ليس سؤالاً ذكياً: أيهما أجمل، العيد هنا أم هناك؟ حين تتحول الحياة إلى مقارنة مستمرة
في كل موسم عيد تقريباً، يعود السؤال ذاته بصيغ مختلفة: هل العيد في بلادنا أجمل أم في بريطانيا؟ وهل فقدت الأعياد معناها بعد الغربة؟ وهل يمكن للإنسان أن يشعر بالانتماء بعيداً عن المكان الأول؟
وربما تبدو هذه الأسئلة عفوية وبريئة، لكنها في الحقيقة تحمل افتراضاً غير منطقي، وكأن الإنسان يملك دائماً حرية الاختيار الكاملة بين حياة وأخرى، أو كأن بإمكانه أن يعلّق عمره كله بين مكانين فقط ليبقى وفيّاً لصورة قديمة في ذاكرته.
الحياة ليست بهذه البساطة. الناس لا ينتقلون بين البلدان كما ينتقل السائح بين الفنادق. هناك ظروف، ومسارات، وأقدار، وفرص، وأحياناً ضرورات لا يملك الإنسان أمامها إلا أن يتكيف ويكمل طريقه. ولهذا تبدو المقارنات المستمرة بين “هناك” و”هنا” مرهقة أكثر من كونها مفيدة.
الإنسان ليس شجرة ثابتة

أحد أجمل الأشياء في البشر أنهم قادرون على التأقلم. الإنسان ليس شجرةً محكومة بالبقاء في التربة نفسها طوال حياته. نحن نتغير، ونتعلم، ونعتاد، ونبني علاقات جديدة، ونخلق لأنفسنا شعوراً بالألفة حتى في الأماكن التي دخلناها غرباء في البداية.
وهذه القدرة على التكيف ليست خيانة للماضي كما يصورها البعض، بل جزء من النضج الإنساني. فمن غير الطبيعي أن يعيش المرء سنوات طويلة في بلد ما، يعمل فيه، ويكوّن صداقات، ويربي أبناءه، ثم يصرّ على التعامل معه وكأنه محطة مؤقتة لا أكثر.
الاندماج لا يعني التخلي عن الجذور، بل يعني التصالح مع الواقع. ويعني أيضاً احترام الحياة التي نعيشها فعلاً، بدلاً من البقاء أسرى مقارنة لا تنتهي بين ما كان وما هو كائن.
الذاكرة تنتقي ما تشاء

المشكلة أن الذاكرة البشرية ليست عادلة دائماً. فهي تحتفظ غالباً بالمشاهد الدافئة: أصوات الأقارب، رائحة الطعام، زيارات العيد، وضحكات الطفولة. ومع مرور السنوات، تتحول الذكريات إلى نسخة أكثر جمالاً ونعومة مما كانت عليه في الواقع.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش داخل ذاكرته فقط. فالحنين جميل عندما يمنحنا الدفء، لكنه يصبح عبئاً حين يمنعنا من بناء حياة مستقرة نفسياً في المكان الذي نعيش فيه الآن.
ليس مطلوباً من أحد أن ينسى بلده الأول، لكن ليس من العدل أيضاً أن يعيش طوال عمره شاعراً بالذنب لأنه استطاع أن يحب تفاصيل جديدة في بلد جديد.
الأعياد تُصنع بالناس لا بالجغرافيا

العيد ليس قطعة جغرافيا ثابتة. ليس اسماً لمدينة بعينها، ولا طقساً محدداً، ولا شارعاً قديماً فقط. العيد شعور يصنعه الإنسان بالعلاقات والسكينة والقدرة على مشاركة اللحظة مع من يحب.
قد يشعر شخص بالدفء في بيت صغير في لندن أكثر مما يشعر به في مدينة كاملة من الذكريات، والعكس صحيح أيضاً. المسألة ليست منافسة بين مكانين، بل علاقة نفسية وإنسانية مع الحياة نفسها.
والأهم من ذلك أن أبناء الجيل الجديد سيبنون ذاكرتهم هنا. سيكبرون على تفاصيل مختلفة، وسيعتبرونها طبيعية وجميلة كما اعتبرنا نحن تفاصيل طفولتنا يوماً ما. ومن القسوة أن نورثهم شعوراً دائماً بأن الحياة الحقيقية كانت في مكان آخر، وأن كل ما يعيشونه مجرد نسخة ناقصة من ماضٍ لم يعرفوه.
التقبل ليس استسلاماً

التكيف مع البلد الذي نعيش فيه ليس ضعفاً، وليس تنازلاً عن الهوية، بل نوع من الحكمة النفسية. فالإنسان الذي يتقبل واقعه ويبحث عن الجمال الممكن فيه يعيش بسلام أكبر من شخص يقضي عمره كله يقارن ويقاوم ويشعر أنه في مكان مؤقت مهما طالت السنوات.
لهذا أعتقد أن سؤال: أيهما أفضل، العيد هنا أم هناك؟ ليس سؤالاً دقيقاً من الأساس. لأن الحياة ليست اختبار وفاء بين وطنين، بل رحلة طويلة يتعلم فيها الإنسان كيف يصنع لنفسه معنى وطمأنينة أينما وجد نفسه.
وهذا ربما هو المعنى الأعمق للنضج: أن تتوقف عن الحرب مع الواقع، وأن تبدأ بالعيش فيه.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇