على ضفاف الغربة.. النساء المهاجرات في أوروبا بين وجع الرحيل واتساع الحلم
الهجرةُ هي اقتلاعٌ بطيءٌ للروح من أمكنتها الأولى، من رائحة الخبز في الصباح، ومن صوت الأم وهي تنادي أبناءها بأسمائهم القديمة، ومن الأزقة التي تحفظ وقع الخطوات ولو بعد غياب. وحين تكون المهاجرة امرأة، يصبح الطريق أثقل من أن يُقاس بالمسافات وحدها، لأنّ المرأة لا تحمل حقيبة سفر فقط، فهي تحمل وطناً كاملاً فوق كتفيها؛ تحمل خوف العائلة، وذكريات الطفولة، وصور البيوت التي أُغلقت على عجل، وأسماء تركتها خلفها كي لا تبكي أكثر.
النساء المهاجرات في أوروبا لا يعبرن البحر وحدهنّ، ولكن يعبرن أعماراً كاملة. يخرجن من بلادٍ أنهكتها الحروب أو الخسائر أو الخوف، ويدخلن مدناً باردةً لا تعرف وجوههن، ولا تفهم ارتجافة اللغة على ألسنتهن. هناك، في المطارات ومحطات القطارات ومراكز اللجوء، تبدأ الحكاية الحقيقية؛ حكاية امرأةٍ تحاول أن تجمع ما تبقّى منها وسط عالمٍ جديدٍ لا يمنح الطمأنينة بسهولة.
في السنوات الأولى للهجرة، تصبح التفاصيل الصغيرة معارك يومية. ورقةٌ رسمية قد تُشعر المرأة بالعجز لأنّها لا تفهم اللغة، وموعدٌ في دائرة حكومية قد يتحول إلى ليلةٍ كاملةٍ من القلق، ومكالمةٌ هاتفية قصيرة قد تجعلها تشعر بأنّها غريبةٌ حتى عن صوتها. وكلّما حاولت أن تتعلّم الحياة الجديدة، اكتشفت كم أنّ الغربة شعورٌ ثقيلٌ يشبه الوقوف طويلاً خارج نافذة مضاءة دون القدرة على الدخول.
المرأة المهاجرة تُرهقها الأشياء التي لا يراها أحد. تُرهقها محاولتها الدائمة لأن تبدو قوية، حتى حين تكون منهكة من الداخل. ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى الرجل المهاجر بوصفه باحثاً عن عملٍ أو استقرار، تُحمَّل المرأة غالباً أدوار لا تنتهي؛ عليها أن تكون الأمّ الحنون، والزوجة الصبورة، والمترجمة للعائلة، والحارسة الأخيرة لما تبقّى من اللغة والعادات والذاكرة.
وحين تدخل المرأة المهاجرة المجتمع الأوروبي، تجد نفسها واقفةً بين عالمين؛ عالمٍ قديمٍ تخشى أن تفقده، وعالمٍ جديدٍ يحاول أن يعيد تشكيلها بطريقته. داخل البيت، تحافظ على الأطعمة القديمة، وعلى الأغاني التي كانت تسمعها في طفولتها، وعلى الكلمات التي تُشبه بلادها. وخارج البيت، تحاول أن تتعلّم قوانين الحياة الجديدة، وأن تُخفي ارتباكها، وأن تبدو منسجمةً مع مدينةٍ لا تعرف عنها شيئاً.
وفي كثير من الأحيان، تواجه النساء المهاجرات نوعاً مضاعفاً من الوحدة. فالغربة لا تعني فقط الابتعاد عن الوطن، فهي قد تعني أيضاً الابتعاد عن الذات القديمة. بعض النساء يشعرن بأنّهن فقدن صورتهن الأولى؛ المرأة التي كانت تعرف الطريق، وتعرف الناس، وتفهم العالم من حولها بسهولة. أما هنا، فكل شيء يحتاج إلى شرح، وإلى جرأة، وإلى بدايةٍ جديدة.
ورغم ذلك، تستمر النساء في المقاومة بصمتٍ مذهل. ففي الصباحات الباردة التي يركضن فيها نحو أعمالٍ متعبة، وفي الليالي الطويلة التي يقضينها في تعلّم لغةٍ جديدة، وفي خوفهنّ الدائم على الأبناء من الضياع بين ثقافتين، تُولد شجاعةٌ لا يلتفت إليها كثيرون. شجاعةُ امرأةٍ قررت أن تُكمل الطريق رغم كل شيء.
العديد من النساء المهاجرات في أوروبا يعملن في وظائف مرهقة لا تُشبه أحلامهن الأولى. طبيباتٌ لم يشعرن بما أردن فعلاً، ومدرّساتٌ اضطررن للبدء من الصفر، ونساءٌ يحملن شهاداتٍ وخبرات لكنّ أسماءهن الأجنبية أو لغتهن المكسورة كانت كافيةً أحياناً لإغلاق الأبواب في وجوههن. وبعضهنّ يواجهن نظرات التمييز بسبب الحجاب، أو اللون، أو اللهجة، أو حتى بسبب الصورة النمطية التي تضع المرأة المهاجرة دائماً في خانة الضعف والحاجة.
لكنّ الحكاية لا تتوقف عند الألم وحده. ففي قلب هذه المعاناة، تنمو نساء جديدات. نساء تعلّمن كيف يصنعن لأنفسهن مكاناً في المدن البعيدة، وكيف يحوّلن الخوف إلى خبرة، والانكسار إلى قوة. كثيرات بدأن مشاريع صغيرة من مطابخهن، وأخريات عدن إلى الدراسة بعد سنواتٍ من الانقطاع، وبعضهن أصبحن أصواتاً تدافع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين، لأنّ من عاش الوجع يعرف جيداً كيف يتحدث عنه.
الهجرة تمنح النساء أحياناً فرصةً لإعادة اكتشاف أنفسهن بعيداً عن القيود القديمة. فبعض النساء اللواتي عشن سنواتٍ طويلة داخل حدودٍ ضيقة، وجدن في المجتمعات الأوروبية مساحةً أوسع للتعلّم والعمل والاستقلال واتخاذ القرار. وهناك من اكتشفت للمرة الأولى أنّ لها الحق في أن تحلم لنفسها، لا فقط للآخرين.
ومع مرور الوقت، تبدأ المرأة المهاجرة بصناعة وطنٍ صغير داخل الغربة؛ وطنٍ من الأصدقاء، والذكريات الجديدة، والمقاهي التي اعتادت الجلوس فيها، والشوارع التي لم تعد تخيفها كما في البداية. وتدرك شيئاً فشيئاً أنّ الإنسان قد يعتاد المنافي، لكنّه لا ينسى جذوره أبداً.
فالنساء المهاجرات لا يعشن بين حقيبتين فقط، بل بين قلبين؛ قلبٍ بقي هناك، عند البيوت الأولى والوجوه القديمة، وقلبٍ يحاول أن يتعلّم الحياة هنا دون أن يفقد نفسه. وبين تعب العمل، وبرودة المدن، ورسائل الأمهات البعيدة، وقلق المستقبل، تستمر هؤلاء النساء في كتابة أكثر قصص العصر إنسانيةً وصدقاً؛ قصص النساء اللواتي عبرن الحدود وهنّ يحملن أوطانهنّ في الداخل، ومشين في الغربة بقلوبٍ متعبة، لكنّها لم تتوقف يوماً عن الحلم.
الرابط المختصر هنا ⬇