هاي أون واي… البلدة البريطانية الصغيرة التي تحولت إلى عاصمة عالمية للكتب
في أقصى جنوب شرق ويلز، وعلى الحدود الفاصلة تقريباً بين ويلز وإنجلترا، تقع بلدة صغيرة اسمها Hay-on-Wye، أو كما يسميها السكان المحليون اختصاراً: “هاي”. هذه البلدة التي لا يتجاوز عدد سكانها نحو 1,500 إلى 1,700 نسمة، تحولت خلال العقود الماضية إلى واحدة من أشهر الوجهات الأدبية في العالم، حتى باتت تُعرف عالمياً باسم “مدينة الكتب” أو “Town of Books”.
وفي كل عام، وتحديداً في أواخر مايو وبدايات يونيو، تتبدل ملامح البلدة الهادئة بالكامل مع انطلاق Hay Festival، المهرجان الأدبي الذي يجذب عشرات الآلاف من القراء والكتاب والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، حتى وصفه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بأنه “وودستوك العقول”.
من بلدة حدودية فقيرة إلى “عاصمة الكتب”

تاريخ هاي أون واي لم يكن استثنائياً في بدايته. فهي بلدة سوق ريفية صغيرة على ضفاف نهر واي، وكانت تعاني مثل كثير من البلدات الريفية البريطانية من التراجع الاقتصادي وقلة النشاط التجاري بعد الحرب العالمية الثانية. لكن التحول بدأ في ستينيات القرن الماضي على يد رجل واحد: ريتشارد بوث.
في عام 1962 افتتح ريتشارد بوث أول متجر للكتب المستعملة داخل محطة إطفاء قديمة، ثم بدأ باستيراد آلاف الكتب من مكتبات أميركية كانت تغلق أبوابها آنذاك. ومع الوقت امتلأت المحال الفارغة بالكتب، وبدأت مكتبات جديدة بالظهور في كل زاوية من البلدة. وبحلول سبعينيات القرن العشرين أصبحت هاي أون واي معروفة عالمياً باسم “مدينة الكتب”.
لم يكن بوث مجرد تاجر كتب، بل شخصية استعراضية أيضاً. ففي عام 1977 أعلن البلدة “مملكة مستقلة”، ونصّب نفسه “ملكاً على هاي”، في خطوة دعائية ساخرة جذبت اهتمام الإعلام العالمي وساهمت في ترسيخ صورة البلدة كعاصمة للكتب والخيال الثقافي.
أربعون مكتبة في بلدة صغيرة

أكثر ما يثير الدهشة في هاي أون واي هو الكثافة الهائلة للمكتبات مقارنة بعدد السكان. ففي بعض الفترات ضمت البلدة أكثر من أربعين مكتبة متخصصة، معظمها للكتب المستعملة والنادرة والأكاديمية. وتشير مصادر سياحية وأدبية إلى وجود ما يزيد على 40 مكتبة في البلدة خلال ذروة ازدهارها، في حين تتحدث مصادر أحدث عن أكثر من عشرين مكتبة مستقلة لا تزال تعمل حتى اليوم.
ولا تقتصر المكتبات هناك على بيع الروايات العامة، بل توجد متاجر متخصصة بالشعر، والخرائط القديمة، والطبيعة، وكتب الأطفال، والمخطوطات النادرة. بعض المكتبات تحولت إلى معالم ثقافية بحد ذاتها، مثل مكتبة ريتشارد بوث الشهيرة والمتعددة الطوابق، ومكتبات “الأمانة” المفتوحة في الهواء الطلق حيث يختار الزائر الكتاب ويضع ثمنه بنفسه داخل صندوق معدني دون وجود بائع.
هذه الفكرة، التي تبدو رومانسية في عصر الرقمنة، أصبحت رمزاً لهُوية البلدة: الثقة، والبطء، والقراءة، والعلاقة الحميمة بين الإنسان والكتاب.
مهرجان يحول البلدة إلى عاصمة ثقافية مؤقتة

إذا كانت الكتب هي روح هاي أون واي، فإن مهرجان هاي هو قلبها النابض. انطلق المهرجان عام 1988 على يد بيتر فلورنس ووالديه، وتحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أهم المهرجانات الأدبية في العالم الناطق بالإنجليزية.
خلال عشرة أيام تقريباً في نهاية مايو من كل عام، تستقبل البلدة عشرات الآلاف من الزوار. بعض التقديرات تحدثت عن أكثر من 80 ألف زائر للمهرجان، في حين أشارت تقارير أخرى إلى أن عدد الزوار الكلي خلال الموسم قد يتجاوز ربع مليون شخص.
ويستضيف المهرجان كتّاباً عالميين، ومفكرين، وسياسيين، وفنانين، وعلماء. وعلى منصاته ظهر عبر السنوات أسماء مثل سلمان رشدي، وستيفن فراي، ومارغريت أتوود، إضافة إلى شخصيات سياسية وفكرية بارزة.
لكن المهرجان لم يعد مجرد احتفال بالكتب فقط، بل منصة للنقاش العام بشأن السياسة والبيئة والاقتصاد والحريات وحقوق الإنسان. ولذلك أصبح حدثاً ثقافياً عالمياً تتجاوز أهميته حدود الأدب التقليدي.
اقتصاد قائم على القراءة
نجحت هاي أون واي في تحويل الثقافة إلى نموذج اقتصادي فعّال. فالبلدة الصغيرة التي كانت مهددة بالركود أصبحت تستقبل مئات الآلاف من السياح سنوياً، ما أنعش الفنادق والمقاهي والمطاعم والمتاجر المحلية.
ويؤكد كثير من المتابعين أن تجربة هاي أون واي أثبتت أن الثقافة ليست نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل يمكن أن تكون محركاً حقيقياً للتنمية المحلية والسياحة والاقتصاد الإبداعي.
بل إن مفهوم “مدينة الكتب” الذي انطلق من هاي أون واي انتقل لاحقاً إلى بلدان أخرى حول العالم، مثل بلدة ويغتاون في اسكتلندا وقرية كلونز الأسترالية، التي استلهمت تجربتها مباشرة من البلدة الويلزية.
بين الورق والعصر الرقمي

رغم شهرتها العالمية، لم تكن هاي أون واي بمنأى عن التحديات٬ فمع صعود التجارة الإلكترونية والكتب الرقمية، أغلقت بعض المكتبات أبوابها، وتحولت متاجر أخرى إلى بيع التحف والهدايا. وتشير تقارير حديثة إلى أن عدد المكتبات انخفض مقارنة بفترة الذروة في الثمانينيات والتسعينيات.
لكن البلدة نجحت في الحفاظ على هُويتها الثقافية، مستفيدة من الحنين العالمي المتزايد للكتاب الورقي وللتجارب الثقافية “البطيئة” بعيداً عن الشاشات. كما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي والسياحة الثقافية في إعادة تسويق البلدة لجيل جديد من القراء والمسافرين الباحثين عن أماكن ذات طابع مختلف.
تجربة تتجاوز شراء الكتب
الزائر إلى هاي أون واي لا يذهب لشراء كتاب فقط، بل ليعيش تجربة كاملة٬ الشوارع الحجرية الضيقة، والرفوف الممتدة خارج المحال، والمقاهي الصغيرة التي تعجّ بالقراء، والقلعة القديمة التي تحولت إلى فضاء ثقافي، كلها تجعل البلدة أقرب إلى مشهد روائي حي.
وفي شهادات متداولة على مواقع النقاش والقراءة، يصف كثير من الزوار البلدة بأنها “جنة لعشاق الكتب”، فيما ينصح آخرون بزيارتها خارج فترة المهرجان لمن يريد الاستمتاع بهدوئها الحقيقي بعيداً عن الزحام الموسمي.
لماذا أصبحت هاي أون واي ظاهرة عالمية؟

تكمن خصوصية هاي أون واي في أنها نجحت في فعل ما أخفقت فيه مدن أكبر وأكثر ثراءً: تحويل القراءة إلى هُوية جماعية.
فالبلدة لم تبنِ شهرتها على معلم أثري ضخم أو مركز مالي أو جامعة كبرى، بل على فكرة بسيطة للغاية:
أن الكتب قادرة على صناعة مكان.
ولهذا أصبحت هاي أون واي رمزاً عالمياً لعلاقة الإنسان بالقراءة، ودليلاً على أن الثقافة يمكن أن تغيّر مصير مدينة كاملة، حتى لو لم يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف.
وفي زمن تتراجع فيه معدلات القراءة في كثير من المجتمعات، تبدو هذه البلدة الويلزية الصغيرة وكأنها مقاومة هادئة ضد النسيان الرقمي، وإعلان مستمر بأن الكتاب الورقي ما زال قادراً على جمع الناس حوله.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇