الإيكونوميست: مدينة “بيرمنغهام” ذات الإرث التاريخيّ تدخل نفقاً مظلماً
تتحوّل برمنغهام، ثاني أكبر المدن البريطانية، من حالة الاختلال الإداري المزمن إلى وضع أكثر قتامة وسوءاً، لتدخل نفقاً مظلماً يهدد بنسف إرثها التاريخي ومكانتها الاقتصادية. المدينة التي كانت تُصنّف في أواخر القرن التاسع عشر بصفة أفضل مدينةٍ تُدار وتحكم في العالم، باتت اليوم تكافح تحت وطأة الانهيار المالي والسياسي، وسط تساؤلات حادّة ومخاوف عميقة تحيط بمستقبل استقرارها الخدمي والاجتماعي.
تستعرض المادة التحليلية الصادرة عن مجلة “الإيكونوميست” الأبعاد المختلفة لهذه الأزمة المركبة وفقاً للمحاور والتفاصيل التالية:
1. جذور الأزمة المالية وتاريخ إعلان الإفلاس الفعلي

يعود الجرح الغائر في جسد برمنغهام إلى الإعلان الرسمي الصادر في الخامس من سبتمبر من عام ألفين وثلاثة وعشرين، عندما أعلن مجلس بلدية برمنغهام، الخاضع تاريخياً لسيطرة حزب العمال، وقوعه تحت طائلة الإفلاس الفعلي عبر تفعيل إشعار المادة 114 من قانون تمويل الحكومة المحلية. هذا الإجراء القانوني يعني توقف المجلس عن أي إنفاق مالي خارج نطاق الخدمات القانونية الإلزامية وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، ليعلن بشكل صريح عجز ميزانيته عن تحقيق التوازن المطلوب قانوناً.
ولم يكن هذا السقوط وليد الصدفة، بل نتاج تراكماتٍ هيكليّةٍ لعلّ أبرزها الفاتورة الباهظة لقضايا الأجور المتساوية. واجهت المدينة على مدار سنوات مطالباتٍ تعويضيّةً قانونيّةً هائلةً تقدّر بمئات الملايين من الباوندات، نتيجة تسويات تاريخية لعدم المساواة في الأجور بين الجنسين لوظائف خدمية وعمالية متشابهة. وتزامن هذا النزيف المالي مع فشل ذريع واجهته البلدية في ترقية وتحديث أنظمة الحوكمة الإلكترونية وإدارة الموارد التقنية، مما ضاعف التكاليف والمصاريف التشغيلية بشكل غير متوقع، إلى جانب سياسات التقشف المالي الممتدة لأعوام والتي تقلّصت بموجبها المنح والتمويلات الحكومية المركزية الموجهة للمجالس المحلية في عموم البلاد.
2. تداعيات الانهيار الإداري على الخدمات العامة اليومية

تنعكس هذه الأزمة الطاحنة بشكل مباشر وقاسٍ على الحياة اليومية لما يقارب مليوناً ونصف المليون من السكان. اضطر المجلس البلدي إلى إقرار حزمة تخفيضات شرسة شملت قطاعات حيوية متعددة لتقليص النفقات وسد العجز المالي المتفاقم. وتجسّدت هذه الإجراءات في تراجع وتيرة جمع النفايات والنظافة العامة، وتقليص ميزانيات صيانة الطرق الأساسية، وخفض مستويات إنارة الشوارع ليلاً لتوفير الطاقة والكلفة التشغيلية.
ولم تتوقف إجراءات التقشف عند الخدمات اللوجستية، بل امتدت لتطال القطاعات المجتمعية والثقافية، حيث باتت المكتبات العامة والمراكز الثقافية التي تمثل رئة المدينة الفكرية مهدّدة بالإغلاق أو بتقليص ساعات خدماتها بشكل حاد. ولم يتوقف الأمر عند حدود الحرمان من الخدمات، بل امتدّ لفرض زيادات قياسية وغير مسبوقة في الضرائب المحلية، مما وضع عبئاً مالياً مضاعفاً على كاهل المواطنين الذين باتوا يدفعون أموالاً أكثر مقابل خدمات أقل جودة وكفاءة.
3. الأبعاد الاجتماعية والديموغرافية للمدينة والمجتمع المسلم

تتطرق القراءة التحليلية للمدينة إلى طبيعة تركيبتها السكانية الفريدة؛ إذ تعد برمنغهام واحدة من أكثر المدن تنوعاً عرقياً وثقافياً في المملكة المتحدة. وتشير البيانات الرسمية والتعدادات السكانية إلى أن التجمعات السكانية المتنوعة ذات الخلفيات الإثنية المختلفة، تشكل مجتمعة أكثر من نصف التعداد السكاني الإجمالي للمدينة، مما يمنحها طابعاً حيوياً متميزاً، بينما يمثل المجتمع المسلم المكون الديني الأكبر بعد المسيحيين بنسبة تقارب 30% من السكان.
وتربط التحليلات السياسية بين الفشل الإداري للمجلس البلدي والواقع الاجتماعي للأحياء المكتظة، حيث يرى الخبراء أن هذه الأزمات الهيكلية والاقتصادية لا تصيب المؤسسات وحدها، بل تضرب في عمق النسيج المستقر، لكون الفئات ذات الدخل المحدود والأسر المقيمة في المناطق السكنية الأكثر حيوية هي الأكثر اعتماداً على خدمات الدعم الاجتماعي، والمراكز الشبابية، والرعاية التابعة للبلدية. ومع غياب هذا الدعم الرسمي وتدهور البيئة الخدمية المحيطة، تزداد مخاطر التهميش الاقتصادي والاجتماعي، مما ينذر بتحول الأزمة المالية الإدارية القائمة إلى تحدٍّ مجتمعي طويل الأمد يعيد صياغة مستقبل المدينة.
الواقع الحالي لحضور الأحزاب في بلدية بيرمنغهام
بعد انتخابات مايو 2026 أصبح مجلس مدينة بيرمنغهام مكوّناً من 101 مقعد، ولم يحصل أي حزب على أغلبية مطلقة، ما وضع المجلس في حالة “No Overall Control”.
وجاء التوزيع الحزبي النهائي للمقاعد على النّحو الآتي:
- ريفورم: 23 مقعداً
- حزب الخضر: 19 مقعداً
- حزب العمال: 17 مقعداً
- المحافظون: 16 مقعداً
- الديمقراطيون الأحرار: 12 مقعداً
- المستقلون: 13 مقعداً
- حزب العاملين / غالوي Workers Party: مقعد واحد
المصدر: الإكونوميست
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇