العرب في بريطانيا | ماثيو باريس صوت بريطاني يرى العرب بلا عدسات الغرب

ماثيو باريس صوت بريطاني يرى العرب بلا عدسات الغرب

ماثيو باريس صوت بريطاني يرى العرب بلا عدسات الغرب بقلم: كرم نعمة
كرم نعمة يونيو 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ماثيو باريس ليس مجرد اسم في صفحة الرأي. فهو صحافي وسياسي سابق قبل أن يغادر حزب المحافظين، ليكون اليوم عموداً راسخاً في “فليت ستريت”.

كاتب لا يكرر خطاب الهيمنة، بل يفضح فشل السياسات الغربية ويدافع عن الموقف الأخلاقي أينما كان.
من يعرف مساره يدرك أنه بدأ من البرلمان، في صفوف المحافظين، قبل أن يتحول إلى صحافي ومعلق سياسي، يكتب بصرامة العارف بخفايا القرار وبحس أخلاقي لا يهادن.

باريس واحد من الأصوات البريطانية النادرة التي لا تقرأ العالم العربي بسطحية، ولا تستعير نظارات السائح الذي يرى الصراع صوراً عابرة في شاشات الأخبار. يكتب بفهم عميق، بل وبشجاعة نادرة في كشف زيف السياسات الغربية، وبتجرد يضعه خارج القطيع.

أو كما يجسد باريس بالنسبة إلى آلن رسبريدجر رئيس تحرير مجلة “بروسبيكت” تصوراً يكاد يكون أورويلياً لمعنى الهوية البريطانية – ويقصد هنا “أورويلي” بالمعنى الذي طرحه جورج أورويل في مقالته “الأسد ووحيد القرن”، لا بمعنى الكابوس الديستوبي في رواية 1984.

في مقاله الشهير الذي حمل عنوان “بريطانيا لا تملك فكرة عما تفعل في الشرق الأوسط”، كتب باريس بعد أن تحول العراق الى مجرد ساحة لقتل العراقيين بينما كان بوش وبلير يعدون بلاد الرافدين بالحرية بذريعة الحرب تجلب الحرية، وفق تعريف دونالد رامسفلد.

“العراق، ليبيا، أفغانستان، سوريا، مصر… سجل من الفشل يكفي لنفهم أننا يجب أن نترك الأمور وشأنها”.

لم تكن تلك مجرد قراءة في سجل أخطاء، بل كانت صيحة ضمير: السياسة التي لا تعرف ماذا تفعل، لا ينبغي أن تفعل شيئاً أصلاً.

حين رفض حرب العراق، لم يكن يردد شعاراً رومانسياً ضد الحروب، بل انطلق من قاعدة بسيطة: الأخلاق لا تنفصل عن الجدوى. إن لم تكن هناك قدرة على البناء، فإن إسقاط الأنظمة بالقوة يتحول إلى خراب مفتوح. هذه الخلاصة، التي تجاهلها توني بلير وجورج بوش، هي التي تفسر الخراب والفشل السياسي الذي عاشه العراق لعقود لاحقة.

واليوم، وبعد أكثر من 23 عاماً على تلك الحرب، يعود ماثيو باريس في مقاله ليكتب عن حكومة بنيامين نتنياهو وهي تمارس الغطرسة والاحتقار للقانون الدولي في حرب الإبادة بغزة قائلاً “ينبغي على المجتمع الدولي أن يفرض عقوبات مؤثرة، وأن يحث الإسرائيليين على تغيير حكومتهم الفاسدة”.

لغة لا تقل وضوحاً عن لغته القديمة. المبدأ هو ذاته: موقف أخلاقي لا يساوم، يرى أن السياسة التي تغطي جرائم الاحتلال ليست سياسة، بل تواطؤ.

هذا الإثبات هو ما يجعل باريس نموذجاً نادراً. هو لا يرفض التدخل العسكري فقط، بل يبحث عن البدائل السياسية والمدنية. فكما رفض حرباً كان يعلم أنها ستفتح أبواب جحيم في بغداد، يدعو اليوم إلى عقوبات كأداة ضغط على حكومة تواصل ارتكاب انتهاكات صارخة. ليست ازدواجية، بل خط متصل في التفكير: السياسة الأخلاقية لا تعني الانفعال العاطفي، بل التمسك بوسائل واقعية تحافظ على المعايير الإنسانية.

لكن الأهم أن باريس يكشف لنا حقيقة كثيراً ما نتغافل عنها: الغرب ليس كتلة واحدة من الهيمنة. في قلب الصحافة البريطانية أصوات مخلصة، تعلن بوضوح أن العالم العربي يعيش معضلة الدمار لا بسبب ذاته فقط، بل بفعل تدخلات أمريكية وغربية أطلقت سلسلة من الحروب غير المحسوبة. العراق، أفغانستان، ليبيا، سوريا… أسماء تحولت إلى أمثلة على خراب متواصل.

حين يكتب باريس عن هذه المآسي، فإنه لا يكتب كمدافع عن العرب من باب التعاطف الخارجي، بل كإنسان يواجه ضميره. هنا تكمن فرادته: ليس صوتاً يزين خطاب الهيمنة، بل استثناء يفضحها من الداخل.

ففي مقاله عن غزة يقول “نحن الذين يروعنا هذا الخراب، يجب أن ندعم عقوبات مؤثرة، ونحث الإسرائيليين على تغيير حكومتهم”.

يحوّل باريس هنا الصدمة إلى فعل سياسي محدد. يطرح أداة محددة — العقوبات — كبديل عملي عن خطاب الشجب الفارغ أو الحل العسكري. اختيار كلمة “مؤثرة” مهم: ليس عقوبات رمزية، بل ضغط يُحدث فرقاً في القدرة السياسية للحكومة المستهدفة. هذه المقاربة تضع باريس في خانة الكتاب الغربيين الذين يربطون البوصلة الأخلاقية بالوسائل الواقعية.

 

كما عبّر عن خيبته من غياب الأمل عن غزة طالما بقي نتنياهو حاكما.

عبارة قصيرة لكنها تحمل حكماً شاملاً؛ ليست مجرد نقد سياسة بل استنتاج أن الحكومة نفسها عقبة أمام أي حل إنساني أو سياسي. باريس يقترح هنا آلية مدنية واضحة — العقوبات — بدل الحل العسكري، موضحًا أن الأخلاق يجب أن تصاحب العمل الواقعي.

هذه القراءة المتسقة بين مقاليه — رفض حرب احتلال العراق والدعوة لعقوبات على إسرائيل ونتنياهو — تظهر خطاً واحداً: المعيار الأخلاقي يجب أن يقترن بالفعالية السياسية. عندما يرفض حرباً لأن نتائجها كارثية، فإنه لا يرفض أي ضغط على أي دولة؛ بل يطالب بضغط مدني فعّال.

وعندما تكون دعوات باريس لا تأتي في فراغ. فقد شهدنا، إجراءات فعلية من بعض الحكومات الغربية على شخصيات إسرائيلية متهمة بالتحريض على الإبادة الجماعية مع استمرار الانتهاكات المريعة في غزة، مثل حظر سفر على بعض الوزراء والقيادات. هذا يبين أن نقاش «العقوبات كأداة سياسية» بدأ يتحول من فكرة إلى سياسة. ربط الدعوة الصحافية بتحرك دبلوماسي عملي يعزّز حجتنا، هناك أصوات في الغرب ليست فقط نقدية، بل تضغط على فضاء القرار السياسي.

مقاله عن غزة أحدث نقاشاً واسعاً، لأن كاتباً محافظاً سابقاً يطالب بعقوبات صارمة يربك الخطاب التقليدي.

تحوّل لغة الرأي العام الغربية يمكن أن يفتح سبل ضغط دبلوماسي حقيقي على سياسات وحشية من قبل حكومة إسرائيلية تطيح بالحياة المدنية.

لماذا يهمنا ماثيو باريس كقراء ومتابعين عرب؟ لأنه نموذجٌ يشرح لنا درسين: الغرب ليس هيئة واحدة؛ هناك أصوات مخلصة تُمارس النقد من الداخل. النقد الحقيقي يربط الأخلاق بالآليات، لا يكتفي بالشجب.

حين يطالب باريس بعقوبات «مؤثرة» على حكومة إسرائيلية يَنظر إليها المجتمع الدولي على أنها سبب كارثة إنسانية في غزة، فهو يقدم شهادة داخلية ذات قيمة استراتيجية وأخلاقية. علينا أن نقرأ هذه الشهادة بجدّية، وننقّب في خطابهم عن أدوات يمكن أن تُترجم إلى فعل دولي يخفف من معاناة المدنيين.

في النهاية ماثيو باريس ليس بطلاً، لكنه شاهد صادق. ولأن الشهادة في زمن الفوضى السياسية تصبح عملاً أخلاقياً بامتياز، فإن صوته يستحق أن يُقرأ عربياً. لا بوصفه مجرد كاتب غربي، بل كصديق في معركة الحقيقة.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا