بعد إلغاء “التأشيرة الذهبية”.. مقترح بريطاني جديد يمنح الإقامة مقابل استثمار 5 ملايين باوند
في وقت تسعى فيه المملكة المتحدة إلى تعزيز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال العالمية، عاد ملف “تأشيرة المستثمر” إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، بعد سنوات من إغلاق البرنامج السابق الذي أثار جدلًا واسع النطاق بشأن استغلاله في إدخال أموال مشبوهة إلى البلاد.
وجاءت هذه العودة عبر توصية قدمها مركز الأبحاث البريطاني (Policy Exchange)، دعا فيها الحكومة إلى استحداث مسار جديد للهجرة الاستثمارية تحت مسمى Commercial Investor Visa (تأشيرة المستثمر التجاري). ويستهدف هذا المسار جذب أصحاب الثروات الراغبين في ضخ استثمارات كبيرة داخل الشركات البريطانية، مقابل منحهم مسارًا واضحًا نحو الإقامة الدائمة ثم الجنسية البريطانية.
لكن بخلاف ما يجري تداوله أحيانًا، فإن المقترح لا يمثل سياسة حكومية معتمدة، ولم تعلن الحكومة البريطانية أو وزارة الداخلية حتى الآن أي نية رسمية لإطلاق هذا البرنامج، ولا يزال في إطار توصيات صادرة عن مؤسسة بحثية تقدّم مقترحات في مجالات السياسة العامة والاقتصاد والهجرة.
ما الذي يقترحه مركز Policy Exchange؟

وفقًا للمقترح، يشترط البرنامج استثمار ما لا يقل عن 5 ملايين باوند في شركات بريطانية، مع توجيه الاستثمار نحو الاقتصاد الحقيقي بدلًا من الأصول المالية أو العقارية، بهدف دعم الشركات الناشئة والقطاعات الإنتاجية.
ويمنح المقترح المستثمرين الذين يستوفون الشروط حق التقدم للحصول على الإقامة الدائمة (Indefinite Leave to Remain) بعد ثلاث سنوات، على أن يكون بإمكانهم التقدم بطلب للحصول على الجنسية البريطانية بعد مرور خمس سنوات، شريطة استيفاء المتطلبات القانونية المعتادة، ويشمل ذلك اختبارات اللغة والمعرفة بالحياة في المملكة المتحدة.
كما يدعو المقترح إلى فرض تدقيق مالي وأمني صارم على مصادر الأموال، في محاولة لتجنب الثغرات التي شابت برنامج “التأشيرة الذهبية” السابق.
لماذا أُلغيت التأشيرة الذهبية؟

لفهم خلفية هذا المقترح، لا بد من العودة إلى برنامج Tier 1 Investor Visa، المعروف إعلاميًا باسم “التأشيرة الذهبية”، والذي أغلقته الحكومة البريطانية فجأة في فبراير/شباط 2022.
وكان البرنامج يسمح للمستثمرين الأجانب بالحصول على الإقامة مقابل استثمار يبدأ من مليوني باوند، مع إمكانية تسريع الحصول على الإقامة الدائمة بحسَب حجم الاستثمار؛ إذ كان الاستثمار بـ5 ملايين باوند يتيح الإقامة الدائمة بعد ثلاث سنوات، في حين كان الاستثمار بـ10 ملايين باوند يختصر المدة إلى عامين.
لكن البرنامج واجه انتقادات متصاعدة على مدى سنوات، بعد تقارير برلمانية ورقابية أثارت مخاوف بشأن استغلاله في إدخال أموال ذات مصادر غير واضحة، في ظل ضعف نسبي في إجراءات التحقق من مصدر الثروات.
وجاء قرار الإلغاء ضمن توجه حكومي أوسع لتعزيز مكافحة غسل الأموال، وتشديد الرقابة على التدفقات المالية الأجنبية، ولا سيما في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من مراجعات موسعة للارتباطات المالية الدولية.
محاولة لتجاوز أخطاء الماضي
يسعى المقترح الجديد إلى إعادة صياغة نموذج “تأشيرة المستثمر” بطريقة مختلفة، عبر التركيز على الاستثمار المباشر في الشركات البريطانية بدلًا من الأدوات المالية التقليدية.
ويرى مُعِدّو المقترح أن هذا التحول من شأنه أن يحقق أثرًا اقتصاديًا أكبر، من خلال دعم الابتكار، وتمويل الشركات الناشئة، وإيجاد فرص عمل، وزيادة الإنتاج في قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا والطاقة والصناعات المتقدمة.
كما ينبه المقترح على ضرورة تعزيز إجراءات التدقيق الأمني والمالي؛ لضمان عدم تكرار التجاوزات التي أدت إلى إغلاق البرنامج السابق.
بين الحاجة الاقتصادية والجدل السياسي
رغم الطابع الاقتصادي للمقترح، فإنه قد يفتح بابًا واسعًا للنقاش السياسي إذا طُرح للتشريع.
فمنتقدو برامج “الإقامة مقابل الاستثمار” يرون أنها تمنح امتيازات مرتبطة بالثروة داخل نظام الهجرة، ما يثير تساؤلات عن العدالة وتكافؤ الفرص بين المهاجرين.
في المقابل، يرى مؤيدو هذه البرامج أن المنافسة العالمية على جذب رؤوس الأموال أصبحت أكثر حدة، وأن بريطانيا بحاجة إلى أدوات مرنة للحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية، ولا سيما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي وتغير بيئتها الاقتصادية.
هل يمكن أن يتغير الموقف الحكومي مستقبلًا؟

ويكتسب هذا المقترح أهمية إضافية في ظل التغيرات السياسية المتوقعة داخل حزب العمال، إذ تشير تقديرات بعض المراقبين إلى أن أندي بيرنام يعد من أبرز الأسماء المطروحة لقيادة الحزب والحكومة خلال المرحلة المقبلة، إذا ما آلت إليه زعامة الحزب.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فقد يجد مقترح “تأشيرة المستثمر التجاري” بيئة سياسية مختلفة، ولا سيما إذا اختارت الحكومة المقبلة التركيز على جذب الاستثمارات الإنتاجية ضمن استراتيجية إنعاش الاقتصاد، مع الإبقاء على ضوابط صارمة لمكافحة غسل الأموال وحماية نزاهة نظام الهجرة.
لكن في المقابل، يبقى هذا الطرح في إطار التحليل السياسي، إذ لم يصدر عن بيرنهام أو فريقه أي موقف رسمي من المقترح، كما لم تعلن الحكومة البريطانية أي توجه لاعتماده حتى الآن.
هل أصبح البرنامج واقعًا؟
حتى الآن، لا.
فلا توجد أي تعديلات على قوانين الهجرة البريطانية تتضمن “تأشيرة المستثمر التجاري”، ولم تصدر وزارة الداخلية أو الحكومة البريطانية أي إعلان رسمي بشأنه.
وبناءً على ذلك، يبقى المقترح في إطار التوصيات البحثية التي قد تسهم في تشكيل النقاش السياسي والاقتصادي بشأن مستقبل سياسات الهجرة الاستثمارية في المملكة المتحدة، دون أن يتحول إلى برنامج فعلي أو مسار قانوني معتمد.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇