العرب في بريطانيا | لعنة بريكست.. لماذا يسقط رؤساء وزراء بريطانيا و...

تحليل: لعنة بريكست.. لماذا يبتلع كرسي داونينغ ستريت كل من يجلس عليه؟

تحليل: لعنة بريكست.. لماذا يبتلع كرسي داونينغ ستريت كل من يجلس عليه؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

أخيرًا، استسلم كير ستارمر وأعلن استقالته.

الرجل الذي ظل يرفض الاعتراف بحجم العاصفة، ويكرر أنه سيقاتل للبقاء في منصبه، وجد نفسه أمام الحقيقة نفسها التي واجهت من سبقوه: كرسي رئاسة الوزراء في بريطانيا لم يعد كرسيًا مستقرًا منذ بريكست.

دخلت بريطانيا استفتاء 2016 بحثًا عن استعادة السيطرة.

لكنها لم تستطع، بعد عقد تقريبًا، الخروج من بريكست سياسيًا أو اقتصاديًا.

منذ ذلك الحين، أصابت “اللعنة” رؤساء الوزراء واحدًا بعد آخر:

ديفيد كاميرون سقط مع نتيجة الاستفتاء.

تيريزا ماي أُنهكت في محاولة تنفيذ خروج لا يرضي أحدًا.

بوريس جونسون وعد بإنجاز بريكست، ثم ابتلعته الفوضى التي ساعد في صناعتها.

ليز تراس حاولت تقديم قطيعة اقتصادية كبرى، فسقطت في أسابيع.

ريشي سوناك ورث حزبًا منهكًا ودولة غاضبة.

ثم جاء كير ستارمر بوعد مختلف: إدارة هادئة، وكفاءة، وعودة إلى الاستقرار.

لكن الاستقرار لم يعد سهلًا في بلد لم يغادر فعليًا لحظة بريكست.

Seven moments over 14 years that destroyed the Conservative government - Yahoo News UK

واليوم، مع إعلان ستارمر استقالته ووضع جدول زمني لمغادرة السلطة في سبتمبر/أيلول المقبل، تبدو القصة أكبر من مجرد زعيم فشل في الاحتفاظ بدعم حزبه. إنها قصة نظام سياسي لم يستعد توازنه منذ استفتاء بريكست.

بريكست لم ينتهِ

من الناحية القانونية، خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

لكن من الناحية السياسية، لا تزال تعيش داخله، ليس داخل مؤسساته، بل داخل تداعياته.

فمكتب مسؤولية الميزانية البريطاني افترض منذ استفتاء 2016 أن حجم الواردات والصادرات سيكون، على المدى الطويل، أقل بنحو 15 في المئة مما كان سيحدث لو بقيت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، وأن ذلك سيخفض الإنتاجية المحتملة للاقتصاد بنحو 4 في المئة.

وتذهب دراسة أحدث لنيكولاس بلوم وآخرين في 2025 إلى تقدير أثر أكبر، إذ ترى أن الناتج المحلي الإجمالي أصبح أقل بنحو 6 إلى 8 في المئة مقارنة بسيناريو البقاء.

هذه ليست أرقامًا تقنية باردة. إنها تعني ضغطًا مستمرًا على الوظائف، والنمو، والقدرة المالية للدولة.

وفي بلد يعاني أصلًا من خدمات عامة مضغوطة، وديون مرتفعة، ونمو إنتاجية ضعيف منذ عقود، تتحول كل نقطة مفقودة إلى سؤال سياسي حاد: من سيدفع الثمن؟

ولهذا لم ينتهِ بريكست يوم خرجت بريطانيا رسميًا من الاتحاد الأوروبي.

لقد تحول إلى رمال متحركة تتحرك تحت أقدام كل حكومة تأتي بعدها.

وعد السيطرة الذي انقلب على أصحابه

AORA | Insights & News
انخفض صافي الهجرة لكن ظلت الهجرة قضية خلافية تشعل الغضب البريطاني.

كان شعار بريكست الأساسي هو “استعادة السيطرة”.

لكن المفارقة أن ما بعد بريكست بدا، بالنسبة لكثير من الناخبين، كأنه فقدان مستمر للسيطرة.

السيطرة على الحدود لم تتحقق بالطريقة التي وُعدوا بها.

صحيح أن صافي الهجرة انخفض إلى 171 ألفًا في 2025، بعد ذروة بلغت 944 ألفًا في العام المنتهي في مارس/آذار 2023، لكن الهجرة ظلت قضية مشتعلة، وتحولت إلى رمز لغضب أوسع من الدولة، والنخب، والحدود.

والسيطرة على الاقتصاد لم تكن أسهل.

فالتضخم، الذي بلغ ذروته عند 11.1 في المئة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ظل عند 2.8 في المئة في مايو/أيار 2026، أي أعلى من هدف بنك إنجلترا البالغ 2 في المئة. وبالنسبة للأسر، لا يعني انخفاض التضخم أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه، بل يعني فقط أنها ترتفع بوتيرة أبطأ.

وفي أبريل/نيسان 2026، قال 79 في المئة من البالغين في بريطانيا إن كلفة معيشتهم زادت مقارنة بالشهر السابق، قبل أن تنخفض النسبة إلى نحو 66 في المئة في مايو/أيار. أما الأجور الحقيقية، فكانت تنمو بنحو 1 في المئة فقط، بما لا يكفي لإزالة شعور الأسر بأن التحسن بطيء.

والخدمات العامة بقيت تحت الضغط الشديد. فقوائم الانتظار في هيئة الخدمة الصحية الوطنية (NHS) تدور حول 7.1 مليون حالة، مع بقاء هدف العلاج خلال 18 أسبوعًا بعيدًا عن التحقق الكامل منذ سنوات.

Realistic UK Hospital Waiting Room | AI Art Generator | Easy-Peasy.AI
زيادة قوائم الانتظار في NHS

وهكذا وجد الناخب نفسه أمام مفارقة قاسية:

بريكست وعده بدولة أقوى.

لكنه رأى دولة أكثر توترًا، وأقل قدرة على تنفيذ وعودها الكبرى.

هذا لا يعني أن الاقتصاد البريطاني انهار كما توقع بعض المتشائمين، ولا أن بريكست وحده يفسر كل أزمات البلاد. فقد بقيت لبريطانيا هوامش حركة تنظيمية وتجارية خارج الاتحاد الأوروبي. لكن المشكلة أن هذه الهوامش لم تتحول، حتى الآن، إلى شعور عام بالسيطرة أو الازدهار.

لماذا وصل الغضب إلى ستارمر؟

لم يكن ستارمر صانع بريكست.

لكنه ورث نتائجه.

وهنا تكمن مأساته السياسية.

فقد جاء إلى الحكم بوعد بسيط: لا دراما.

بعد سنوات من جونسون، وتراس، وسوناك، بدا الوعد بالهدوء كافيًا. لكن السياسة لا تكافئ الهدوء وحده عندما تكون البلاد في عين العاصفة.

الناخب لم يكن يريد فقط رئيس وزراء أقل فوضوية.

كان يريد نموًا، وخدمات تعمل، وانخفاضًا في كلفة المعيشة، وإحساسًا بأن الدولة استعادت قدرتها على الفعل.

غضب الناخبين من ستارمر لم يكن لأنه صنع الأزمة، بل لأنه وعد بإنهاء الإحساس بها، ثم بدا كأنه يديرها لا يتجاوزها.

ففي استطلاعات الرأي، تقدم ريفورم يوكيه في بعض الأحيان، وظهرت قياسات تمنحه نحو 27 في المئة مقابل نحو 18 في المئة فقط لحزب العمال. كما أظهرت قياسات أخرى أن شعبية ستارمر الشخصية هبطت إلى مستويات قاسية، بينما بدا آندي بيرنام، في نظر قطاعات من الناخبين والعماليين، وجهًا أكثر قدرة على إنقاذ الحزب.

Nigel Farage and Suella Braverman Hold Campaign Rally On The Isle of Wight
تصدر حزب ريفورم يو كيه اليميني الشعبوي استطلاعات الرأي.

هذا هو جوهر الغضب من ستارمر.

لم يكن فقط أنه فشل في إلهام الناس.

بل إنه جاء ليغلق مرحلة الفوضى، ثم بدا هو نفسه عالقًا داخل الفوضى التي وعد بإنهائها.

من اليمين إلى اليسار

لهذا لا تبدو لعنة بريكست لعنة على المحافظين وحدهم.

المحافظون دفعوا ثمن الوعد.

والعمال يدفعون الآن ثمن الإدارة.

فاليمين الشعبوي، ممثلًا في ريفورم يوكيه ونايجل فاراج، لا يزال يتغذى على الشعور نفسه الذي صنع بريكست: الحدود، والهوية، والغضب من النخب، والحنين إلى دولة أكثر سيطرة على مصيرها.

أما حزب العمال، فوجد نفسه مضطرًا إلى إدارة دولة أنهكها هذا الغضب، دون أن يمتلك لغة مقنعة للحديث عنه.

لم يستطع ستارمر أن يقول إن بريكست جزء من الأزمة، حتى لا يبدو كأنه يعيد فتح جرح قديم.

ولم يستطع، في الوقت نفسه، أن يتجاهل آثار هذا الجرح، لأنها تظهر في الاقتصاد، والهجرة، والخدمات، والعلاقة مع أوروبا.

بيرنام والكرسي نفسه

Why isn’t Andy Burnham’s GMCA answering questions about Sacha Lord?
أندي بيرنام.

قد يصل آندي بيرنام إلى داونينغ ستريت في الخريف.

وقد يبدو، في لحظته الأولى، أكثر حيوية وقربًا من الناس من ستارمر.

لكن السؤال الحقيقي: هل يستطيع هو نفسه النجاة من الكرسي الذي أسقط من سبقوه؟

فالرئيس الجديد سيواجه الملفات نفسها: اقتصاد بطيء، وغضب من الهجرة، وخدمات عامة مضغوطة، وعلاقة معقدة مع أوروبا، وحزب يخشى حزب ريفورم حتى أكثر مما يخشى المحافظين.

قد يتغير الاسم على الباب.

لكن اللعنة لن تنتهي بتغيير ساكن مقر الحكومة في 10 داونينغ ستريت.

بريكست لم يغادر بعد

ربما لهذا تبدو اللحظة أكبر من استقالة ستارمر. إنها فصل جديد في قصة بدأت عام 2016 ولم تنتهِ.

قصة بلد قرر الخروج من أوروبا، لكنه لم يقرر بعد ماذا يريد أن يكون بعدها.

وقصة طبقة سياسية وعدت بالسيطرة، ثم اكتشفت أن السيطرة أصعب بكثير من الشعار، وأن المشكلات البريطانية أعمق من بريكست وحده.

ولهذا، فإن رحيل ستارمر لن يكون مجرد مغادرة رئيس وزراء آخر.

سيكون دليلًا على أن بريطانيا ما بعد بريكست لا تزال تبحث عن أرض ثابتة.

فاللعنة لم تكن أن بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي.

بل أنها خرجت من نظام قديم دون أن تبني بعد نظامًا جديدًا قادرًا على حملها.

ومنذ ذلك اليوم، كل من يجلس على كرسي داونينغ ستريت يكتشف الحقيقة نفسها:

المقعد ليس ثابتًا.

والبلد لم يتعافَ بعد.

وبريكست، سياسيًا على الأقل، لم ينتهِ.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا