حكمة تعلمتها وقد أتممت عامي الثاني والخمسين
حين بلغتُ عامي الثاني والخمسين، لم أشعر أنني كبرتُ بقدر ما شعرتُ أنني انكشفتُ أمام نفسي أكثر. كأن الأعوام الطويلة لم تكن سوى مرايا متتابعة، وفي كل مرآة كنت أرى وجهًا جديدًا للحياة، ووجهًا أكثر هدوءًا لي.
أدركتُ أن الإنسان لا ينضج بكثرة ما يربح، بل بكثرة ما يفقد، ولا يتعلّم من الأيام السهلة بقدر ما يتعلّم من الليالي التي نام فيها مثقل القلب، متعب الروح، وهو يحاول أن يبدو بخير.
تعلمتُ، بعد كل هذه الرحلة، ألا أكون قاسيًا… ولو دفعتني الحياة دفعًا إلى القسوة. فالحياة، حين تكثر خيباتها، تحاول أن تُحوّل القلب إلى حجر، وأن تُقنع الإنسان بأن النجاة لا تكون إلا بالتبلّد، وأن الرقة ضعف، وأن التسامح هزيمة. لكنني اكتشفت، متأخرًا ربما، أن أكثر الناس تعبًا هم أولئك الذين ظنوا أن القسوة تحميهم.
القلب الذي يعتاد الخشونة يفقد شيئًا من إنسانيته كل يوم، حتى يصبح قادرًا على إيذاء الآخرين دون أن يرتجف فيه شعور، ودون أن يؤلمه حزن أحد بسببه. وما أقسى أن ينتصر المرء في معاركه كلها، ثم يكتشف أنه خسر نفسه في الطريق.
نعم، استوعبت أن أكون صلبًا حين يستدعي الموقف صلابة، وأن أرفع رأسي حين يكون الصمت مذلّة، وأن أدافع عن حقي دون خوف؛ لكنني تعلمت أيضًا أن بين القوة والفظاظة شعرة لا يراها إلا أصحاب القلوب النبيلة، وأن الإنسان الحقيقي ليس من يعلو صوته، بل من يملك نفسه حين تغضب، ويحفظ أخلاقه حين تُستفز كرامته.
وقررت أن أتجاوز كثيرًا من الأشياء بصمت. ليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل خطأ يستحق المعركة. هناك نضج خفي يجعل الإنسان يختار راحته النفسية على انتصارات صغيرة لا تُضيف إلى عمره سوى مزيد من الضجيج. أدركتُ أن بعض الجدالات تُشبه المستنقعات؛ كلما اقتربتَ منها اتّسخت روحك أكثر، وأن الحكمة أحيانًا ليست في أن تقول كل ما تعرف، بل في أن تعرف ما الذي يستحق أن يُقال أصلًا.
ولهذا، صرتُ أتغافل كثيرًا… لا عن غباء، بل عن وعي. وأتسامح أحيانًا لا لأنني لا أرى، بل لأنني أرى أكثر مما ينبغي. فبعض الناس يكشفهم الزمن دون أن نبذل جهدًا في فضحهم، وبعض الأخطاء يكفي أن نتركها وحدها حتى تسقط بثقلها.
وأدركت أن أترك لبعض الناس وهم الانتصار، وأدعهم يظنون أنهم خدعوني، بينما كنتُ أختار الترفّع عن معارك صغيرة لا تستحق أن أخسر فيها سلامي الداخلي. فما عادت كرامتي مرتبطة بأن أربح كل مواجهة، ولا نضجي مرتبطًا بأن أكشف كل حقيقة. لقد فهمتُ أخيرًا أن البشر ناقصون، متعبون، وأن كل واحد منهم يحمل في داخله حربًا لا يراها أحد.
لكنني، رغم كل هذا اللين، لم أتعلم يومًا أن أتنازل عن مبادئي. فهناك فرق كبير بين الطيبة والضعف، وبين التسامح والانكسار. تعلّمت أن يكون قلبي لينًا، وموقفي ثابتًا. وأن تكون نفسي طيبة، أما كرامتي فعصيّة على الامتهان. فالشجاعة الحقيقية ليست في القسوة، بل في القدرة على الحفاظ على نقاء الروح وسط عالم يزداد خشونة كل يوم.
واليوم، بعد اثنين وخمسين عامًا من الأفراح العابرة، والخذلان الطويل، والوجوه التي تبدّلت، والقلوب التي غادرت، أيقنتُ أن الحياة القاسية لا تحتاج إلى مزيد من القسوة… بل تحتاج إلى قلوب تعرف كيف تبقى بيضاء رغم كل ما رأته، وكيف تمنح النور حتى وهي تمشي في العتمة.
وربما كانت هذه من أثمن الحقائق التي تعلّمتها:
أن تبقى إنسانًا… مهما حاولت الحياة أن تجعلك شيئًا آخر.
الرابط المختصر هنا ⬇