العرب في بريطانيا | تحليل| القدرات العسكرية البريطانية تحت الصيانة

تحليل| القدرات العسكرية البريطانية تحت الصيانة

تحليل| القدرات العسكرية البريطانية تحت الصيانة
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في الوقت الذي تتحدث فيه بريطانيا عن زيادة الإنفاق العسكري، والاستعداد لتهديدات متصاعدة، وتعزيز جاهزية قواتها المسلحة، تكشف الأخبار القادمة من داخل المؤسسة الدفاعية صورة أكثر تعقيدًا.

فحاملة الطائرات البريطانية “إتش إم إس برنس أوف ويلز” اضطرت إلى التوقف مجددًا لإجراء إصلاحات، بينما كشفت تقارير صحفية أن الغواصات الهجومية الخمس من فئة “أستيوت” تخضع جميعها لأعمال صيانة أو إصلاح في الوقت نفسه.

Royal Navy's HMS Prince of Wales Showcasing its Incredible Capabilities in the Middle of the Sea
إتش إم إس برنس أوف ويلز. (يوتيوب)

في الظاهر قد تبدو هذه مجرد مشكلات فنية عادية تصيب أي جيش حديث. لكن تزامنها مع النقاش المتصاعد حول التهديد الروسي، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتراجع اليقين الأوروبي بشأن مستقبل المظلة الأمنية الأمريكية، يطرح سؤالًا أكبر: هل المشكلة في حجم الإنفاق العسكري، أم في عقود طويلة افترضت خلالها أوروبا أن الحرب الكبرى أصبحت جزءًا من الماضي، وأن الضمانة الأمريكية باقية إلى الأبد؟

نهاية عصر الاطمئنان

NATO Allies celebrate Alliance’s 75th anniversary year | NATO 75th Anniversary
عسكريون يرفعون علم الناتو في الذكرى ال 75 لتأسيس الحلف الدفاعي.

بعد انتهاء الحرب الباردة، بنت معظم الدول الأوروبية سياساتها الدفاعية على افتراضين كبيرين. الأول أن خطر الحرب الشاملة على الأراضي الأوروبية أصبح احتمالًا بعيدًا. والثاني أن غطاء الناتو الدفاعي بقيادة الولايات المتحدة أصبح قويًا بما يكفي لردع أي تهديد استراتيجي محتمل.

وبناء على هذين الافتراضين، أعادت الجيوش الأوروبية ترتيب أولوياتها. فلم يعد الهدف الرئيسي الاستعداد لمواجهة قوة عسكرية مكافئة، بل إدارة أزمات محدودة، والمشاركة في عمليات خارجية، وخوض حروب لا متماثلة لمكافحة الإرهاب والتمرد في أراضٍ بعيدة، من أفغانستان إلى الشرق الأوسط وإفريقيا.

ولهذا تراجعت أولوية الجاهزية العسكرية الثقيلة، وتقلصت بعض القدرات الصناعية والدفاعية، وتحول اهتمام الرأي العام تدريجيًا نحو قضايا الضرائب والخدمات العامة والرعاية الصحية ومستويات المعيشة.

لكن السنوات الأخيرة حملت معها خبرًا سيئًا لأوروبا: الافتراضان اللذان قامت عليهما هذه المرحلة بدآ في الانهيار معًا.

الحرب عادت من الخاصرة الرخوة

UKRAINE-RUSSIA-CONFLICT-WAR
الحرب في أوكرانيا. (YASUYOSHI CHIBA / AFP)

عادت الحرب إلى أوروبا من خاصرتها الرخوة في الشرق.

فمع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، عادت إلى القارة مفردات ظن كثيرون أنها أصبحت جزءًا من كتب التاريخ: الردع، والتعبئة، والصناعة العسكرية، والمخزونات الاستراتيجية، والاستعداد لحرب طويلة.

وفجأة بدأت الحكومات الأوروبية تتحدث عن إعادة التسلح، ورفع الإنفاق العسكري، وتعزيز القدرات الدفاعية.

وفي بريطانيا أعلنت حكومة كير ستارمر رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي بحلول عام 2027، مع طموح للوصول إلى 3% لاحقًا، ووصفت هذه الزيادة بأنها الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة. كما تحدثت مراجعة الدفاع الاستراتيجية الجديدة عن ضرورة الانتقال إلى “الجاهزية القتالية” وإعادة بناء قدرات تآكلت خلال عقود من خفض الأولويات الدفاعية والانشغال بتهديدات أقل كلفة وأقل خطورة.

كما حذر رؤساء الأركان البريطانيون المتعاقبون، وآخرهم السير ريتشارد نايتون، من أن البيئة الأمنية التي تواجهها بريطانيا وأوروبا أصبحت الأخطر منذ أجيال، في وقت تتحدث فيه المؤسسات الدفاعية البريطانية بشكل متزايد عن ضرورة الاستعداد لصراع طويل الأمد مع خصوم يمتلكون قدرات عسكرية متطورة.

PA Wire Sir Richard Knighten speaks at a podium. He is wearing military uniform
رئيس الأركان البريطاني، ريتشارد نايتون، يحذر من أن البيئة الأمنية التي تواجهها بريطانيا وأوروبا أصبحت الأخطر منذ أجيال. (بي بي سي).

لكن هنا ظهرت المشكلة.

فإعادة بناء القدرات العسكرية لا تشبه إصدار قرار سياسي أو تمرير موازنة جديدة.

السفن الحربية والغواصات والصواريخ الدفاعية والطائرات الهجومية وسلاسل الإنتاج الدفاعي وتدريب الكوادر العسكرية تحتاج سنوات.

أما التهديدات فلا تنتظر الانتهاء من الصيانة.

فالحرب عادت إلى أوروبا في سنوات قليلة، بينما تحتاج إعادة بناء القوة العسكرية إلى عقد كامل أو أكثر.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا حين تكشف التقارير أن جميع الغواصات الهجومية البريطانية من فئة “أستيوت” كانت موجودة في أحواض الصيانة أو الإصلاح في الوقت نفسه، بينما تتحدث لندن عن مواجهة تهديدات متزايدة في شمال الأطلسي وبحر الشمال.

واشنطن تغيّر الحسابات

لكن روسيا ليست وحدها ما يدفع أوروبا إلى إعادة النظر في أولوياتها الدفاعية.

ففي الخلفية، يتصاعد قلق أوروبي متزايد من التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.

طرحت الترامبية، كحركة لا كشخص، الأسئلة التي ظلت محرمة لعقود: لماذا تتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من كلفة الدفاع عن أوروبا؟ ولماذا تستمر واشنطن في تحمل أعباء أمنية ضخمة بينما تركز القوى الأوروبية على أولويات داخلية أخرى؟

Statements | NATO Transcript
الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى يجتمع مع الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في غرفة مجلس الوزراء بالبيت الأبيض في 17 مايو 2018

لكن الأمر لا يتعلق بالمال فقط.

فخلال السنوات الأخيرة لم يقتصر الخلاف بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين على حجم الإنفاق الدفاعي، بل امتد إلى طبيعة التهديدات نفسها وأولويات السياسة الخارجية. ففي الوقت الذي تنظر فيه قطاعات واسعة من المؤسسة الأوروبية إلى روسيا باعتبارها التهديد الأمني الرئيسي، تبدي تيارات مؤثرة داخل الترامبية استعدادًا أكبر للحديث عن تسويات مع موسكو، مقابل تركيز أكبر على الصين وعلى القضايا الداخلية الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، أظهرت أزمات متلاحقة أن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة للاستجابة لقرارات وحروب وصراعات تقررها واشنطن، بينما تملك قدرة محدودة على التأثير في مسارها. وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا حول ثمن الاعتماد الأمني على قوة عظمى خارج القارة.

بمعنى آخر، لا تحاول أوروبا الاستعداد لروسيا فقط، بل تحاول أيضًا الاستعداد لعالم قد تضطر فيه إلى تحمل جزء أكبر من مسؤولية الدفاع عن نفسها.

القدرات الدفاعية تحت الصيانة

ولهذا قد لا تكون قصة حاملة الطائرات أو الغواصات هي الخبر الحقيقي.

فالخبر الأهم هو أن بريطانيا، مثل كثير من الدول الأوروبية، تحاول إعادة التكيف مع عالم تغير أسرع مما كانت تتوقع.

عالم عادت فيه المنافسة بين القوى الكبرى، وعادت فيه الحرب إلى أوروبا، وبدأت فيه الأسئلة القديمة حول مستقبل الحماية الأمريكية تعود إلى الواجهة.

وفي هذا العالم الجديد، لم يعد التحدي هو إدراك الخطر، بل امتلاك الأدوات اللازمة للتعامل معه.

فالقارة الأوروبية لا تواجه اليوم عودة التهديد الروسي فقط، بل تواجه أيضًا اهتزاز اثنين من أهم المسلمات التي حكمت تفكيرها منذ التسعينيات: أن الحرب الكبرى أصبحت من الماضي، وأن الولايات المتحدة ستبقى الضامن النهائي للأمن الأوروبي مهما تغيرت الظروف السياسية في واشنطن.

ولهذا لا تبدو حاملة الطائرات المتوقفة في النرويج أو الغواصات الموجودة في أحواض الصيانة مجرد مشكلات فنية عابرة، بل أعراضًا لتحول أعمق بكثير.

NATO Review - Exercise Defender-Europe 20: enablement and resilience in action
قوات عسكرية محمولة جواً تابعة للناتو. (حلف شمال الأطلسي)

فأوروبا تحاول إعادة بناء قوة عسكرية تقلصت لعقود، في وقت تتصاعد فيه التهديدات أسرع بكثير من قدرة الجيوش على الاستعداد لها.

فالمشكلة لم تعد في إدراك الخطر.

بل في أن بناء القوة العسكرية يحتاج سنوات طويلة، بينما عودة الأخطار لا تحتاج أكثر من حرب واحدة لتصبح واقعًا.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 7 يونيو 2026
"قبل أن تعطينا الدروس.. اذهب ورتّب فوضاكم" وجّه الإعلامي البريطاني علي ميراج رسالة لاذعة لنائب الرئيس الأمريكي جي دي، ردًا على انتقاداته لبريطانيا، وطالبه بالالتفات إلى الأزمات التي تعيشها بلاده. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 7 يونيو 2026
"الحرية لفلسطين" ترحّب بنزلاء إسرائيليين داخل غرفهم في لندن.. 🇵🇸 فتحت سلسلة فنادق "ترافيلودج" (Travelodge) الشهيرة في بريطانيا تحقيقًا عاجلًا، بعد ظهور عبارة "Free Palestine" بشكل مفاجئ على شاشات التلفزيون داخل غرف نزلاء يحملون الجنسية الإسرائيلية. الحادثة بدأت بمقطع فيديو…
𝕏 @alarabinuk · 7 يونيو 2026
يرصد هذا التقرير كيفية تناول أبرز وسائل الإعلام البريطانية (بي بي سي، الجارديان، والإندبندنت) لثلاث محطات رئيسية من التصعيد الإسرائيلي: مقتل الرضيع "سام أبو هيكل" في الضفة الغربية، استمرار القصف والحصار على قطاع غزة، واستهداف الجيش اللبناني جنوبًا. ويُبرز التحليل…
𝕏 @alarabinuk · 7 يونيو 2026
مخاوف أمنية متصاعدة، وانتقادات لتأخر بريطانيا في مواجهة التهديدات.. 🗞️ملفات هامة تتصدر الصحف البريطانية اليوم؛ أبرزها قضية "هنري نوفاك" والجدل حول خطة الإنفاق الدفاعي. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف اليوم: ⬇️ https://alarabinuk.com/?p=229383 #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←