العرب في بريطانيا | الرهان الأمريكي الخائب في التحريض على مهاجري بر...

الرهان الأمريكي الخائب في التحريض على مهاجري بريطانيا وأوروبا

الرهان الأمريكي الخائب في التحريض على مهاجري بريطانيا وأوروبا
جلال الورغي يونيو 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

خطابات أمريكية متزامنة ومنسجمة صادرة عن وزراء في الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، كلها تحمل بشدة على الهجرة والمهاجرين في القارة الأوروبية. ففي خطاب صادم بمناسبة الذكرى الثانية والثمانين لإنزال قوات الحلفاء في نورماندي الفرنسية الذي مهّد لنهاية الحرب العالمية الثانية، قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، السبت الـ6 من حزيران/يونيو، في المقبرة العسكرية الأمريكية في منطقة نورماندي شمال غربي فرنسا: “للأسف، شواطئ أوروبية عديدة تتعرّض اليوم لاجتياح من أيديولوجيات خطرة”، مضيفًا بأن ” قوارب تصل ويأتي رجال إلى شواطئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وبلغاريا”، وتساءل هيغسيث: “متى ستتحرّك العواصم الأوروبية حيال هذا الغزو (في إشارة إلى المهاجرين)؟ أم أنّ الوقت قد فات؟”.

وتندرج تصريحات هيغسيث في سياق ترويج إدارة ترامب لسردية مفادها أنّ الهجرة المكثّفة تمثّل خطرًا على الحضارة الأوروبية. وتعتبر إدارة ترامب أن أوروبا لا تقوم بدورها من أجل ضمان أمن القارة. كما سبقت تصريحات وزير الحرب الأمريكي هيغسيث التي اعتبرها مراقبون وسياسيون إساءة لأرواح ضحايا الحرب العالمية الثانية، واستغلالًا لمناسبة لتمرير مواقف مثيرة للجدل تتعلق بالعداء للمهاجرين، سبقت هذه التصريحات بساعات تصريحات مماثلة من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الذي علق على جريمة مقتل شاب بريطاني في ديسمبر الماضي على يد شاب بريطاني سيخي من أصول هندية، وقال فيها إن الطريقة المروعة التي قُتل بها الشاب الأبيض هنري نواك هي نفسها التي تُقتل بها الحضارة الغربية، معتبرًا أن هنري نواك والحضارة الغربية يُقتلان بالطريقة المروعة نفسها وعلى يد المهاجرين وبسبب “الغزو” الذي تتعرض له بريطانيا وأوروبا.

وتبدو تصريحات ومواقف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الحرب هيغسيث، صدى واضحًا لمواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يفوّت فرصة إلا ويهاجم فيها المهاجرين في بريطانيا وأوروبا، محذرًا من أنهم يقوّضون الحضارة الغربية. وكثيرًا ما زعم ترامب أن العاصمة البريطانية لندن باتت تحت سيطرة المسلمين، وأن عمدة لندن المسلم صادق خان بصدد أسلمة العاصمة على حد زعمه، واصفًا إياه بالشخص السيِّئ والفاشل.

وينعطف هذا الموقف التحريضي الأمريكي الرسمي ضد الهجرة والمهاجرين في أوروبا على مواقف شخصيات أمريكية داعمة لترامب وسياساته على غرار الملياردير الشهير إيلون ماسك وشخصيات أخرى بارزة، وهؤلاء يدعمون بصراحة التيارات اليمينية في بريطانيا وأوروبا ويعتبرونها البديل القادم للحكومات الحالية، والمؤهلة الوحيدة لتبني سياسات هجرة صارمة، لا تتصدى فقط لدخول المهاجرين لأوروبا، وإنما أيضا ترحّل مئات الآلاف من المهاجرين الموجودين فيها.

ورغم الجهود الأوروبية لتبني مقاربة فعالة للحد من الهجرة غير النظامية ونجاحها في تقليص عدد الذين يدخلون بطرق غير نظامية لبلدان القارة، فإن إدارة ترامب تمارس انتقادات وضغوطات كبيرة على الأوروبيين لتبني مقاربات أكثر صرامة وقسوة ضد المهاجرين، ويشمل ذلك تبني حملة ترحيل كبيرة بلا هوادة ضد مئات الآلاف من المهاجرين، على غرار ما تفعله الإدارة الأمريكية الحالية وما تتخذه من إجراءات ترحيل واسعة، اعتبرتها محاكم أمريكية تجاوزًا للقانون وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان.

هذا وكان بابا الفاتيكان هاجم سياسات ترامب المناهضة للهجرة، منبهًا على لسان مدير الفاتيكان أنّ المهاجرين “بشر، ويجب أن تلامس قصصهم قلوبنا”، حسَب تعبيره.

سياسات إدارة ترامب المناهضة والمحرضة على المهاجرين، يتعامل معها القادة الأوربيون بتحفظ واضح. وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مقال له اختار أن ينشره في صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية وكأنه رسالة مباشرة لإدارة ترامب كتب: “تخيل أنك قائد دولة، وتواجه معضلة. يعيش في بلدك نحو نصف مليون شخص، وهم أساسيون في حياة الجميع اليومية. يعتنون بآبائهم المسنّين، ويعملون في شركات صغيرة وكبيرة، ويحصدون الطعام الذي يُقدّم على المائدة. وهم أيضًا جزء لا يتجزأ من مجتمعك (..) لكنْ ثمة أمرٌ جوهريٌّ يُميّز هؤلاء الأشخاص -الذين عددهم نصف مليون شخص- عن غيرهم في بلدك: فهم لا يملكون الوثائق القانونية التي تُجيز لهم الإقامة (..) ماذا نفعل بهؤلاء الناس؟ اختار بعض القادة ملاحقتهم وترحيلهم عبر عمليات غير قانونية وقاسية.

أما حكومتي فقد اختارت طريقًا مختلفًا: مسارًا سريعًا وبسيطًا لتسوية أوضاعهم القانونية”. ثم يضيف “لقد فعلنا ذلك لسببين. أولهما وأهمهما سبب أخلاقي. كانت إسبانيا في الماضي أمّة مهاجرين. هاجر أجدادنا وآباؤنا وأبناؤنا إلى أمريكا وأماكن أخرى في أوروبا بحثًا عن مستقبل أفضل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبعد الأزمة المالية عام 2008. والآن، انقلبت الموازين. اقتصادنا مزدهر، والأجانب يتدفقون إلى إسبانيا. من واجبنا أن نصبح المجتمع المضياف والمتسامح الذي كان أقاربنا يأملون أن يجدوه على الجانب الآخر من حدودنا”. والسبب الثاني الذي دفعنا إلى الالتزام بتقنين أوضاع المهاجرين هو سبب عملي بحت. فالغرب بحاجة إلى البشر. حاليًا، لا تشهد إلا قلة من دوله نموًا سكانيًا متزايدًا. وما لم تتقبّل هذه الدول الهجرة، فإنها ستشهد انخفاضًا ديموغرافيًا حادًا سيحول دون استدامة اقتصاداتها وخدماتها العامة.

وسيؤدّي ذلك إلى ركود الناتج المحلي الإجمالي، وتضرّر أنظمة الرعاية الصحية العامة والمعاشات التقاعدية.”ثم يضيف “لقد حان الوقت كي يتحدث القادة بوضوح إلى مواطنيهم بشأن المعضلة التي نواجهها جميعًا. نحن -بوصفنا دولًا غربية- مُطالبون بالاختيار بين أن نصبح مجتمعات مُنغلقة وفقيرة، أو مجتمعات مُنفتحة ومزدهرة. النمو أو التراجع: هذان هما الخياران المُتاحان أمامنا. ولا أقصد بالنمو هنا المكاسب المادية فحسب، بل تطوّرنا الروحي أيضا”.

المؤكد اليوم أن الخطاب التحريضي للإدارة الأمريكية ضد الهجرة والمهاجرين، بقدر ما يغذي اليمين المتطرف، ويشيع حالة مفتعلة من الخوف والقلق لدى قطاعات من الأوربيين، فإن الأطراف المتعقلة في الفضاء الأوروبي، تدرك أكثر من أي وقت مضى، أن قوة بلدانها تكمن في مدى القدرة على مواكبة التحولات الداخلية والخارجية والتكيف معها، والاحتفاء بالتنوع والتعدد الثقافي في إطار وحدة مجتمعية، تتماسك بالتضامن بين مختلف مكوناتها، وفي قطيعة مع خطابات العنصرية والهُويات القاتلة، التي تروّج لها الشعبويات اليمينية.


 

اترك تعليقا