خطوة مرتقبة في لندن: هل تُحظر بضائع الاحتلال قريبًا؟
باتت بريطانيا أقرب من أي وقت مضى إلى اتخاذ خطوة قد تمثل تحولًا مهمًا في سياستها تجاه المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط ضغوط متزايدة من نواب في حزب العمال وأحزاب أخرى لحظر استيراد منتجات المستوطنات.
وبينما لم يُحسم القرار بعد، تتزايد المؤشرات داخل الأوساط السياسية البريطانية على أن هذا الخيار بات مطروحًا بجدية على طاولة الحكومة، في وقت تتسارع فيه الدعوات الأوروبية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الاستيطان.
لماذا بات الحظر أقرب من أي وقت مضى؟

كشف موقع “ميدل إيست آي” أن فرض حظر بريطاني على استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية بات احتمالًا مطروحًا بقوة، بل إن مصادر مطلعة ترى أن هذا التحول قد يصبح واقعًا خلال المستقبل القريب.
وبحسب عدد من المصادر المقربة من الحكومة، أبلغ وزير شؤون الشرق الأوسط، هاميش فالكونر، نوابًا من حزب العمال في أواخر العام الماضي أن حظر منتجات المستوطنات خطوة مرغوبة.
ورغم أن القرار النهائي لا يزال بيد رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت، فإن المصادر أكدت أن وزراء في الحكومة باتوا يرون أن هذه الخطوة تنسجم مع الموقف البريطاني الذي يعتبر المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.
كيف تغيّر موقف حزب العمال؟

عندما كان حزب العمال في صفوف المعارضة، دعا إلى حظر استيراد منتجات المستوطنات.
وفي حزيران/يونيو 2020، قالت وزيرة الخارجية في حكومة الظل آنذاك، ليزا ناندي، إن اتخاذ هذه الخطوة يتطلب “شجاعة لم يُبدها الوزراء حتى الآن”.
لكن الحزب لم ينقل هذا التوجه إلى سياساته الحكومية بعد وصوله إلى السلطة. وقبل عامين فقط، كان موقف الحزب يقوم على رفض فرض عقوبات أو مقاطعة ضد إسرائيل.
وتشير المصادر إلى أن هذا الموقف شهد تحولًا جوهريًا خلال الفترة الأخيرة، مع تزايد القناعة داخل أوساط حكومية بأن التعامل مع منتجات المستوطنات يختلف عن التعامل مع إسرائيل داخل حدودها المعترف بها دوليًا.
نقاش برلماني جديد يزيد الضغط على الحكومة

نجحت النائبة العمالية ابتسام محمد، العضوة في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم، في تأمين نقاش برلماني حول حظر منتجات المستوطنات، في خطوة يُتوقع أن تزيد الضغوط السياسية على الحكومة.
وقالت محمد إن بريطانيا باتت متأخرة عن عدد من حلفائها في الاستجابة لرأي محكمة العدل الدولية الصادر عام 2024، والذي اعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني. وأضافت: “تتخذ عدة دول أوروبية خطوات لتقييد أو حظر منتجات المستوطنات، بينما تواصل الحكومة البريطانية القول إن الأمر معقد للغاية”.
وتساءلت: “إذا كنا قادرين على فرض عقوبات صارمة على الأراضي التي تحتلها روسيا بموجب نظام العقوبات الروسي، فلماذا لا نطبق المبدأ نفسه على الأراضي الفلسطينية المحتلة؟”.
وبحسب منظمة “بتسيلم” (B’Tselem)، هجّرت إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ما مجموعه 59 تجمعًا فلسطينيًا كان يقطنها أكثر من 4,000 فلسطيني.
كما سجلت الأمم المتحدة ما يقارب 2,000 هجوم نفذه مستوطنون خلال عام 2025، بمعدل يناهز خمسة اعتداءات يوميًا.
أوروبا تتحرك ولندن تراقب

لا يأتي النقاش البريطاني بمعزل عن التحركات الأوروبية الأخيرة. فقد تقدمت فرنسا والسويد مؤخرًا بمقترح يدعو الاتحاد الأوروبي إلى فرض رقابة مشددة على واردات المستوطنات الإسرائيلية.
كما حظرت هولندا الشهر الماضي التجارة في السلع القادمة من الأراضي المحتلة.
وتقول المصادر إن بريطانيا قد لا تتحرك بمفردها في هذا الملف، بل ربما تنسق مع دول أوروبية أخرى، مثل فرنسا أو هولندا، إذا اتُخذ قرار بالحظر.
كما أشارت المصادر إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران دفعت حكومة كير ستارمر إلى منح أولوية أكبر لحساباتها السياسية الخاصة، بعيدًا عن مواقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب .
دعوات لتجفيف الدعم الاقتصادي للمستوطنات

قالت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم، إميلي ثورنبيري، إن “الوضع في فلسطين لا يُحتمل، ومع ذلك ما زلنا نتسامح معه”.
وأضافت أن بريطانيا مطالبة بجعل تكلفة الاستيطان مرتفعة اقتصاديًا إلى درجة يصبح معها التوسع الاستيطاني غير قابل للاستمرار.
وأوضحت أن ذلك يجب أن يشمل حظر استيراد المنتجات المصنعة في المستوطنات غير القانونية، وفرض عقوبات على المتورطين في النشاط الاستيطاني، ومنع الشركات البريطانية من المشاركة في أي أنشطة مرتبطة بالمستوطنات.
كما دعت إلى اتخاذ إجراءات ضد شبكات التأمين التي توفر خدمات للمشروعات الاستيطانية، مؤكدة ضرورة إرسال رسالة واضحة مفادها أن بناء المستوطنات في الضفة الغربية لن يمر دون تبعات.
ضغوط متصاعدة من داخل حزب العمال

أظهر استطلاع للرأي نُشرت نتائجه مؤخرًا أن 87% من أعضاء حزب العمال يؤيدون فرض حظر على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، مقابل 6% فقط يعارضون ذلك.
وفي أيار/مايو، فرضت الحكومة البريطانية عقوبات على عدد من المستوطنين الإسرائيليين البارزين في الضفة الغربية، من بينهم الناشطة الاستيطانية دانييلا فايس، رئيسة حركة “نحالا” (Nachala).
وفي حزيران/يونيو، فرضت بريطانيا بالتنسيق مع عدد من حلفائها عقوبات على وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بسبب “تحريضهما المتكرر على العنف ضد التجمعات الفلسطينية” في غزة والضفة الغربية.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية إن الحكومة أدانت مرارًا عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني، وفرضت عقوبات على المسؤولين عن هذه الممارسات وعلى شخصيات إسرائيلية متهمة بالتحريض عليها.
كما أكدت الوزارة استمرار مطالبة السلطات الإسرائيلية باتخاذ إجراءات ضد المستوطنين المتورطين في أعمال العنف وتدمير الممتلكات الفلسطينية.
من جهتها، قالت النائبة العمالية كيم جونسون إن بريطانيا كان ينبغي أن تنضم منذ وقت طويل إلى الدعوات الدولية المطالبة بإجراءات حقيقية ضد المشروع الاستيطاني. وأضافت أن الحكومة لا تستطيع الادعاء بدعم النظام الدولي القائم على القانون، بينما تسمح باستمرار الدعم الاقتصادي والسياسي لأنشطة تنتهك القانون الدولي.
الخضر والحزب الوطني الإسكتلندي يطالبان بخطوات أشد

يزداد الضغط على حكومة حزب العمال من جانب أحزاب أخرى، في مقدمتها حزب الخضر والحزب الوطني الإسكتلندي.
وقالت المتحدثة باسم حزب الخضر للشؤون الخارجية، إيلي تشاونز، إن حظر منتجات المستوطنات يجب أن يكون مجرد بداية، داعية إلى فرض عقوبات إضافية على المسؤولين الإسرائيليين المرتبطين بالتوسع الاستيطاني.
واتهمت الحكومة البريطانية بالفشل في الوفاء بالتزاماتها القانونية والأخلاقية، ووصفت منتجات المستوطنات بأنها “عائدات جريمة”.
وفي رسالة بعثها هاميش فالكونر إلى النائب عن الحزب الوطني الإسكتلندي كريس لو ، أكد دعم الحكومة لسياسة وضع ملصقات تعريفية على منتجات المستوطنات لضمان عدم تضليل المستهلكين. غير أن لو رفض هذا النهج، معتبرًا أن وضع الملصقات لم يعد كافيًا، وأن المطلوب هو حظر كامل لهذه المنتجات حتى لا تبقى بريطانيا جزءًا من هذه التجارة.
وأشار إلى أن الحكومة لم تقدم سببًا مقنعًا لعدم تطبيق رأي محكمة العدل الدولية الصادر عام 2024، لافتًا إلى وجود سوابق بريطانية تتعلق بوقف التجارة مع أراضٍ محتلة بصورة غير قانونية، مثل شبه جزيرة القرم ومناطق أخرى في أوكرانيا.
كما قالت أورليث رو، مسؤولة الشؤون العامة في “المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين” (ICJP)، إن بريطانيا لا تفي بالتزاماتها القانونية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأضافت أن رأي محكمة العدل الدولية يفرض اتخاذ خطوات عملية لإنهاء الاحتلال، بما في ذلك حظر واردات المستوطنات واتخاذ إجراءات فعالة تتوافق مع القانون الدولي وتحمي حقوق الفلسطينيين.
هل يعيد سباق زعامة حزب العمال رسم السياسة البريطانية؟

قال النائب المستقل شوكت آدم، الذي زار الضفة الغربية المحتلة ضمن بعثة لتقصي الحقائق، إن التوسع الاستيطاني يساهم في تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، بينما تستمر اعتداءات المستوطنين دون محاسبة. وأضاف أن الحكومة البريطانية تكتفي بإصدار بيانات إدانة، في وقت يتواصل فيه بناء المستوطنات والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
وتأتي هذه المواقف في وقت كانت فيه إسرائيل الشريك التجاري رقم 43 لبريطانيا خلال عام 2025، رغم تراجع العلاقات السياسية بين الجانبين خلال العام الماضي.
ويرى مراقبون أن التحدي المتوقع لزعامة حزب العمال خلال الأشهر المقبلة قد يكون العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل السياسة البريطانية تجاه إسرائيل والمستوطنات.
ومن بين الأسماء المطروحة لخلافة كير ستارمر عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام ، ووزير الصحة السابق ويس ستريتينغ .
وقال النائب العمالي ريتشارد بورغون إن موقف الحزب من الحرب على غزة كان من بين الأسباب الرئيسية التي دفعت أعدادًا كبيرة من الناخبين إلى الابتعاد عن حزب العمال. كما أظهرت استطلاعات رأي سابقة أن تسعة من كل عشرة أعضاء في الحزب يريدون سياسة أكثر انتقادًا لإسرائيل مما هي عليه حاليًا.
وكُشف مؤخرًا أن ويس ستريتينغ دعم بشكل خاص فرض عقوبات على إسرائيل خلال العام الماضي، بينما يواصل تصعيد انتقاداته العلنية للحكومة الإسرائيلية.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن كير ستارمر قد يلجأ إلى تعديل بعض مواقفه في محاولة لاستعادة دعم الجناح اليساري داخل الحزب وتقليص مساحة المناورة أمام منافسيه.
وفي ظل هذه التطورات، لم يعد حظر منتجات المستوطنات مجرد مطلب ترفعه أطراف سياسية وحقوقية، بل خيارًا يناقش بجدية داخل دوائر صنع القرار في لندن، مع تزايد الدعوات إلى مواءمة السياسة البريطانية مع مواقفها المعلنة تجاه الاحتلال والاستيطان.
المصدر: ميدل إيست آي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇