العرب في بريطانيا | وأن إلى ربك المنتهى

وأن إلى ربك المنتهى

وأن إلى ربك المنتهى
رشيد غلام مايو 24, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

من زاوية في غرفة المستشفى مسجّى بين يدي الرضى في كنف العناية الإلهية مريض، أكتب لكم هذه الخواطر المسبحة باسم ربها، والموقنة بكرمه وجوده.

لست أكتب عن المنتهى لإحساس دنوه، بل تدبرًا فيه فقط، إذ إن حالة المريض في تدهور صحته وضعفه؛ تشبه حالة انتهاء مسيرته وقرب انقضاء أجله في العام الأغلب. وإلا فانقضاء الأجل ليس له علامات.

أشارككم هذه الخواطر بقلب فارغ خال من كل الآمال والمطامح والتعلقات، إلا من أمل جم في أن يرضى الله عنه كمال الرضى، ويسبغ عليه نعمة العافية.

كل شيء ينتهي إلى الله عز و جلّ. والإنسان في تقلب أحواله إلى ربه سائر، ومنتهاه إليه صائر. كقطرة ماء تبلغ مداها وتصل إلى محيطها ومنتهاها، بعدما فُصلت عنه وطافت في رحلة الحياة بين السحاب والتراب والأنهار، وخالطت الأجسام في النبات والذوات. تعود من غربتها الطويلة إلى مداها بعدما شقت مسافة بعيدة في التنقل والتقلب بين الأعراض.

في حالة قرب الإنسان من المنتهى؛ يتذكر كل من لقيهم في حياته، ولا سيما من علق به شيء منهم أو تعلق بهم شيء منه. يتذكر الأهل والوالدين اللذَين كانا سببًا في وجوده، ويتذكر الأولاد الذين كان هو سببًا لوجودهم، يتذكر الإخوان والخلّان والأصدقاء، تستحضر ذاكرته أيام الصبا والشقاوة والنشاط والشباب.

يتذكر ما مر عليه من فعل وترك وأحداث، ويعلم يقينًا أن كل هذه الأحداث، كانت تدفعه وتصنعه لأجل محتوم ومنتهى بصفة معينة، أجلٍ لا محيد له عنه. مقدر في أزل الله السابق. وما الدنيا إلا تحقيق لما دبرته المشيئة الحكيمة. تتذكر ليلة غلبك فيها البكاء من وجع، وتتذكر انتعاشة وفرحة عشتها بملامسة موج البحر.

تتذكر مواقف الناس الأوفياء الذين دعموك وتتذكر غيرهم الذين خذلوك، تتذكر كل حُنو اكتنفك، وكل جرح آلمك.

كنت تكبر ويتقدم بك العمر، كنت تسعى إلى نهايتك في الحقيقة، وكنت تستنفد رصيدك من الأنفاس المحددة لك. وكنت تقترب من المنتهى المحتوم. كانت كل ذرة فيك تطلب مستقرها، وكانت الروح منك تسعى إلى بارئها العظيم.

كل شيء كان يسعى بك إلى الله منتهاك، من عنده سبحانه كان البدءُ، عندما كنت عينًا ثابتة. ثم أوجدك خلقًا على أحسن ما يكون الإيجاد، إنسانًا على صورته في عالم الإمكان، ونفخ فيك من روحه، وإليه يصير الانتهاء بعد رحلة الخلق والابتلاء. تحور كل المُوجدات إليه. منهم من انتبه إلى أن الحياة رحلة ابتلاء فقط، وأن إلى ربك الرجعى، ومنهم من ألهته الحياة عن المصير والإياب. وغفل بالأشياء والزمان والأهواء عن السير إلى الله.

يتذكر الإنسان أن حبَّه للخير، أو مَا تصوره خيرًا له، في صورة حب الأشياء والحظوات والأشخاص هو الذي انتهى به إلى هذا المنزل الأخير. قدرًا مقدورًا، واستجابة قدرية مطيعة لأمر الله الوجودي، إنفاذًا للقانون الإلهي (زُيِّن)، وهذا الحب العظيم هو نفسه توحد ليسوقه وجودًا إلى الانتهاء الأخير.

عبر كل شيء كان الله يناديك إليه، عساك تجيب من قريب المسالك وتسعى إليه، بالمرض والفقر والعجز والخير والسعادة، كان يقهرك لتنتبه للرجعى، بالفَقد للناس والأشياء والأماكن والأحوال حتى لا تركنَ لشيء يعطل سعيك، ولتنتبه أن كل شيء إلى زوالٍ، إلا وجهه الكريم سبحانه. وكان يذيقك طعم السعادة لتحن إلى السعادة الأبدية العظمى.

كل من صادفتهم في حياتك صنعوك، وكل ما فعلته صنعك، كل ألم ووجد وفقد وسرور صنع نموذجك، صنع وجدانك وكيانك الذي تنتهي عليه، وبحكم المشيئة لم تكن لتكون على غير ما أنت عليه. فلتسكن إلى المشيئة الأزلية القديمة، وتطئمن أن عاقبتك مرادةً له سبحانه وهي محمودةٌ لأنها فعلُ الحميد. فتأهب للقاء الله الذي اختار لك أحسن ختام يليق بك، في كل الأحوال ذاك أحسن ختام يليق بك. صنعه مدبر حكيم له الحكم والأمر.

توالت على قلبك كل المشاعر وأضدادها، في شخوص من البشر أمثالك، حتي تطهر بمخالطتهم أو تنجس، وحتى يلبسَ قلبك الخلعة التي تليق به، وتجهد نفسك أن تأتي الله بقلب سليم.

نحن نعرف بالقياس والمماثلة كيف يكون اللقاء بالحبيب، وكيف يأنس الوليد في حضن أمه، وكيف يرتاح العاشق لمعشوقه، لكن يعجز الخيال أن يعرف كيفية اللقاء بالله عز وجل، وكيفية الانتهاء إليه. ترى كيف القدوم على الله أيها العبد الأواه؟ كيف القدوم على الباري الذي خلقك وسواك وعدلك في أحسن صورة؟ كيف القدوم على الله بعد هذه الرحلة العظيمة بابتلائها شرًّا وخيرًا، قبضًا وبسطًا؟

لا بد أنه جميل لأنه مع الله اللطيف الودود الكريم.

لا تجعل تسميات الآخرة وصفاتها تلهيك على أن الأمر لقاء بالله في مضمونهِ. ولاتدع منازل القبر والبعث والنشور، تنسيك أن الغاية لقاء الله، والرجوع إليه.

المنتهى إلى الله سبحانه، ولك أن تختار في الحياة الدنيا صورة الوجه الذي تريد أن تقابله به، وشكل الصفة التي تريد أن تخلد بها في جواره الكريم. في درج السعداء به، في الدنيا جعل لك ميدان تحقيق ذلك، وعرّفك كيف ذلك وأرسل لك من يعينك عليه.

في حال المنتهى يشغل الإنسان السؤال عن الله سبحانه عز وجل، إذ إنك صائر إليه. هل هو خالق قادر، قدر الأقدار وأنزل الشرائع، وأمرك ونهاك، وسينصب لك الميزان يوم الحساب، أم هو مدبر حكيم صانع مقتدر أجرى الأمور على نحو حكمته فهي تسير إلى مقتضى الانتهاء الذي شاء لها. أو حبيب لطيف كريم فطر الوجود بمحبته، وأوجدك لأنه أحبك أول مرة، أحبك في توجهه الأول لك بالإيجاد. تعلقت إرادته بك، أحبك في خلقك وجلب الإرفاق إليك نفعًا ودفعًا، ولطف بك في كل تصاريف حياتك حتى يوصلك إليه، وينتهي أمرك في واسع فضله، كما ابتدأ في الأول ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾.
إلى الله المنتهى، بانتهاء الجسد إلى تربة خلق منها، ودخول الروح إلى عالم الملكوت، عبر فوهة الموت، حيث تتحرر من أسر الجسد وسجنه وضيقه، وتكتشف الروح أنها نفحة لطيفة من الله، فتنطلق إلى رحاب الله في الملكوت وبحر الخلود.
نعيده من حيث بدأ. هو الآن في رحلة وغربة، وشوقه إلى داره وأنسه الحقيقي في مزاره. كانت دنياه امتحانًا. وكان جسده قفصًا.

إلى الله المنتهى، منتهى الآمال والأعمال والمطامح، منتهى كل ساعٍ وكادٍّ وخامل، منتهى كل حركة، كل ذرة ونعمة، منتهى كل نسمة، منتهى كل موجود، منتهى الرحلة تلتقي الطيور بالسميدع، تلتقي من كانت تصعد إليه أنفاسك وآهاتك، وعملك الطيب، تلتقي النجوى بسامعها، والشكوى بمجيبها، يلتقي الطالب بالمطلوب، والمحب بالمحبوب.

إنه يوم عرسك الكبير، وعيدك المزهر، وتحفتك المخبوءة. إنه اللقاء بالكريم الأبدي والنهاية المرتقبة. إنه اللقاء الأخير، الوصول الذي لا انتقال بعده، لقاء الإنسان بالله.

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

كتبه الراجي كرم ربه وعظيم عطائه رشيد غلام.

من مستشفى بلندن.


 

اترك تعليقا