السماء تسمع نجواك يا صديقي رشيد غلام
هذه المرّة، لا نستمع إلى «نجوى» بوصفها مجرّد عمل غنائي بديع، بل كأننا نعيد تشغيلها كـابتهال جماعي من أجل صاحبها وهو على فراش المرض.
اختيار الفنان المغربي المقيم في لندن رشيد غلام للبيت الأول من قصيدة هبة الله بن المنجّم وتكملتها بأبيات أخرى لشاعر نود أن نتعرف إليه اليوم، لأنه اللحن سجل قبل أكثر من عقد من دون أن يتعرف الفنان إلى هذا الشاعر!
أقول لم يكن مصادفة ذوقية، بل كان اصطفاء روحيًّا؛ كأن القصيدة كانت تنتظر حنجرة تعرف أن الغناء يمكن أن يكون طريقًا إلى السماء، لا إلى التصفيق فقط.
من البيت الأول:
شكا إليك فما وجد
من خانه فيك الجلد
نسمع في أداء رشيد غلام شيئًا يتجاوز حدود الطرب. هذا ليس مطربًا يروي شكوى، بل قلبًا يتبنّاها. طريقة نطقه لـ«شكا إليك» ليست إخبارًا، بل انكسارًا؛ يمدّ الحروف كمن يمدّ يده، ويترك في الفراغ بين الشطرين مساحة للتقوى، للدمعة التي لم تنزل بعد. هنا تتجلى أولى فضائل أدائه: الصدق قبل المهارة. فالمهارة وحدها تصنع مطربًا، أما الصدق فيصنع شاهدًا على لحظة روحية.
ثم يأتي البيت الذي يلخّص حالة التائه الباحث عن قطرة ماء:
حيران لو شئت اهتدى
ظمآن لو شئت ورد
في هذا الموضع، يختار غلام أن يرفع الجملة اللحنية قليلًا، كأن الحيرة نفسها تصعد، وكأن الظمأ يشتدّ قبل أن يرد. لا يبالغ في الزخرفة، بل يترك للمعنى أن يقود النغمة. هنا يتجلّى ما يمكن أن نسميه أخلاق الأداء: الامتناع عن استعراض الحنجرة حين يكون النص في ذروة هشاشته. فالحيرة لا تحتاج إلى عُرب، بل إلى رجفة.
وحين يصل إلى:
والغيث غيثك سيدي والعبد عبدك فالمدد
يتحوّل الأداء إلى ما يشبه التلاوة. يمدّ «الغيث» كأن المطر يتأخر، ثم يضغط على «المدد» كمن يطرق بابًا لا يحتمل التأجيل. في هذه اللحظة بالذات، تصبح «نجوى» أقرب إلى حلقة ذكر منها إلى أغنية. هذا هو جوهر ما نحتاج أن نؤكده: هذه النجوى المليئة بالتقوى أشبه بابتهال غنائي يؤكد أن شرف الأغنية في الإخلاص لبيئتها الروحية، لا في الهروب منها إلى استعراضات فارغة.
رشيد غلام، في هذا العمل كملحن يقدّم نموذجًا نادرًا لما يمكن أن نسميه شرف الأغنية. شرف لا علاقة له بالرقابة الأخلاقية السطحية، بل بالوفاء لجوهر الغناء نفسه: أن يمسّ شغاف القلب. صوته هنا لا يغازل الأذن، بل يربّيها. لا يلهي الروح، بل يوقظها. هذا الأداء الساحر للفنان المغربي، الذي بقي مخلصًا لهذا الشرف في زمن ابتُذلت فيه الأغنية العربية حتى صارت في كثير من الأحيان ضدّ روحها، يذكّرنا بأننا في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الغناء العميق الذي يرقى بالأسماع ويطهّر الأرواح.
اليوم، ونحن نعيد الاستماع إلى «نجوى»، نفعل ذلك ونحن نعرف أن صاحب هذا الصوت يرقد على فراش المرض. فجأة تتحوّل القصيدة من مناجاة عامة إلى نداء شخصي جدًّا؛ كأن كل بيت فيها يُقال الآن عنه وله:
فإذا تعاظم ذنبه
فالعفو منك قد قصد
والضيف عندك مكرم
والسؤل عندك لا يرد
نسمع هذه الأبيات اليوم فنشعر أن صوت غلام نفسه هو هذا «الضيف» الذي طرق باب السماء طويلًا، وأننا شركاء في هذا الطَّرق. نستعيد الأغنية لا بدافع الحنين الفني فقط، بل كحاجة ماسة إلى أن نبتهل معه، أن نضع أصواتنا الداخلية إلى جوار صوته، علّ السماء تستجيب لهذا النداء، وتمنّ بالشفاء على الفنان المغربي الذي بقي مخلصًا لشرف الأغنية حتى وهو يدفع ثمن هذا الإخلاص من جسده وحياته.
في زمن الأغنية السريعة، التي تُستهلك كما تُستهلك الإعلانات، تأتي «نجوى» كنوع من المقاومة الجمالية والروحية. تقول لنا إن الغناء يمكن أن يكون طريقًا إلى الله، وإن الصوت حين يخلص لبيئته الروحية يصبح جزءًا من تراث الدعاء لا من أرشيف الترفيه. ومع رشيد غلام، لا نسمع فقط قصيدة هبة الله بن المنجّم ومن أكمل الأبيات الأخرى، بل نسمع تاريخًا كاملًا من الابتهال العربي وهو يُستعاد في حنجرة واحدة.
لهذا، فإن الاستماع إلى «نجوى» اليوم ليس فعل تذوق فني فحسب، بل هو أيضًا مشاركة في دعاء. نعيد تشغيل الأغنية كمن يعيد تلاوة ورد محبّب، ونرجو أن يكون في هذا الصوت، وفي هذه النجوى، وفي هذا الإخلاص النادر لشرف الأغنية، ما يجعل السماء تفتح بابًا من أبواب لطفها لرشيد غلام… ولنا معه.
الرابط المختصر هنا ⬇