصحيح أيضاً أن أي هفوة يرتكبها لاعب غير أبيض ما تزال كافية لدى بعض الناس لإخراج مخزون طويل من الأحقاد والأحكام المسبقة.
لكن الصورة الكبرى تبدو أكثر إشراقاً.
فالأجيال الجديدة في بريطانيا تبدو أقل اهتماماً بالأصول وأكثر اهتماماً بالكفاءة.
وأقل انشغالاً بالأسماء وأكثر انشغالاً بما يقدمه الإنسان لمجتمعه.
ربما يعلو صوت التطرف أحياناً، وربما تبدو الكراهية أكثر حضوراً مما هي عليه في الواقع، لكن المستقبل في الغالب يكتبه أولئك الذين يبنون، لا أولئك الذين يهدمون.
ولهذا ربما لا تكمن القيمة الحقيقية لجود بيلينغهام ورفاقه في الأهداف والانتصارات فقط، بل في الرسالة التي يحملونها دون أن ينطقوا بها:
يمكن لأبناء أصول مختلفة وأديان متعددة وألوان متنوعة أن يرتدوا القميص نفسه، ويرفعوا العلم نفسه، ويحلموا بالحلم نفسه.
وربما تكون هذه هي أجمل نسخة من إنجلترا التي يريد كثيرون رؤيتها.
إنجلترا التي تتسع للجميع.
والتي قد تنتصر في النهاية، ليس في ملاعب كرة القدم فقط، بل أيضاً في معركتها الأهم ضد الكراهية والخوف والانقسام.
الرابط المختصر هنا ⬇
سلم يراعك أبا اليمان
يقال : انت حيث تضع نفسك ، وبالتالي فإن البريطانيين من اصل عربي او مسلم لديهم فرصة ممتازة المساهمة في جعل بلدهم الثاني افضل واكثر ثراءا ؛ ليس من خلال الطب والهندسة والتجارة والإعلام فقط، بل من خلال حسن الجوار والانغماس الإيجابي في الحياة العامة والسياسية وكذلك الثقافة والاعتقاد
هذا الجيل من البريطانيين العرب يمكنهم عمل تغيير واجب يجعل حياة الأجيال القادمة افضل ؛ ليس لأبناء المهاجرين فقط بل لأبناء المجتمع كافة ..
أحيي جهودكم المستنيرة وأشد على ايديكم ؛ نحاول جهدنا بذل نفس الجهد منذ خمسة عقود ولكننا نستبشر خيرا أن بين ظهرانينا من يسير بخطوات متسارعة وواعدة لتحقيق هذه الأهداف
اشكر كلماتك الدافئة، والمعاني المهمة التي أكدت عليها