كيف أثرت موجة الحر الشديدة على المدارس والمستشفيات وشبكات النقل في بريطانيا؟
تستعر بريطانيا تحت وطأة موجة حرّ خانقة، وضعت المدارس، المستشفيات، شبكات النقل، وشركات المياه في مواجهة أزمة حقيقية للتعامل مع درجات حرارة قياسية أجّجها الانهيار المناخي، في وقت أطلق فيه الأمين العام للأمم المتحدة تحذيرًا مدويًا بأن العاصمة لندن باتت “تطهو” فوق لهيب القيظ.
وسجلت درجات الحرارة ذروة بلغت 34.6 درجة مئوية في منطقة “ويزلي” بمقاطعة “ساري”، بحسَب ما أعلنته هيئة الأرصاد الجوية (Met Office). ومن المتوقع أن تسجل مناطق جنوب شرق إنجلترا 38 درجة مئوية يوم الأربعاء، لتصل إلى حدّها الأقصى عند 39 درجة مئوية يوم الخميس.
هذه الأرقام المرتفعة كفيلة بتحطيم الرقم القياسي السابق لشهر يونيو/ حزيران البالغ 35.6 درجة مئوية (والذي سُجّل لأول مرة عام 1957 وتكرّر في 1976)، كما تقترب خطوة من الذروة التاريخية المطلقة للبلاد البالغة 40.3 درجة مئوية، والتي شُهدت في يوليو/ تموز 2022 كأول مرة تتجاوز فيها الحرارة حاجز الأربعين في تاريخ بريطانيا.
كيف أثّرت موجة الحر الشديدة على بريطانيا؟

وتأتي هذه الموجة غير المسبوقة وسط تحذيرات عاجلة من أن البنية التحتية لبريطانيا “شُيّدت لمناخ لم يعُد له وجود”. وشملت إجراءات الطوارئ المتخذة هذا الأسبوع ما يلي:
• خفض سرعة القطارات وتقليص رحلاتها.
• إلغاء موعد المراجعين والمرضى في المستشفيات.
• إغلاق المدارس في جنوب إنجلترا وويلز.
• فرض حظر على استخدام خراطيم المياه في جنوب شرق البلاد.
وأصدرت هيئة الأرصاد الجوية تحذيرًا باللون “الأحمر النادر” ليومَي الأربعاء والخميس، بالتزامن مع إعلان حالة الطوارئ الصحية الحرارية الحمراء في إنجلترا، ما يشير إلى وجود “خطر على الحياة يهدد حتى الأصحاء من السكان”.
لا تقتصر قسوة الحر على بريطانيا؛ إذ يرزح جزء كبير من أوروبا الغربية تحت وطأة حرارة خانقة احتجزتها منطقة ضغط جوي مرتفع، ودُفعت إلى مستويات غير طبيعية بفعل غطاء من التلوث الكربوني الذي يطوق الأرض. ووفقًا لتحليل سريع نشرته منصة “كليما ميتر” (ClimaMeter) يوم الاثنين، فإن الانهيار المناخي أضاف ما بين درجتين إلى 4 درجات مئوية إلى شدة الموجة الحالية.
وفي فرنسا، سجلت البلاد ليل الاثنين أكثر لياليها حرارة في التاريخ، تلاها يوم الثلاثاء الأشد حرارة على الإطلاق، وفقًا للبيانات الصادرة عن هيئة الأرصاد الفرنسية (Météo-France). وبلغت الحرارة ذروتها عند 44.3 درجة مئوية، في حين أعلن المسؤولون تسجيل 40 حالة وفاة ناتجة عن الغرق جراء محاولات المواطنين الهروب من القيظ إلى الشواطئ والمجاري المائية، كما قضى عدة أشخاص غرقًا في ألمانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وفي إسبانيا، سجلت واحدة من كل ثماني محطات أرصاد جوية درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية يوم الاثنين، وحذرت وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية (Aemet) من “خطر استثنائي”.
هذا المزيج المرعب من الحرارة العالية والرطوبة المرتفعة أثار فزع الأطباء، الذين ناشدوا السكان شرب المياه بكثرة، والبقاء في الظل، وتفقد الجيران والأصدقاء من الفئات المستضعفة.
غوتيريش: “لندن تطهو”.. والسياسة عاجزة

وفي الخطاب الذي ألقاه خلال “أسبوع لندن للعمل المناخي” يوم الثلاثاء، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن لندن “تطهو”، وأدت درجات الحرارة اللاهبة إلى إلغاء فعالية كانت مدرجة في جدول أعمال يوم الأربعاء لبحث سبل تحسين آليات التعامل مع الموجات الحرارية الشديدة.
وأضاف غوتيريش: “هنا في لندن، مدينة تشارلز ديكنز، يبدو واضحًا أن عالمنا يواجه قصة أزمتين: أزمة مناخية تدفعنا نحو درجات حرارة أكثر ارتفاعًا وتقرّبنا من نقاط التحول الكارثية، وأزمة طاقة تكشف حماقة عالم ما زال مدمنًا على الهيدروكربونات”.
وعلى الأرض، شُلّت حركة القطارات في بريطانيا يوم الثلاثاء، وحثت الشركات المشغلة الركاب على السفر “عند الضرورة القصوى فقط”؛ حيث خفضت القطارات سرعتها لتقليل الضغط على القضبان الحديدية المهددة بالالتواء والانبعاج جراء السخونة المفرطة.
اضطرت بعض المستشفيات في إنجلترا كذلك إلى إلغاء مواعيد المرضى نتيجة لارتفاع الطلب على الرعاية الطارئة، وسط مخاوف من تفاقم الوضع خلال الأيام المقبلة.
ومن المتوقع أن تغلق مئات المدارس أبوابها أو تخلص ساعات عملها هذا الأسبوع في جنوب إنجلترا وويلز، واختارت مدارس عدة إنهاء اليوم الدراسي مبكرًا لتفادي ذروة الحرارة.
وقال دانييل كيبيدي، الأمين العام للاتحاد الوطني للتعليم: “لقد تحولت مباني مدارسنا الفيكتورية القديمة إلى صوبات زجاجية”. وأضاف مطالبًا: “على الحكومة التدخل فورًا؛ نحن بحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة وعاجلة لتحديث عقارات المدارس المتقادمة وتزويدها بنظم تهوية مناسبة، ومظلات، وبنية تحتية للتبريد مقاومة للتغير المناخي”.
ومن ناحية أخرى، فرضت شركة “سوث إيست ووتر” للمياه حظرًا على استخدام خراطيم المياه بعد أن تسببت الموجة في قفزة هائلة في معدلات الطلب، بينما حثت شركات أخرى المواطنين على ترشيد الاستهلاك.
وفي المقابل، تشير بيانات قطاع التجزئة إلى محاولات السكان للتكيّف مع هذا الواقع؛ إذ تضاعفت مبيعات المراوح الكهربائية لأكثر من الضعف مقارنة بالأسابيع الأربعة الماضية بحسب أحد المتاجر الكبرى، وتوقع تاجر آخر قفزة بنحو 50 في المئة في مبيعات الثلج، والمثلجات.
صيف الخمسين عامًا يعود.. والمستقبل قاتم
هذا ويقتل الطقس الحار عشرات الآلاف من الأوروبيين سنويًّا – لا سيما كبار السن ومن يعانون من مشاكل صحية مزمنة – حيث يدفع أعضاء الجسم الحيوية إلى العمل بأقصى طاقتها ويمنعها من التعافي.
وقالت إيما هولمبرغ، باحثة دراسات درجات الحرارة القصوى في معهد الطب الاجتماعي والوقائي بجامعة برن: “إن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية جعل هذه الموجة استثنائية بكل المقاييس”. وتابعت: “بتنا نرى مستويات حرارة خطيرة منذ شهر يونيو، وهو ما يفرض ضغطًا شديدًا على البنية التحتية والأفراد على حد سواء، ويتجلى هذا بوضوح لدى الفئات الأكثر هشاشة في مجتمعنا، مثل كبار السن أو أصحاب الأمراض المزمنة”.
وتأتي هذه الموجة الصادمة بعد أسابيع قليلة من موجة ربيعية حارة سُجّلت أواخر مايو/ أيار وحطمت الرقم القياسي التاريخي لبريطانيا في ذلك الشهر بفارق درجتين مئويتين كاملتين. وأعادت هذه الأجواء اللاهبة إلى الأذهان ذكريات الصيف الحارق الذي عاشته البلاد قبل خمسين عامًا، وتحديدًا في عام 1976، عندما تسببت الموجة حينها في تلف المحاصيل وجفاف صنابير المياه.
ويوم الثلاثاء، نشرت هيئة الأرصاد الجوية توقعات لما قد تبدو عليه موجة حر مشابهة في خمسينيات هذا القرن في ظل كوكب يزداد سخونة بفعل البشر؛ وأشارت التوقعات إلى أن بريطانيا قد تواجه موجة حر تستمر 14 يومًا، تتجاوز فيها الحرارة 40 درجة مئوية لتسعة أيام متتالية، لتبلغ ذروتها عند 45 درجة في إنجلترا، و38 في اسكتلندا، و41 في ويلز، و30 في أيرلندا الشمالية.
بيوت للاحتفاظ بالدفء لا لطرد الحر
من جانبه، دعا فرع منظمة “غرينبيس” في المملكة المتحدة (Greenpeace UK) الوزراء إلى إقرار حمايات قانونية للأشخاص الأكثر عرضة للحرارة الشديدة. وقالت أريبا حميد، المديرة التنفيذية المشاركة للمنظمة: إن الوقود الأحفوري حول الصيف البريطاني الذي كان معتدلًا في الماضي إلى موجات حر مهددة للحياة.
وانتقدت حميد الموقف الحكومي قائلة: “ما زال الوزراء يتعاملون مع الحر الشديد وكأنه تقلب موسمي عابر، في حين أنه يتحول سريعًا إلى خطر حاد ومتكرر يهدد الصحة العامة.
عندما تتحول الفصول الدراسية إلى أفران، وتشتعل الحرارة في دور الرعاية، وتبدأ وسائل النقل في الانبعاج ويُجبر العمال على الكدح في درجات حرارة خطيرة، يتضح تمامًا أن البلاد غير مستعدة”.
والشهر الماضي، حذرت “لجنة التغير المناخي” (وهي الجهة الاستشارية المستقلة للحكومة البريطانية) قائلة: “إن بريطانيا بُنيت لمناخ لم يعُد موجودًا اليوم، وسيزداد بعداً في السنوات القادمة”. وأوصت اللجنة بضرورة تصميم المباني الجديدة لتكون باردة منذ البداية عبر تدابير تبريد طبيعية غير مكلفة، كالتظليل الطبيعي، كما أوصت بالتوسع في استخدام تكييف الهواء ووضع حد أقصى لدرجات الحرارة في أماكن العمل.
وفي السياق ذاته، أكد ستيفان سميث، أستاذ أنظمة الطاقة والبيئة المبنية في جامعة “ريدينغ”، أن مشكلة ارتفاع حرارة المباني تتطلب تحركًا عاجلًا، مضيفًا: “ستكون أجهزة تكييف الهواء جزءًا من الحل، لكن استخدامها على نطاق واسع داخل المدن يؤدي إلى ارتفاع موضعي إضافي في الحرارة، ما يوسّع الفجوة بين من يملكون التكييف ومن لا يملكونه. هذا يشير إلى حاجة ماسة لحلول بعيدة المدى؛ إذ يتعيّن على تصاميم المباني والتخطيط العمراني التكيف مع الظروف الأكثر سخونة”.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇