العرب في بريطانيا | كرم نعمة في كتابه الجديد يحذر أم يفكك "الو...

كرم نعمة في كتابه الجديد يحذر أم يفكك “الوعد الزائف”

WhatsApp Image 2026-06-29 at 10.32.39 PM
فريق التحرير يوليو 1, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يبدو كتاب «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق» للكاتب العراقي المقيم في لندن منذ أكثر من ثلاثين عامًا، والصادر قبل أسابيع عن دار خريّف للنشر في تونس، كأنه محاولة لالتقاط لحظة إنسانية تتجاوز التقنية نفسها؛ لحظة يقف فيها الإنسان أمام مرآة صنعتها يداه، فيرى فيها هشاشته أكثر مما يرى قدرته.

هذا ليس كتاباً عن الذكاء الاصطناعي بقدر ما هو كتاب عن الإنسان الذي اخترع آلةً لتساعده، ثم وجد نفسه يختبئ خلفها، يحمّلها رغباته، ويطلب منها أن تفكّر عنه، وتقرأ عنه، وتكتب عنه، وربما أن تحلم عنه.

كرم نعمة أحد كتّاب منصة “العرب في بريطانيا” الكاتب والصحافي العراقي، الذي خبر الإعلام والسياسة والفن لعقود، وتقلّد مسؤوليات تحريرية في صحف “الزمان” و “العرب” في لندن، ومازال يواصل الكتابة باللغتين العربية والإنجليزية، لا يكتب هنا في كتابه السادس، بوصفه مراقبًا للتكنولوجيا، بل بوصفه شاهدًا على تحوّل عميق في علاقة الإنسان بذاته، وبمعناه، وبقدرته على أن يكون كائناً يفكّر، لا مجرد مستهلك للمعرفة.

منذ الصفحة الأولى، يتعامل نعمة مع الذكاء الاصطناعي كقوة سردية قبل أن يكون قوةً حسابية. يستعيد افتتاحية “الغارديان” التي كتبها GPT‑3 عام 2020، لا لأنها حدث تقني، بل لأنها لحظة رمزية: اللحظة التي كتب فيها برنامجٌ نصًا بلا تجربة، بلا ذاكرة، بلا جرح. تلك اللحظة، في نظره، لم تكن إعلانًا عن ولادة ذكاء جديد، بل إعلانًا عن بداية أسطورة جديدة؛ أسطورة أن الآلة تستطيع أن تمنح الإنسان ما لم يستطع أن يمنحه لنفسه: الكمال، السرعة، الإجابة، اليقين. ومن هنا يبدأ «الوعد الزائف”.

ثلاثة إصدارات متميزة للكاتب كرم نعمة

لكن نعمة الذي سبق أن أصدر كتب “أغانٍ من فضة: الغناء العراقي بوصفه مؤرخًا” و “السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي” و “سلاح غير مرخّص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية” لا يكتفي بتفكيك الوعد، بل يعود إلى جذوره الخرافية. يستدعي حكاية السمكة الذهبية من الأساطير الألمانية، لا كاستعارة بل كمنهج قراءة. فالذكاء الاصطناعي، في نظره، يشبه تلك السمكة التي تمنح كل شيء، لكنها في النهاية تدمّر العالم لأنها تلغي معنى الرغبة نفسها. فالرغبة، كما يكتب، تستمد معناها من العقبة، من الطريق، من المشقة.

وحين يقدّم الذكاء الاصطناعي كل شيء فوراً، فإنه لا يحقق الرغبة، بل يمحوها. هذه الفكرة، التي تبدو بسيطة، تتحول في الكتاب إلى أطروحة فلسفية كاملة: الوفرة المطلقة ليست خلاصًا، بل نوع من العدم. فالآلة التي تمنحك كل شيء، تسلبك في الوقت نفسه القدرة على أن تريد شيئاً.

ومن الخرافة ينتقل كرم نعمة إلى الواقع الثقافي، إلى سؤال الملكية الفكرية، لا بوصفه سؤالًا قانونيًا بل بوصفه سؤالًا أخلاقيًا. في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، يقدّم واحدة من أكثر قراءاته قوة: فالذكاء الاصطناعي لا يهدد الوظائف فقط، بل يهدد المعنى الأخلاقي للإبداع. فالآلة لا تكتب من فراغ، بل من نصوص البشر، ومن جهدهم، ومن سنوات بحثهم، من مخزونهم العاطفي والمعرفي. وهنا يطرح سؤالًا مؤلمًا: إذا كانت الآلة قادرة على كتابة رواية في دقائق، فماذا يبقى من خمسة عشر عامًا قضتها “كيت موس” في كتابة «المتاهة»؟ هذا السؤال لا يبحث عن إجابة، بل يكشف هشاشة العلاقة بين الإنسان ومنتجه الإبداعي في زمن تتحول فيه التجربة إلى بيانات تدريب.لكن الكتاب لا يتوقف عند حدود الإبداع، بل يذهب إلى مناطق أكثر حساسية.

كرم نعمة٬ كاتب وصحفي بريطاني-عراقي، تولى إدارة تحرير صحيفتي “الزمان” و”العرب” اللندنيتين. صدرت له ستة كتب في شؤون الإعلام.

في تساؤل «حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه»، يطرح نعمة سؤالًا مقلقًا: ماذا يحدث حين يصبح السؤال الأخلاقي سؤالًا حسابيًا؟ حين تتحول الفتوى إلى خوارزمية؟ حين يصبح «الحق» نتيجةً إحصائية؟ هنا يلامس منطقة لم يقترب منها كثيرون؛ فالذكاء الاصطناعي في رأيه، لا يهدد الدين، بل يهدد الإنسان الذي يريد أن يسلّم عقله لأي سلطة جاهزة، سواء كانت سلطة رجل دين أو سلطة خوارزمية. فالخطر ليس في أن الآلة تفتي، بل في أن الإنسان يتنازل عن مسؤوليته الأخلاقية لصالح إجابة جاهزة.

وفي «الذكاء الاصطناعي يتذوق الموسيقى أيضاً»، يذهب نعمة إلى سؤال آخر: أين تختبئ الروح؟ إذا استطاعت الخوارزمية أن تؤلف موسيقى، فهل يمكنها أن تنتج حزنًا؟ هل يمكنها أن تكتب نشازًا مقصودًا؟ وهل يمكنها أن تخطئ جماليًا؟ هنا يقدّم مؤلف “الوعد الزائف” أطروحة لافتة: الذكاء الاصطناعي ينتج جمالًا بلا جرح، وإبداعًا بلا تجربة، وصوتًا بلا ذاكرة. وهذا ما يجعله خطيرًا. فالفن، في جوهره، ليس نتاجًا جماليًا بل نتاج تجربة، والآلة لا تختبر شيئًا.

ومن الموسيقى ينتقل إلى السياسة. في فصل «فاشية رقمية»، يكتب نعمة عن الذكاء الاصطناعي كقوة سياسية، لا كأداة تقنية؛ كقوة قادرة على تشكيل الرأي العام، وإعادة توزيع السلطة، وخلق طبقات جديدة من البشر، وتحويل الخطأ إلى جريمة، وتحويل البيانات إلى قدر. وهنا يلمّح إلى فكرة خطيرة: الفاشية المقبلة لن تأتي بزيّ عسكري، بل بواجهة مستخدم. لن تأتي عبر زعيم، بل عبر خوارزمية. ولن تفرض نفسها بالقوة، بل بالراحة. وهذا ما يجعلها أكثر خطرًا.

حين يقدّم الذكاء الاصطناعي كل شيء فوراً، فإنه لا يحقق الرغبة، بل يمحوها

وفي عناوين أخرى، مثل «طيش الإنترنت» و«زمن النسيان العام»، يكتب كرم نعمة عن الذاكرة في عصر الخوارزميات. فالإنترنت لا ينسى، لكنه لا يتذكر أيضاً. إنه يكدّس، لكنه لا يميّز. يخزن، لكنه لا يفهم. وهكذا يصبح الإنسان محاطاً بذاكرة ضخمة، لكنها بلا معنى. ذاكرة بلا سرد، بلا ترتيب، بلا سياق. وهذا، في نظره، أخطر من النسيان نفسه.

لكن التساؤل الذي يختصر روح الكتاب هو «أيّ نوع من الناس نريد أن نكون؟». هنا يتوقف نعمة عن تحليل الآلة، ويبدأ بتحليل الإنسان. هل نريد أن نكون بشرًا يفكرون، أم بشرًا يستهلكون؟ هل نريد أن نكون كائنات ناقصة، أم كائنات مكتملة بلا معنى؟ هل نريد أن نعيش في عالم بطيء، أم عالم سريع لكنه بلا ذاكرة؟ هذه الأسئلة ليست فلسفية فقط، بل وجودية. إنها أسئلة عن مصير الإنسان في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة، وبين الحكاية والخوارزمية.

في النهاية، يبدو «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق» كتابًا يكتب عن الإنسان أكثر مما يكتب عن الآلة. كتابًا يدافع عن حق الإنسان في أن يظل ناقصًا، هشًا، بطيئًا، متعثرًا. لأن هذا النقص هو ما يجعل الإبداع ممكنًا، والمعنى ممكنًا، والحياة ذات قيمة. كرم نعمة لا يخاف من الآلة، بل يخاف من الإنسان الذي يريد أن يصبح آلة.

وهذا، ربما، هو جوهر الكتاب كله: الذكاء الاصطناعي ليس وعدًا بالخلاص، بل هو اختبارٌ جديدٌ للوعي؛ اختبارٌ يذكّرنا بأن الإنسان لا يُعرَّف بما يملك، بل بما يفتقد. وأن النقص ليس عيبًا، بل شرطًا للمعنى.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 1 يوليو 2026
المنافسة تشتد.. من سيودع المونديال اليوم؟ 🏆 تشتعل الملاعب المونديالية اليوم وفجر الغد مع انطلاق جولة حاسمة في دور الـ 32 لكأس العالم 2026؛ بدءًا من صدام إنجلترا والكونغو، وصولًا إلى المواجهة الصعبة فجرًا بين الولايات المتحدة والبوسنة والهرسك. شاركنا…
𝕏 @alarabinuk · 1 يوليو 2026
أعلنت وزارة الداخلية البريطانية، بقيادة الوزيرة شابانا محمود، أنه بدءًا من مطلع أكتوبر المقبل، ستواجه الشركات وأصحاب العمل الذين يثبت قيامهم بتشغيل عمالة غير قانونية في قطاعي البناء وتوصيل الأغذية (الدليفري) حزمة عقوبات صارمة وحاسمة. وبموجب القواعد الجديدة، سيُعاقب المخالفون…
𝕏 @alarabinuk · 1 يوليو 2026
R to @AlARABINUK: قضايا هامّة بانتظارك: https://alarabinuk.com/?p=233870
𝕏 @alarabinuk · 1 يوليو 2026
بين ترقب رياضي يحبس الأنفاس، وملفات سياسية وأمنية تُثير الجدل في الشارع البريطاني.. لخصنا أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام في بريطانيا خلال الـ24 ساعة الماضية 👇 للمزيد من التفاصيل, اضغط على الرابط الموجود في التعليق الأول ⬇️ #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←