تحذيرات من خطة بريطانيا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد أعمار طالبي اللجوء
ملف اللجوء في بريطانيا يواجه هزة حقوقية وقانونية كبرى بعد إعلان وزارة الداخلية عن خطتها الرامية إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقدير أعمار المتقدمين بطلبات اللجوء؛ حيث أكد تحالف يضم أكثر من مئة منظمة معنية بالأطفال واللاجئين أن هذه الخطوة المثيرة للجدل قد تؤدي إلى نتائج كارثية، تنتهي باحتجاز المزيد من الأطفال بالخطأ داخل سجون ومراكز احتجاز مخصصة للبالغين.
ويأتي هذا التحرك الحقوقي المشترك ليسلط الضوء على المخاطر التقنية لاعتماد الآلة بدلاً من العنصر البشري في تقييم حالات إنسانية معقدة ناتجة عن الحروب والصدمات.
تفاصيل الصفقة الحكومية ومخاوف “الخطأ الآلي” في ملف اللجوء

التحذيرات الحقوقية المتصاعدة جاءت عقب إعلان وزارة الداخلية البريطانية يوم الجمعة الماضي عن توقيع عقد لتشغيل تقنية الذكاء الاصطناعي لتقدير العمر عبر ملامح الوجه، وتطبيقها على طالبي اللجوء الشباب الذين تدور خلافات حول تحديد أعمارهم الحقيقية.
ودق تقرير صادر عن “تحالف منظمات الأطفال اللاجئين والمهاجرين” (Refugee and Migrant Children’s Consortium) -واطلعت عليه صحيفة “الغارديان” (The Guardian) قبل نشره الرسمي في شهر يونيو الجاري- ناقوس الخطر بشأن مخاطر استخدام مثل هذه التكنولوجيا مع فئة من الشباب لا تتوافق ملامحهم الجسدية مع المعايير الشائعة لمن هم في نفس فئتهم العمرية.
وأوضح التحالف، الذي تعمل منظماته الأعضاء على تعزيز وحماية حقوق الأطفال المهاجرين واللاجئين، أن تقييم الذكاء الاصطناعي يصبح شديد التعقيد في هذه الحالات؛ نظراً لأن هؤلاء الشباب مروا بصدمات نفسية، وعانوا من سوء التغذية، وخاضوا رحلات مريرة ومروعة للوصول إلى بر الأمان، وكلها عوامل تترك أثراً واضحاً على الملامح.
ولا يرفض التقرير -الذي يحمل عنوان “المعايير والحدود: استخدام تقدير العمر عبر ملامح الوجه لتقييم أعمار الشباب غير المصحوبين بذويهم الذين يطلبون اللجوء”- استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق، لكنه يحذر بشدة من الاعتماد عليه، ويؤكد أنه لا ينبغي أبداً أن يكون بديلاً عن التقييمات الشاملة للأعمار التي يجريها الأخصائيون الاجتماعيون البشريون.
وحث التقرير وزارة الداخلية على:
- استخدام الذكاء الاصطناعي بصفة استشارية وتوجيهية فقط وليس بصفة تقريرية حاسمة.
- بناء مجموعة من الضمانات تشمل تواصل المراهق مع بالغ مناسب، وحصوله على المشورة القانونية.
- منحه الحق الكامل في الطعن على القرارات، داعياً الحكومة إلى عدم استبدال الأخطاء البشرية بأخطاء آلية تصدر عن الآلة.
الفجوة التقديرية بين الأخصائيين وضباط الهجرة تجاه طالبي اللجوء

تقييم أعمار هذه المجموعة من الشباب يُعد أمراً بالغ التعقيد، خاصة وأن غالبية الأطفال الذين يصلون بمفردهم لطلب اللجوء في بريطانيا تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً.
ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية، فإن احتمالية تسجيل طالبي اللجوء الشباب كـ “أطفال” في التقييمات التي يجريها الأخصائيون الاجتماعيون ترتفع بمقدار الضعف مقارنة بتلك التي يجريها ضباط الهجرة عند الحدود، حيث يخلص الأخصائيون الاجتماعيون في أكثر من ثلثي الحالات المعروضة عليهم إلى أنهم قاصرون بالفعل.
وعلى الجانب الآخر، يركز إعلان وزارة الداخلية بشكل كبير على البالغين الذين يقدمون “ادعاءات كاذبة” ويتظاهرون بأنهم أطفال محاولين “التلاعب بنظام اللجوء”، وإن كان الإعلان يقر في الوقت ذاته بضرورة حماية القاصرين. وفي هذا السياق، صرح وزير أمن الحدود واللجوء، أليكس نوريس، قائلاً: “لفترة طويلة للغاية، استغل المهاجرون البالغون الذين يقدمون ادعاءات كاذبة بشأن أعمارهم النظام التحريري، وتحولوا للاستفادة من دعم حيوي هو في الأصل موجه للأطفال المعرضين للخطر”.
وأضاف نوريس مبرراً الخطة: “هذا هو السبب في أننا نقوم بنشر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لوضع حد لهذا الأمر، وضمان تحديد هوية أولئك الذين يتلاعبون بالنظام، واحتجازهم وإبعادهم دون تأخير، مع ضمان منح الدعم والحماية لأولئك الذين يستحقونه بالفعل”.
وأوضحت الوزارة أن القرارات النهائية ستظل بيد ضباط الهجرة، مشيرة إلى أن التكنولوجيا ستخضع لاختبارات وتقييمات وضمانات صارمة قبل تعميمها على المستوى الوطني.
انتقادات حقوقية لـ “اليقين الزائف” والتحيز الرقمي ضد طالبي اللجوء
كامينا دورلينغ، الرئيسة المشاركة للتحالف، أعربت من جهتها عن قلقها البالغ قائلة: “إن مقترحات الحكومة تثير مخاوف عميقة؛ فالذكاء الاصطناعي لا يمكنه مراعاة العوامل التي تؤثر بشكل كبير على مظهر الشاب بعد فراره من الصراعات والاضطهاد وخوضه رحلات خطيرة، بما في ذلك الصدمات، وسوء التغذية، والإرهاق الشديد”.
وأضافت دورلينغ: “تظهر الأدلة الحالية أيضاً أن الذكاء الاصطناعي يواجه نفس المشكلات المتعلقة بالتحيز وعدم الدقة التي يواجهها اتخاذ القرار البشري، وبأنماط أخطاء متماثلة”.
وفي سياق متصل، قالت كاما بيتروزينكو، كبار محللي السياسات في “مجلس اللاجئين” (Refugee Council) والعضو في التحالف: “إن الأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة نفسها تظهر بالفعل أن مئات الأطفال يعاملون خطأً كبالغين بناءً على تقييمات بصرية معيبة تجري عند الحدود، وهو ما يترتب عليه عواقب وخيمة على سلامتهم ورفاهيتهم”.
وتابعت بيتروزينكو محذرة من التقنية الجديدة: “إن الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا تقدير العمر عبر ملامح الوجه ليسا حلاً بسيطاً أو خالياً من المخاطر لهذه المشكلات المستمرة منذ فترة طويلة في ملف اللجوء؛ فرداءة جودة الصور والتحيز في مجموعات البيانات المستخدمة لتغذية الآلة يمكن أن يؤثرا أيضاً على الدقة”.
واختتمت حديثها بالقول: “هناك خطر حقيقي من أن تخلق هذه التكنولوجيا شعوراً زائفاً باليقين في قرارات هي بالأساس من الصعب جداً اتخاذها بشكل صحيح. وإذا جرى ببساطة تحويل التقييمات المعيبة إلى نظام آلي (أوتوماتيكي)، فقد ينتهي الأمر بمزيد من الأطفال بشكل خاطئ في سكن البالغين، أو مراكز الاحتجاز، أو حتى السجون”.
الكلفة المالية والجدول الزمني لبرنامج الذكاء الاصطناعي الخاص بطلبات اللجوء

آلية عمل التقنية، كما حددتها وزارة الداخلية، تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيقوم بتقدير عمر الفرد في غضون ثوانٍ قليلة عن طريق تحليل الصور الفوتوغرافية للوجه التي تم التقاطها بالفعل للقادمين عبر القوارب الصغيرة في مدينة “دوفر” لطرق باب اللجوء البريطاني.
وقد جرى منح عقد تنفيذ هذا المشروع، الذي تبلغ قيمته 322,000 باوند ويمتد على مدار ثلاث سنوات، لصالح شركة “أختر للكمبيوتر المحدودة” (Akhter Computers Ltd)، وبموجب هذا العقد سيتم اختبار التكنولوجيا وتطويرها بشكل أكبر قبل البدء في نشرها وتعميمها رسمياً على نطاق وطني بحلول عام 2027.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇