الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.. بين الحلم الاقتصادي وفاتورة المونديال الباهظة
مع انطلاق كأس العالم 2026 من العاصمة المكسيكية، دخلت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مرحلة اختبار اقتصادي وسياسي غير مسبوق. فالبطولة التي تضم 48 منتخبًا و104 مباريات ليست مجرد حدث رياضي، بل مشروع اقتصادي عملاق تتجاوز رهاناته الملاعب إلى قطاعات السياحة والنقل والاستثمار والعقارات والتوظيف.
وتقدّر دراسات اقتصادية حديثة أن البطولة قد تولّد أكثر من 80 مليار دولار من النشاط الاقتصادي العالمي، مع مساهمة مباشرة في الناتج العالمي تتجاوز 41 مليار دولار، ما يجعلها النسخة الأكبر والأكثر تكلفة وتأثيرًا في تاريخ كأس العالم.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة مع انطلاق المنافسات: هل ستكون البطولة مصدر أرباح حقيقية للدول المستضيفة، أم أنها ستكرر الجدل الذي صاحب نسخًا سابقة حول تضخم التكاليف ومحدودية العوائد طويلة الأجل؟
افتتاح مكسيكي مبهر.. واحتجاجات في الخارج

نجحت المكسيك في تقديم حفل افتتاح حظي بمتابعة عالمية واسعة في ملعب أزتيكا التاريخي، مع عروض فنية وثقافية ضخمة شارك فيها نجوم عالميون، في مشهد أعاد التأكيد على مكانة المكسيك الكروية والتاريخية.
غير أن الصورة لم تكن مثالية بالكامل.
فبالتزامن مع الاحتفالات شهد محيط الملعب احتجاجات وأعمال شغب محدودة واشتباكات مع الشرطة، كما تصاعدت انتقادات منظمات اجتماعية ونقابات معلمين اتهمت السلطات بإعطاء الأولوية لصورة البلاد الدولية على حساب ملفات داخلية، مثل الأجور والتعليم وقضية المفقودين.
كما أثارت أسعار التذاكر المرتفعة موجة استياء لدى قطاعات من الجماهير المكسيكية التي اعتبرت أن الحدث أصبح موجهًا للسياح والأثرياء أكثر من المشجع المحلي.
الولايات المتحدة.. المستفيد الأكبر بلا منازع
اقتصاديًا، تبدو الولايات المتحدة الرابح الأكبر في المعادلة.
فهي تستضيف 78 مباراة من أصل 104 مباريات، بما في ذلك المباراة النهائية، كما تمتلك أصلًا بنية تحتية رياضية وسياحية متطورة تقلل الحاجة إلى إنفاق رأسمالي ضخم مقارنة بما حدث في بطولات سابقة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الاقتصاد الأمريكي قد يستفيد من نشاط إضافي يناهز 17 مليار دولار، يتركز بصورة أساسية في:
- الفنادق والإقامة.
- النقل الجوي والبري.
- المطاعم والخدمات.
- التجارة والترفيه.
- الإعلانات وحقوق البث والرعاية.
لكن المفارقة أن التأثير على الاقتصاد الأمريكي الكلي سيظل محدودًا نسبيًا بسبب ضخامة الاقتصاد الأمريكي نفسه، إذ يتوقع خبراء أن يبقى الأثر أقل من 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
أبرز الانتقادات الأمريكية
رغم المكاسب المتوقعة، واجهت الولايات المتحدة انتقادات تتعلق بـ:
- ارتفاع أسعار التذاكر إلى مستويات قياسية.
- تعقيدات التأشيرات والهجرة لبعض الجماهير والوفود.
- مخاوف لوجستية مرتبطة بالتنقل بين المدن المستضيفة المتباعدة جغرافيًا.
- اتهامات لـFIFA بالمبالغة في التسعير التجاري للبطولة.
كندا.. مكاسب جيدة مقابل فاتورة سياسية مرتفعة
بالنسبة لكندا، فإن حجم البطولة أصغر بكثير مقارنة بالولايات المتحدة، إذ تستضيف تورونتو وفانكوفر 13 مباراة فقط.
ومع ذلك تشير دراسة أعدتها Deloitte لصالح FIFA إلى إمكانية تحقيق:
- 3.8 مليار دولار كندي من الناتج الاقتصادي.
- نحو 2 مليار دولار كندي مساهمة في الناتج المحلي.
- أكثر من 24 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
- نحو 700 مليون دولار كندي من الإيرادات الحكومية.
لكن الجدل الكندي يختلف عن نظيريه الأمريكي والمكسيكي.
فالمعارضة الرئيسية تركز على حجم الإنفاق العام الذي تتحمله الحكومات المحلية مقارنة بعدد المباريات المستضافة، وهو ما دفع بعض استطلاعات الرأي إلى إظهار انقسام شعبي حول جدوى الاستضافة.
وفي أول اختبار تنظيمي، اضطرت تورونتو إلى إلغاء إحدى فعاليات المشجعين بسبب مخاطر الطقس والعواصف الرعدية، الأمر الذي أثار انتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن الجاهزية التشغيلية للفعاليات الجماهيرية.
المكسيك.. ربما تحقق أفضل عائد مقابل التكلفة
يرى عدد من المحللين أن المكسيك قد تحقق أفضل نسبة بين المكاسب والتكاليف بين الدول الثلاث.
فوفق تقديرات اقتصادية حديثة يمكن أن يصل الأثر الاقتصادي للبطولة إلى ما بين 2.25 و4 مليارات دولار، مع أكثر من 112 ألف فرصة عمل مؤقتة وإضافة تقارب 0.14% إلى الناتج المحلي الإجمالي.
وتستفيد المكسيك من عدة عوامل:
- انخفاض تكاليف التشغيل مقارنة بالولايات المتحدة.
- الجاذبية السياحية المرتفعة.
- البنية التحتية الموجودة مسبقًا في المدن المستضيفة.
- تدفقات الزوار من أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية.
إلا أن التحدي الأكبر يبقى في قدرة الحكومة على منع الاحتجاجات الاجتماعية من التأثير على صورة البطولة خلال الأسابيع المقبلة.
من الرابح الأكبر؟

إذا جرى تقييم البطولة وفق حجم الإيرادات المطلقة فإن الترتيب المتوقع هو:
- الولايات المتحدة.
- المكسيك.
- كندا.
أما إذا كان المعيار هو العائد مقارنة بحجم الإنفاق والاستثمار، فقد تكون المكسيك هي المستفيد النسبي الأكبر، بينما تبدو الولايات المتحدة الأكثر استفادة تجاريًا وإعلاميًا، في حين تواجه كندا أكبر تحدٍ في إقناع الرأي العام بأن العوائد ستبرر النفقات الحكومية.
حتى الآن نجحت المكسيك في إطلاق أكبر كأس عالم في التاريخ وسط زخم جماهيري وإعلامي عالمي، لكن خلف الاحتفالات تبرز أسئلة صعبة حول الكلفة الحقيقية للبطولة، وارتفاع أسعار التذاكر، والاحتجاجات الاجتماعية، ومستوى استفادة السكان المحليين من مليارات الدولارات المتوقعة.
ومع استعداد كندا والولايات المتحدة اليوم لتنظيم احتفالات الافتتاح الخاصة بهما، ستبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت نسخة 2026 ستُسجل كنموذج ناجح للشراكة الاقتصادية بين ثلاث دول، أم كمثال جديد على الفجوة بين الوعود الاقتصادية الضخمة والنتائج الفعلية على الأرض.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇