لا تزعل القوي: دليل ساخر لإعادة تعريف العدالة
في زمنٍ يبدو أن فيه المعاني تُعاد صياغتها كما تُعاد جدولة المواعيد، وصلتني حكمة من أحد “العباقرة” الذين لا يكتبون كتبًا، بل يكتبون الواقع نفسه على مقاس القوة.
حكمة بسيطة، لكنها كافية لقلب الطاولة على كل ما كنا نظنه بديهيًا: العدالة، والحق، والكرامة، وحتى ردّة الفعل البشرية الطبيعية تجاه الأذى.
فقد تعلّمت منه درسًا بالغ العمق: إذا جاء شخص ما، وسرق حقك، واعتدى عليك، وأذى أهلك، واستمر في استفزازك سنوات طويلة…
فالمشكلة ليست فيه أبدًا.
المشكلة فيك أنت، لأنك ببساطة لم تصل بعد إلى مرحلة “النضج العاطفي” التي تسمح لك أن تتفهم مشاعره.
نعم، هكذا بكل هدوء.
يعني بالله عليك…
كيف تجرؤ على أن تنزعج من شخص أقوى منك؟
هذا الرجل، وفق المنطق الجديد، ليس معتديًا، بل صاحب رؤية.
له مكانة، وله سند، وله قدرة على “إعادة توزيع الموارد” في المنطقة بشكل أكثر كفاءة.
جاء فقط وأخذ أرضك، وشجرك، وبيتك، والغنمات التي كانت تمثل اقتصادك الوطني الصغير…
ثم أنت بكل أنانية تشعر بالضيق لأنه لم يترك لك شيئًا.
عيب!
كان من المفترض أن تتعامل مع الأمر بنضج:
ابتسم، وقل شكرًا، واعتبرها تجربة تعليمية في “فلسفة الامتلاك المرن”.
بل الأفضل من ذلك، أن تذهب إليه بنفسك، وتعتذر لأن وجود أرضك قد سبّب له إزعاجًا أخلاقيًا أثناء عملية النقل،
وإن أمكن، اطلب منه توجيهات حول كيفية تحسين أسلوبك في عدم الاعتراض.
ولا تنسَ أيضًا أن تطلب من أهلك وجيرانك أن يكونوا أكثر هدوءًا، لأن أي صوت غير محسوب قد يفسد “التوازن الاستراتيجي”، وقد يضطر الرجل – لا سمح الله – إلى توسيع نطاق إعادة التوزيع.
والأجمل في هذه المنظومة الأخلاقية الحديثة…
أنها لا تُقصيك تمامًا؛
فهي تمنحك فرصة للبقاء ضمن النظام.
بعد أن يتم أخذ أرضك، قد يُسمح لك – كمكافأة على حسن السلوك – أن تعمل في جزء منها.
ربما راعيًا لما كان يومًا ما ملكك، أو موظف صيانة في الذكريات.
وربما، إذا أثبتّ أنك “غير مزعج”، تحصل على دخل بسيط…
بعد خصم رسوم الخدمات، وضريبة الحماية، وبدل إعادة التأهيل النفسي للطرف الأقوى.
وهو، بالطبع، يفعل ذلك من أجل مصلحتك.
يحميك من نفسك أولًا…
ومن أي فكرة خطيرة قد تخطر ببالك، مثل: هل ما يحدث طبيعي؟
أو: هل يمكن أن يكون لي حق؟
أو حتى السؤال الأكثر تطرفًا: لماذا أنا؟
وفي هذه المدرسة المتقدمة من الأخلاق، هناك مراجعة جذرية للمفردات أيضًا.
بعض الكلمات أصبحت عبئًا لغويًا يجب التخلص منه لتخفيف الضغط على العقل الجمعي:
الكرامة… كلمة قد تسبب توترًا غير ضروري.
العزة… غير متوافقة مع بيئة العمل الحديثة.
الشرف… يحتاج تحديثًا في النظام.
النخوة… خاصية غير مدعومة حاليًا.
الشهامة… تستهلك موارد عاطفية زائدة.
الإباء… غير ضروري في الإعدادات الافتراضية.
البسالة… يُنصح بإيقافها لتقليل التعارض الداخلي.
باختصار، يمكننا العيش بشكل أكثر راحة إذا حذفنا هذه الكلمات من القاموس، ومن الذاكرة، ومن المناهج، ومن النقاش أصلًا.
ما حاجتنا لها إذا كانت القاعدة واضحة وبسيطة:
“لا تُزعج القوي، وستكون الأمور بخير”.
بل إنك قد تكتشف لاحقًا أن هذه المنظومة “الرحيمة” تمنحك امتيازًا إضافيًا:
أن تعمل عند من أخذ منك كل شيء، وكأنها ترقية وظيفية في نهاية القصة.
وفي النهاية…
الأمر لا يتعلق بسرقة فقط.
بل بمنظومة متكاملة:
تأخذ منك حقك…
وتقنعك أنك لم تكن بحاجة إليه أصلًا…
وتمنحك امتياز الصمت مقابل الاستقرار…
وتسمي ذلك كله: “نظام حياة متوازن”.
حقًا…
إنها ليست مجرد فكرة.
إنها مدرسة كاملة في إعادة تعريف الواقع.
(ولا أرذل من هيك… ولا أهدأ) لمن يتقن فن عدم السؤال.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇