بريطانيا وحلفاؤها يفرضون عقوبات على شركات تدعم عنف المستوطنين في الضفة الغربية
أعلنت بريطانيا، بالتحالف مع مجموعة من القوى الغربية تضم فرنسا والنرويج، فرض عقوبات على ست شركات وفرد واحد؛ لضلوعهم في تمكين وتمويل التصاعد الأخير في عنف المستوطنين بالضفة الغربية المحتلة.
ومع ذلك، خيبت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، آمال العديد من النواب في حزب العمال، بعدما أحجمت عن فرض حظر تجاري كامل، مقتصرةً على إصدار توجيهات محدثة للشركات البريطانية تنصحها بعدم الانخراط في أي نشاط اقتصادي داخل المستوطنات غير القانونية.
وأبلغت كوبر أعضاء مجلس النواب أنه من الصعب عمليًّا صياغة حظر تجاري قابل للتنفيذ، مؤكدة في الوقت ذاته أن الحكومة ستواصل دراسة هذا الملف بالتعاون مع شركائها الدوليين.
وكان أكثر من 130 نائبًا من حزب العمال -ويشمل ذلك جميع رؤساء اللجان البرلمانية المختارة (Select Committees) التابعة للحزب- قد طالبوا بفرض حظر تام على التجارة مع المستوطنات، معتبرين أن هذا الإجراء ضروري لتنفيذ القرارات والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية عام 2024.
وفي مواجهة حادة داخل البرلمان، وجّهت إميلي ثورنبيري، رئيسة اللجنة المختارة للشؤون الخارجية، حديثها إلى كوبر قائلة: “إن الحقيقة المرة هي أن الشركات البريطانية تموّل عمليات الضم استيطانًا تلو الآخر”، معربة عن مخاوفها من أن الحكومة “باتت تواجه خطر اتخاذ قليل من الإجراءات بعد فوات الأوان”.
إرشادات بلا عقوبات

وتنص التوجيهات الأخيرة صراحة على تقديم النصح للشركات البريطانية بعدم ممارسة أي أنشطة اقتصادية أو مالية في المستوطنات غير القانونية المقامة على الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بيد أنها لا ترقى إلى مستوى الحظر الفعلي، ولا تفرض أي عقوبات في حال عدم الامتثال لها. كما لم تتجه الحكومة إلى تشديد إرشاداتها الحالية المتعلقة بضرورة وضع ملصقات واضحة توضح منشأ المنتجات المصنوعة في تلك المستوطنات.
يُذكر أنه منذ عام 2005، لا تحظى المنتجات المصنعة في المستوطنات الإسرائيلية بأي إعفاءات أو معاملة تفضيلية للمستحقات الجمركية عند دخولها إلى الأسواق البريطانية.
وجاء في نص الإرشادات الجديدة الموجهة للشركات: “ينبغي للشركات عدم الانخراط في أنشطة اقتصادية ومالية في المستوطنات الإسرائيلية”. وحذرت الإرشادات من أن هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، مشيرة إلى أن النشاط الاقتصادي فيها قد يتسبب في أضرار تلحق بالسمعة التجارية، فضلًا عن ارتداداته على “الملكيات المتنازع عليها للأراضي، أو المياه، أو المعادن، أو الثروات الطبيعية الأخرى التي قد تكون محلًا للشراء أو الاستثمار”.
ورغم ذلك، واصلت التوجيهات البريطانية الموجهة لقطاع الأعمال الإشادة بالتجارة مع إسرائيل داخل حدود عام 1967 (الخط الأخضر)، حيث ورد فيها: “بفضل أدائها الاقتصادي القوي من حيث النمو، وانخفاض معدلات التضخم والبطالة، تشكل إسرائيل سوقًا جاذبة ومتنامية للشركات البريطانية”.
توسع استيطاني وخطط لتقسيم الضفة
يأتي هذا التحرك في وقت تزايدت فيه وتيرة عنف المستوطنين بشكل متسارع خلال الأشهر الأخيرة. كما طرحت إسرائيل مؤخرًا عطاءات لتطوير المشروع الاستيطاني المعروف باسم (E1)، وهو مخطط لبناء نحو 3500 وحدة سكنية للمستوطنين، يرى مراقبون أنه في حال تنفيذه سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها بالكامل.
وكانت بريطانيا قد فرضت بالفعل عقوبات على وزيرين إسرائيليين متطرفين، هما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، وهي خطوة لم يتخذها الاتحاد الأوروبي بعد؛ بسبب الانقسامات الداخلية بين أعضائه.
وقالت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر: “إن التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين غير قانونيين، ويشكلان تهديدًا جوهريًّا لفرص تحقيق حل الدولتين، وللأمن والسلام المستدامين للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. وتؤكد هذه الإجراءات أن بريطانيا تقود الجهود مع شركائها لاستهداف أولئك الذين يغذون هذا العنف”.
وأضافت: إن هذه الخطوات تأتي في سياق استمرار التوسع الاستيطاني غير القانوني، ويشمل ذلك مشروع (E1)، وتسجيل مستويات قياسية من عنف المستوطنين المتعمّد لتدمير منازل الفلسطينيين وسبل عيشهم في الضفة الغربية.
ملف المساعدات وإغلاق المعابر
وفي بيانها أمام النواب، دعت كوبر الحكومة الإسرائيلية أيضًا إلى فتح جميع المعابر وإزالة القيود التعسفية المفروضة على إيصال المساعدات الإنسانية والمعدات؛ لضمان وصول المساعدات البريطانية إلى كل من هم في أمسّ الحاجة إليها. وتأتي هذه الدعوة بعدما أغلقت السلطات الإسرائيلية جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة في الأيام القليلة الماضية، عقب ادعاءات الحكومة في تل أبيب بعدم وجود أي نقص في الاحتياجات الغذائية داخل القطاع.
وفي بيان مشترك، انضمت بريطانيا إلى أربع دول أخرى هي: أستراليا، وكندا، وفرنسا، والنرويج، جاء فيه: “لقد تمكن المستوطنون المتطرفون لفترة طويلة جدًا من الإفلات من العقاب، واستمر التوسع الاستيطاني وإنشاء البؤر العشوائية بدعم وتسهيل من الحكومة الإسرائيلية. وفي بعض الحالات، يمارس المستوطنون عنفهم تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية. إننا نواصل حث الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ إجراءات تضمن تحقيق مساءلة حقيقية وفعلية عن أعمال العنف في الضفة الغربية”.
وأضاف البيان المشترك: “نحن على استعداد لاتخاذ مزيد من الإجراءات إذا لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية خطوات عاجلة لمعالجة الوضع على الأرض”.
انتقادات حقوقية: “الحد الأدنى”
وتستهدف العقوبات البريطانية كيانات تجمع التبرعات لمصلحة المستوطنين، وتشمل: “اتحاد المزارع” (Farms Association)، و”أهفات غلعاد” (Ahavat Gilad)، و”آري يتسحاق” (Ari Yshag)، و”أرتسينو” (Artzenu)، و”إيال هاري يهودا” (Eyal Hari Yahuda). وسيعتمد الأثر العملي لهذه العقوبات على ما إذا كانت هذه الكيانات تمتلك أموالًا داخل بريطانيا أو تدير معاملات تجارية مع شركات بريطانية.
وقد وصفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” حزمة العقوبات هذه بأنها تمثل “الحد الأدنى” مما يجب فعله.
من جانبه انتقد مرصد الهيئة الخيرية البريطانية “كريستيان أيد” الموقف الحكومي بشدة، قائلًا: “إنه لأمر مثير للشفقة أن تكتفي الحكومة بـ’نصح’ الشركات البريطانية بعدم العمل في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية دون أن تترتب على ذلك عواقب حقيقية. يجب على الحكومة البريطانية حظر كل أشكال التجارة والاستثمار مع إسرائيل قبل أن تُمحى فلسطين بالكامل”.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇