طقس بريطانيا: موجة حر ثالثة تضرب البلاد وسط مخاوف من تداعيات صحية خطيرة
تعيش بريطانيا ذروة موجة الحر الثالثة لهذا العام، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من آثارها الصحية، بينما تواصل درجات الحرارة تسجيل مستويات قياسية في أنحاء أوروبا وسط تأكيدات علمية بأن التغير المناخي يزيد من شدة هذه الظواهر وتكرارها.
وأعلنت وكالة الأمن الصحي البريطانية (UKHSA) توسيع نطاق التحذير الصحي من الحرارة إلى معظم مناطق إنجلترا، باستثناء الشمال الشرقي، محذرةً من تأثيرات ملموسة قد تطال المستشفيات وخدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، خاصة مع استمرار الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
وقالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية (Met Office) إن الطقس الحار سيستمر خلال معظم الأسبوع المقبل، ما قد يجعل موجة الحر الحالية من الأطول التي تشهدها بريطانيا منذ صيف عام 1976، الذي ارتبط بوفاة نحو 250 شخصًا بسبب الحرارة.
وسجلت درجات الحرارة، الخميس، أكثر من 35 درجة مئوية في مقاطعة سري، فيما أوضحت الهيئة أن هذا العام شهد حتى الآن ثمانية أيام تجاوزت فيها الحرارة 34 درجة مئوية، وهو رقم قياسي يفوق ما سُجل في عامي 1976 و2020.
علماء: أزمة المناخ وراء تصاعد موجات الحر

وأكدت البروفيسورة فريدريكه أوتو، أستاذة علوم المناخ في كلية إمبريال لندن، أن أزمة المناخ الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري تجعل كل موجة حر أكثر شدة وأكثر احتمالًا للحدوث.
وأوضحت أن درجات الحرارة التي شهدتها أوروبا هذا الصيف ما كانت لتصل إلى هذه المستويات لولا ارتفاع متوسط حرارة الأرض بنحو 1.4 درجة مئوية، مشيرةً إلى أن وصف هذه الظروف بأنها “الوضع الطبيعي الجديد” ليس دقيقًا، لأن المناخ يواصل الاحترار عامًا بعد عام، ما يعني أن موجات الحر المقبلة قد تكون أشد قسوة.
وتأتي موجة الحر في بريطانيا بينما لا تزال دول أوروبية عدة تتعامل مع آثار موجة الحر السابقة، بعد أن سجل غرب أوروبا أكثر أشهر يونيو حرارةً منذ بدء تسجيل البيانات.
وفي بلجيكا، أعلن المعهد الوطني للعلوم تسجيل نحو 1,747 وفاة إضافية خلال يونيو، فيما أفاد معهد روبرت كوخ في ألمانيا بتسجيل أكثر من 5 آلاف وفاة مرتبطة بالحرارة هذا الصيف. وتشير تقديرات أكاديمية أولية إلى أن عدد الوفيات المرتبطة بموجات الحر في أنحاء أوروبا قد يتجاوز 20 ألف حالة.
كما حذر علماء من أن الارتفاع غير المسبوق في درجات حرارة المحيطات قد يؤدي إلى نفوق جماعي لبعض الكائنات البحرية، في ظل استمرار موجات الحر البحرية.
ضغوط متزايدة على الخدمات الصحية

وتنعكس درجات الحرارة المرتفعة بصورة مباشرة على القطاع الصحي في بريطانيا، إذ أعلنت هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) أنها تواجه ما وصفته بـ”الضغط الصيفي”، في ظل تزايد أعداد المرضى بالتزامن مع استضافة بطولة كأس العالم.
وللمرة الأولى، تجاوز متوسط عدد مراجعي أقسام الطوارئ والحوادث 80 ألف شخص يوميًا خلال شهر يونيو، بينما سجلت خدمات الإسعاف ارتفاعًا بنسبة 118% في عدد الحالات التي طُلب فيها من المواطنين إحضار أجهزة إزالة الرجفان القلبي لإنقاذ أشخاص يُشتبه في تعرضهم لسكتات قلبية.
وامتدت تداعيات موجة الحر إلى قطاع التعليم، حيث أغلقت أكثر من ألف مدرسة في بريطانيا أبوابها كليًا أو جزئيًا خلال موجة الحر السابقة، فيما اتخذت مدارس أخرى إجراءات مماثلة هذا الأسبوع بسبب صعوبة إبقاء الفصول الدراسية في درجات حرارة مناسبة.
وفي الوقت نفسه، ارتفع استهلاك المياه بشكل كبير، ما دفع شركات المياه إلى فرض حظر على استخدام خراطيم المياه في أجزاء من كِنت، إلى جانب بدء تطبيق قيود جديدة تشمل نحو مليون مشترك في هامبشاير وجزيرة وايت.
الحرارة تربك متاجر الأغذية
ولم تقتصر آثار موجة الحر على الخدمات العامة، بل امتدت إلى قطاع التجزئة، حيث واجهت متاجر السوبرماركت صعوبات في تشغيل أنظمة التبريد، ما أدى إلى تعطل بعض الثلاجات وظهور رفوف فارغة في عدد من الفروع.
وأوضح الاتحاد البريطاني للأغذية المجمدة أن كثيرًا من أنظمة التبريد القديمة لم تُصمم للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة التي أصبحت أكثر شيوعًا في بريطانيا، محذرًا من أن تحديث هذه الأنظمة سيكلف سلاسل المتاجر الكبرى مئات الملايين من الباوند.
كما أشار خبراء في قطاع سلسلة التبريد إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة سيدفع المتاجر إلى إعادة تصميم أنظمة حفظ الأغذية، مع توقع زيادة الاعتماد على الثلاجات المغلقة ذات الأبواب الزجاجية بدلًا من الوحدات المفتوحة المستخدمة حاليًا.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة موسمية، بل أصبحت تحديًا متناميًا للبنية التحتية والخدمات العامة في بريطانيا، بدءًا من المستشفيات والمدارس، مرورًا بشبكات المياه، ووصولًا إلى متاجر الأغذية. وفي ظل تحذيرات العلماء من استمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات المقبلة، تتزايد الدعوات إلى تسريع إجراءات التكيف مع تغير المناخ وتعزيز جاهزية المرافق العامة لمواجهة الظواهر الجوية المتطرفة.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا
الرابط المختصر هنا ⬇