العرب في بريطانيا | بريطانيا: استقالة ستارمر.. الديمقراطية إذ تصحح ...

بريطانيا: استقالة ستارمر.. الديمقراطية إذ تصحح ذاتها

بريطانيا: استقالة ستارمر.. الديمقراطية إذ تصحح ذاتها
جلال الورغي يونيو 23, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

أعلن رئيس الحكومة البريطاني كير ستارمر عن تنحيه عن زعامة حزب العمال والحكومة، متعهداً بمواكبة وضمان إجراءات ومسار انتخاب زعيم جديد للحزب ولرئاسة الحكومة قبيل العودة البرلمانية القادمة خلال شهر سبتمبر القادم. وقد يجري تسليم الزعيم الجديد للحزب مقاليد الأمور خلال المؤتمر السنوي للحزب.

لا شك أن الكثير سيخوض في الأسباب التي أدت إلى استقالة ستارمر، وهي كثيرة، وبعضها يتعلق بأزمة بنوية في المشهد السياسي البريطاني وبعضها يتعلق بأداء حكومته والأخر يعود إلى بعض المشكلات الذاتية في ستارمر نفسه، لكن اللافت في حدث الاستقالة، هو دلالات هذه الاستقالة في العلاقة بالديمقراطية البريطانية.

فستارمر الذي قاد حزب العمال في الانتخابات العامة في يوليو 2024 وإلى أغلبية ساحقة وغير مسبوقة، حاز بمقتضاها على أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان، ورغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهها، فإنه نجح في تخفيض عدد المهاجرين غير النظاميين، وعمل على حماية الطبقات الاجتماعية الضعيفة، واتخذ مواقف دولية في مجملها متوازنة، بما في ذلك الاعتراف بالدولة الفلسطينية (رغم الموقف السيئ في دعم حكومة نتنياهو في عدوانها على قطاع غزة)، ورفض الحرب على إيران.

بيد أن ستارمر بسبب الأزمة العامة المستحكمة التي تعاني منها بلاده، لا سيما منذ مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي في 2016، وعدم تمتعه بشخصية قيادية قوية وزعامة مطلوبة في لحظة الأزمات الكبرى، تحوّل بسرعة من صانع الانتصارات إلى حالة من خيبة أمل مستحكمة، دفعت رفاقه في قيادة حزب العمال إلى مطالبته بالتنحي والاستقالة. وإفساح المجال أمام الحزب لاختيار زعيم جديد.

ورغم الرهانات الشخصية الحاضرة دوماً في العملية السياسية، فإن حزب العمال وصل إلى قناعة بأن إنقاذ مكاسب الفوز التاريخي الذي حققه قبل عامين في الانتخابات العامة، والأغلبية المطلقة التي يحوز عليها في البرلمان الحالي، تستجوب أولاً عدم تبديدها، وثانياً تحويلها إلى إنجازات تستجيب لمطالب الرأي العام والناخب البريطاني الذي صوت للحزب بكثافة في 2024.

وخلص الحزب إلى أن ستارمر رغم ما حققه، لا يبدو قادراً على الاستثمار في ذلك الفوز التاريخي الذي حققه، ولا في وجوده في الحكومة، وأنه يفتقد إلى الزعامة الحقيقية في الخطابة والتواصل، ما جعل ما تحققه الحكومة مطموساً وغير معلوم لدى الرأي العام، كما أن الكثير من سياساته محتشمة وغير جريئة بما فيه الكفاية رغم الأغلبية التي يحوزها.

هذه الخلاصة جعلت مؤسسات الحزب، لا سيما كتلته البرلمانية، تتحرّك لاستبدال ستارمر، كسبيل لإنقاذ شعبية الحزب من التراجع، لا سيما بعد أن وصلت شعبية ستارمر إلى أدنى مستوى لها، وصنّفته استطلاعات الرأي باعتباره رئيس الحكومة الأقل شعبية في تاريخ رؤساء الحكومات البريطانية.

فبعد عامين من إنجازه التاريخي على المستوى الحزبي والوطني، فعّل حزب العمال آليات الديمقراطية، وديناميكية التداول والتجدد، لتغيير زعيمه الذي تحوّل فجأة من منقذ للحزب إلى عقبة في وجهه. تقاليد ديمقراطية لافتة، تفعّل فتعلو المؤسسات على الأشخاص، ويتقدم الحزب على الزعيم، وتصبح الاستحقاقات الوطنية أولى من الحسابات الحزبية.

ففي كل مرة تلوح أفق أزمة تتطلق ديناميكية المحاسبة، وتفعّل آليات التجديد والتداول السلمي والديمقراطي، لإنقاذ الديمقراطية نفسها، وبآلياتها وميكانيزماتها تصحّح أزمتها ومأزقها، فإن أتت بالشخص الخطأ تغيره، وإن جاءت بالحزب الغلط تطيح به، وإن جاءت بالسياسات الخطأ تتراجع عنها وتعيد إنتاج سياسات جديدة. ويحصل كل ذلك ضمن إرث ديمقراطي، ليس ملائكياً ولا طهورياً، ولكنه الأقل شروراً في الصراع على السلطة وإدارتها.

إنها الديمقراطية تعيد تصحيح نفسها..فهي تضعف وهي تضمر، ولكنها تتجدد وتستعيد ألقها بتفعيل ميكازماتها الأساسية، تقييماً ومحاسبةً ووثبةً جديدة إلى الأمام.


 

اترك تعليقا