كم يجب أن تستثمر من راتبك؟ وأين تضع أموالك إذا كنت تعيش في بريطانيا؟
يظن كثير من الناس أن الاستثمار يحتاج إلى دخل مرتفع أو ثروة كبيرة حتى يكون مجديًا، لذلك يؤجلون الفكرة سنوات طويلة بانتظار الراتب الأعلى أو الظروف الملائمة أو المبلغ المناسب للبدء. لكن أكبر خطأ استثماري لا يتمثل غالبًا في اختيار السهم أو الصندوق الخطأ، بل في عدم البدء أصلًا.
وفي بريطانيا، كما في معظم الاقتصادات المتقدمة، لا يبني أغلب الناس ثرواتهم من خلال ضربة حظ أو استثمار استثنائي، بل عبر الادخار المنتظم والاستثمار الطويل الأجل. ووفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS)، فإن الأسر التي تلتزم بخطط ادخار واستثمار منتظمة تحقق استقرارًا ماليًا أعلى على المدى الطويل، ما يجعل السؤال الأهم ليس كم تملك اليوم، بل كم تستطيع أن تستثمر باستمرار كل شهر.
فالاستثمار يشبه إلى حد كبير زراعة شجرة؛ فالبذرة الصغيرة التي تُزرع مبكرًا قد تصبح أكثر قيمة من شجرة تُزرع متأخرة، حتى لو كانت أكبر حجمًا في البداية.
استثمر قبل أن تنفق
من أكثر القواعد المالية شيوعًا ما يُعرف بقاعدة 20%، أي تخصيص نحو 20% من الدخل الشهري للادخار والاستثمار قبل الإنفاق على الكماليات والمصاريف غير الأساسية.
لكن هذه النسبة ليست شرطًا ثابتًا. فإذا كانت هذه النسبة تبدو مرتفعة في البداية، فإن استثمار 10% من الراتب بصورة منتظمة قد يكون بداية ممتازة. والأهم من حجم المبلغ هو الاستمرارية.
وتكمن أهمية الاستثمار المنتظم في الاستفادة من النمو المركب، حيث لا تحقق الأموال المستثمرة عوائد فحسب، بل تبدأ هذه العوائد نفسها بتوليد عوائد إضافية مع مرور الوقت. لذلك قد يتفوق شخص بدأ الاستثمار مبكرًا بمبالغ متواضعة على شخص آخر بدأ بمبالغ أكبر بعد سنوات طويلة.
قبل الاستثمار: ابنِ صندوق طوارئ
قبل توجيه الأموال إلى الاستثمار، توصي منصة موني هيلبر (MoneyHelper) الحكومية بإنشاء صندوق طوارئ يغطي ما بين ثلاثة وستة أشهر من النفقات الأساسية، مثل الإيجار والطعام والفواتير والمواصلات.
تكمن أهمية هذا الصندوق في توفير شبكة أمان عند فقدان الوظيفة أو مواجهة ظرف صحي أو أي أزمة مالية مفاجئة. كما يُفضَّل التعامل أولًا مع الديون المرتفعة الفائدة، مثل بعض بطاقات الائتمان والقروض الاستهلاكية المكلفة؛ لأن فوائدها قد تفوق العوائد المتوقعة من الاستثمار.
أين يمكن استثمار أموالك في بريطانيا؟
بالنسبة لمعظم المبتدئين، تمثل صناديق المؤشرات (Index Funds) أحد أكثر الخيارات شيوعًا. فبدلًا من محاولة اختيار شركة واحدة قد ترتفع أو تنخفض، تمنح هذه الصناديق المستثمر فرصة الاستثمار في عشرات أو مئات الشركات من خلال صندوق واحد.
وتتبع بعض صناديق المؤشرات أداء أكبر الشركات المدرجة في الأسواق العالمية أو الأمريكية أو البريطانية، ما يوفر درجة أعلى من التنويع مقارنة بشراء أسهم فردية. وتشير دراسة تاريخية لشركة فانغارد (Vanguard) المتخصصة في الاستثمار إلى أن الغالبية العظمى من المستثمرين الأفراد يجدون صعوبة في التفوق على أداء السوق على المدى الطويل من خلال اختيار الأسهم بأنفسهم، وهو ما يفسر الشعبية الكبيرة لصناديق المؤشرات المنخفضة التكلفة.
حساب ISA: ميزة ضريبية مهمة
من أبرز الأدوات الاستثمارية المتاحة للمقيمين في بريطانيا الحسابات الفردية للادخار (ISA)، وتحديدًا حساب Stocks and Shares ISA، الذي يتيح للأفراد استثمار أموالهم مع إعفاء كامل للعوائد والأرباح الرأسمالية من الضرائب.
ويوفر النظام المالي البريطاني حدًا سنويًا مُعفى من الضرائب يصل إلى 20,000 باوند لكل عام ضريبي. وتُعد هذه الميزة ذات أهمية خاصة لمن يخططون للاستثمار لسنوات طويلة، إذ تسمح بنمو الأموال دون اقتطاع ضرائب على الأرباح أو المكاسب المتحققة داخل الحساب، ما يجعلها من أهم المزايا التي توفرها الدولة للأفراد الراغبين في بناء ثروة طويلة الأجل.
التقاعد والمعاشات: أموال إضافية ومزايا ضريبية
من الفرص الاستثمارية الكبرى التي تحظى بدعم حكومي كبير هي المعاشات التقاعدية المرتبطة بالعمل (Workplace Pensions). فبموجب قانون التسجيل التلقائي في بريطانيا، تبلغ نسبة المساهمة القانونية الدنيا الإجمالية 8% من الأجور المؤهلة، حيث يساهم الموظف بنسبة 5% في الحد الأدنى، ويلتزم صاحب العمل بدفع 3% المتبقية. وتُعد مساهمة صاحب العمل بمنزلة زيادة مجانية على راتبك لا ينبغي تفويتها.
إلى جانب ذلك، توفر الدولة ميزة الإعفاء الضريبي (Tax Relief) على مساهمات التقاعد، حيث تعيد الحكومة الضرائب التي دفعتها على الأموال المستثمرة في المعاش التقاعدي، ما يعني أن استثمار 100 باوند قد يكلف الموظف من فئة دافعي الضرائب الأساسية 80 باوند فقط. كما أن الحفاظ على سجل دفع اشتراكات التأمين الوطني (National Insurance) لمدد تتراوح بين 10 أعوام إلى 35 عامًا يضمن للمقيمين الحصول على معاش الدولة الأساسي (State Pension) عند الوصول للسن القانونية، ما يشكل قاعدة أمان إضافية بجانب المعاشات الخاصة.
مثال عملي
إذا كان راتبك الشهري 2,000 باوند وخصصت 10% منه للاستثمار؛ فهذا يعني استثمار 200 باوند شهريًا.
وعلى افتراض تحقيق متوسط عائد سنوي طويل الأجل يبلغ 7%، فقد تتجاوز قيمة الاستثمار 100 ألف باوند بعد نحو 20 عامًا، وقد ترتفع إلى أكثر من 220 ألف باوند بعد 30 عامًا بفضل النمو المركب. ومع أن العوائد الفعلية تختلف بحسب ظروف السوق، فإن المثال يوضح أثر الاستمرارية والوقت في بناء الثروة.
الاستثمار ليس طريقًا للثراء السريع
تؤكد هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) في تقاريرها التوعوية على أهمية فهم المخاطر وتجنب الاندفاع وراء الوعود الاستثمارية غير الواقعية. فالنجاح الاستثماري يعتمد غالبًا على الصبر والانضباط أكثر من اعتماده على المغامرة. والأشخاص الذين يحققون نتائج جيدة على المدى الطويل ليسوا بالضرورة الأكثر جرأة، بل هم الذين التزموا بخطة واضحة واستمروا في تطبيقها عامًا بعد عام.
ابدأ بما تستطيع اليوم
ينتظر كثير من الناس اللحظة المثالية لبدء الاستثمار، لكنها غالبًا لا تأتي. فالحياة ستظل مزدحمة بالمصاريف والالتزامات والأسباب التي تدفع إلى التأجيل.
لذلك تنصح مؤسسة موني هيلبر الحكومية بأن أفضل وقت للبدء هو عندما تستطيع تخصيص جزء من دخلك بصورة منتظمة، حتى لو كان المبلغ متواضعًا. فالثروة لا تُبنى عادة من قرار واحد كبير، بل من قرارات صغيرة تتكرر شهرًا بعد شهر وسنة بعد سنة. وفي النهاية، لا يتعلق النجاح المالي باختيار الأداة المناسبة فقط، بل بالقدرة على الالتزام بخطة استثمارية طويلة الأجل والاستمرار فيها مهما تغيرت ظروف السوق.
تنبيه: هذا المقال لأغراض التثقيف المالي فقط، ولا يُعد نصيحة استثمارية أو توصية بشراء أو بيع أي منتج مالي. للحصول على معلومات رسمية وموثوقة يمكن دائمًا مراجعة منصة موني هيلبر الحكومية التابعة لوزارة العمل والمعاشات البريطانية.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇