الإيكونوميست: لهذه الأسباب أصبح تشديد سياسات الهجرة عبئًا على بريطانيا
شهدت بريطانيا خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في سياسات الهجرة، بعدما انتقلت من واحدة من أكثر الدول الغربية انفتاحًا على العمالة والمهاجرين إلى واحدة من أكثرها تشددًا. ووفقًا لتقرير نشرته مجلة “الإيكونوميست”، فإن هذا التحول بدأ يترك آثارًا اقتصادية واجتماعية متزايدة على البلاد وسوق العمل.
من الانفتاح الواسع إلى الانكماش الحاد

بين عامي 2021 و2024 سجلت بريطانيا موجة هجرة غير مسبوقة، وصلت ذروتها في مارس 2023 مع دخول نحو 1.5 مليون مهاجر خلال عام واحد، فيما بلغ صافي الهجرة 944 ألف شخص بحسب مكتب الإحصاءات الوطنية.
وجاءت هذه الزيادة بعد أن اعتمدت الحكومة نظام تأشيرات أكثر مرونة عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما سمح باستقدام عمال من خارج أوروبا برواتب متوسطة، إضافة إلى تسهيلات للطلاب الأجانب للعمل بعد التخرج، إلى جانب استقبال لاجئين من أوكرانيا وهونغ كونغ.
لكن المشهد تغير سريعًا. فقد انخفض صافي الهجرة العام الماضي إلى 171 ألف شخص فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 2012 باستثناء سنوات جائحة كورونا. كما تراجعت طلبات تأشيرات العمال المهرة من 19,100 طلب قبل عامين إلى 5,900 فقط بين يناير ومارس من العام الحالي، في وقت تتراجع فيه أيضًا طلبات تأشيرات الدراسة.
ويرى جيمس باوز من جامعة وارويك أن صافي الهجرة قد يتحول إلى أرقام سلبية خلال عام 2026 إذا استمر الاتجاه الحالي.
ضغوط سياسية دفعت نحو التشدد
وبحسب التقرير، جاءت هذه السياسات استجابة لضغوط سياسية وشعبية متزايدة بشأن الهجرة، إذ سعت الحكومات المتعاقبة إلى تقليص مختلف أنواع الهجرة، سواء للعمال ذوي الأجور المنخفضة أو حتى أصحاب الكفاءات العالية.
ورغم هذا التشدد، ما زال نصف البريطانيين يعتقدون أن الهجرة في ارتفاع، ويربط التقرير ذلك بالتركيز الإعلامي والسياسي على ملف طالبي اللجوء الذين بقيت أعدادهم مستقرة عند نحو 100 ألف شخص سنويًا.
قيود متصاعدة على العمال والمهاجرين

بدأ التشدد الفعلي بعد إنهاء حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي في يناير 2021، حيث تراجعت الهجرة الأوروبية بشكل كبير، لكن الحكومة عوضت ذلك حينها بتوسيع استقدام العمال من آسيا وأفريقيا.
وارتفع عدد تأشيرات العمل والدراسة الممنوحة للهنود، الذين أصبحوا أكبر مجموعة مهاجرة، إلى ثلاثة أضعاف بين عامي 2019 و2022، بينما ارتفعت التأشيرات الممنوحة للنيجيريين عشرة أضعاف خلال الفترة نفسها.
غير أن بريطانيا عادت لاحقًا لتشديد القيود تدريجيًا. ففي عام 2024 رفعت الحكومة الحد الأدنى للرواتب المطلوبة لتوظيف العمال الأجانب، كما رفعت الرسوم المفروضة على المهاجرين لاستخدام الخدمات الصحية، رغم أنهم يدفعون الضرائب أساسًا.
كذلك مُنع عمال الرعاية من اصطحاب عائلاتهم، فيما ارتفع الحد الأدنى للدخل المطلوب لجلب الزوج أو الزوجة الأجنبية بنسبة 55%.
واستمرت القيود في عهد حكومة حزب العمال، إذ رُفعت حدود الرواتب مجددًا خلال عام 2025، وأصبحت تأشيرات العمل الطويلة تُمنح غالبًا للوظائف المصنفة “عالية المهارة” فقط. كما زادت الرسوم التي تدفعها الشركات لتوظيف العمال الأجانب إلى 1320 باوند سنويًا، مع تشديد متطلبات اللغة وتقليص مدة بقاء الطلاب الأجانب بعد التخرج من عامين إلى 18 شهرًا فقط.
ورغم أن الحكومة تقول إنها تسعى لتقليص الاعتماد على العمالة منخفضة المهارة، إلا أن القيود الجديدة طالت أيضًا قطاعات تعتمد على الكفاءات العالية.
فعدد تأشيرات العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات انخفض من نحو 28 ألف تأشيرة في عام 2022 إلى 10 آلاف فقط العام الماضي.
كما أشار التقرير إلى أن بعض المهاجرين المهرة قد يعجزون عن استيفاء شروط الرواتب أو اللغة الجديدة، بينما يتأثر آخرون بالمناخ السياسي المعادي للهجرة.
وكان رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر قد انتقد منح “عدد كبير جدًا” من التأشيرات للمهندسين، فيما قالت وزيرة الداخلية شابانا محمود إن بعض القطاعات أصبحت “مدمنة تقريبًا على استيراد العمالة الرخيصة”.
المهاجرون يحققون دخولًا أعلى من البريطانيين

وعلى خلاف الصورة المتداولة سياسيًا، يوضح التقرير أن كثيرًا من المهاجرين يحققون مستويات دخل مرتفعة نسبيًا.
فمتوسط دخل الموظف الهندي داخل بريطانيا يبلغ 32,400 باوند سنويًا، بينما يصل متوسط دخل الموظفين المولودين في نيجيريا إلى 34 ألف باوند، مقارنة بمتوسط يبلغ 30,900 باوند للبريطانيين المولودين في البلاد.
كما أظهرت بيانات “مرصد الهجرة” أن المهاجرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي يبدأون غالبًا بأجور منخفضة، لكن دخولهم ترتفع بسرعة وتتجاوز المتوسط الوطني مع مرور الوقت.
وفي أحدث خطواتها لخفض الهجرة، تدرس الحكومة البريطانية تمديد فترة الحصول على الإقامة الدائمة والجنسية من خمس سنوات إلى عشر سنوات، مع فرض فترات انتظار أطول على أصحاب الدخل المنخفض.
لكن هذه الخطط تواجه اعتراضات داخل حزب العمال نفسه، حيث وصفت أنجيلا راينر، القيادية البارزة في الحزب، هذه المقترحات بأنها “غير بريطانية”، لأنها تستهدف أشخاصًا استقروا بالفعل داخل البلاد.
ويرى التقرير أن إبقاء المهاجرين لفترات أطول دون إقامة دائمة أو جنسية قد يحقق عائدات مالية للحكومة عبر الرسوم والضرائب، لكنه في المقابل يقيّد حركة العمال ويمنعهم من تغيير وظائفهم بحرية، ما يضعف إنتاجيتهم الاقتصادية.
المصدر: economist
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇