العرب في بريطانيا | المهجّر كنعمةٍ لا كنقمةٍ

المهجّر كنعمةٍ لا كنقمةٍ

المهجّر كنعمةٍ لا كنقمةٍ
أميرة عليان تبلو مايو 13, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس المهجّرُ دائماً تلك الحقيبة الثّقيلة الّتي نجرُّها خلف أرواحنا، ولا هو ذلك الجدار البارد الّذي يفصل الإنسان عن جذوره كما يُفصل الغصن عن شجرته. كثيرون ينظرون إلى الغربة بوصفها عقوبةً مؤجّلةً، أو منفى طويلاً لا ينتهي، حتّى تكاد كلمة “المهجّر” في الوعي الجمعي ترتبط بالفقد والتّيه والانكسار. غير أنّ الحياة أعمق من أن تُختصر في زاوية واحدة، والإنسان أعقد من أن يُعرَّف بمقدار ما خسره فقط. فالّذي يخرج من وطنه لا يخرج دائماً مهزوماً، وإنّما قد يخرج ليكتشف نسخةً أخرى من نفسه، نسخةً لم تكن لتولد لولا تلك المسافات الّتي أوجعتها الطّرق.

إنّ الإنسان، بطبيعته، كائنٌ يألف ما اعتاده، ويخاف المجهول ولو كان يحمل له الخلاص. لذلك تبدو الغربة في بدايتها كأنّها اقتلاعٌ قاسٍ من التربة الأولى. يترك المرء الأزقّة التي حفظت خطواته، والأصوات الّتي كانت تمنحه شعور الطّمأنينة، والوجوه الّتي كانت تعرفه دون شرح. وفجأةً يجد نفسه في مكانٍ لا يعرف فيه أحداً، ولا يعرفه أحد. عندها يشعر أنّه عارٍ أمام العالم، بلا ظلالٍ تحميه، وبلا ذاكرةٍ مشتركة تربطه بما حوله.

لكنّ المفارقة العجيبة أنّ الإنسان كثيراً ما يكتشف ذاته الحقيقية حين يفقد الأشياء التي اعتاد الاحتماء بها. ففي الوطن، قد يعيش المرء داخل دائرةٍ مغلقة من الأسماء والعادات والتوقّعات الاجتماعية، حتى يظن أنّه يعرف نفسه، بينما هو في الحقيقة يعرف الصورة التي رسمها له الآخرون. أمّا في المهجر، فإنّ تلك الأقنعة تتساقط واحدةً تلو الأخرى، ويقف الإنسان وجهاً لوجه أمام حقيقته. هناك يبدأ بالسّؤال لأوّل مرة: من أنا بعيداً عن القبيلة، وعن الحيّ، وعن التاريخ الذي كنت أستعيره كي أشعر بالانتماء؟

ولهذا، فإنّ الغربة رحلةٌ داخل النفس. إنّها اختبارٌ يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويجبره على أن يكتشف قوته التي لم يكن يعلم بوجودها. كم من شخصٍ كان يظنّ نفسه هشّاً، حتى وجد نفسه في بلادٍ جديدة يتحمّل المسؤوليات وحده، ويتعلّم لغةً جديدة، ويبني حياةً كاملةً من الصفر! وكم من إنسانٍ كان يعيش مستسلماً للركود، حتى جاءت الغربة فهزّته بعنفٍ ليُدرك أنّ بداخله قدرةً هائلة على النهوض!

المهجّر لا يمنح الإنسان الراحة دائماً، لكنه يمنحه شيئاً أعظم: الوعي. ففي الغربة تتسع العين لرؤية العالم كما هو، لا كما صوّرته البيئة الضيقة. هناك يلتقي الإنسان بثقافاتٍ مختلفة، وعقولٍ متباينة، وتجارب لم يكن ليتخيّلها. يدرك أنّ البشر، مهما اختلفت لغاتهم وألوانهم، يحملون الخوف ذاته، ويحلمون بالأمان ذاته، ويبكون بالطريقة نفسها حين ينكسر القلب. وعندما يصل الإنسان إلى هذا الإدراك، يتخفف من كثيرٍ من التعصّب الذي كان يسكنه دون أن يشعر.

ولعلّ أجمل ما في المهجر أنّه يعلّم الإنسان قيمة الأشياء التي كان يظنّها عادية. في الوطن، تمرّ تفاصيل كثيرة مروراً عابراً؛ رائحة الخبز، صوت الأم، ضجيج الشوارع القديمة، جلسات الأصدقاء، حتى الأذان الذي كان يتسلل إلى الروح دون انتباه. لكنّ الغربة تجعل الإنسان يرى هذه الأشياء بعينٍ جديدة، كأنّه يكتشف قدسيتها بعد فوات الأوان. وهنا تتحول الذاكرة من مجرد أرشيفٍ للأحداث إلى وطنٍ داخليّ يسكن القلب أينما ذهب صاحبه.

غير أنّ المشكلة لا تكمن في المهجر ذاته، تكمن في الطريقة التي ننظر بها إليه. فبعض الناس يعيش الغربة بعقلية الضحية؛ يعدّ الأيام انتظاراً للعودة، ويرفض أن يتصالح مع واقعه الجديد، فيتحول إلى إنسانٍ معلّق بين أرضين: لا هو عاش الوطن، ولا استطاع أن يعيش المهجر. بينما آخرون فهموا أنّ الحياة لا تمنح الإنسان رفاهية التوقف الطويل عند الخسائر، فاختاروا أن يجعلوا من الغربة فرصةً للنمو لا حفرةً للبكاء.

ليس معنى ذلك أن الإنسان يجب أن ينسى وطنه أو يتخلّى عن حنينه، فالحنين جزءٌ من إنسانيتنا، لكن الفرق كبير بين أن تحمل وطنك في قلبك، وبين أن تحمله كقيدٍ يمنعك من الحياة. الإنسان الناضج لا يخون ذاكرته، لكنه أيضاً لا يسمح لها أن تبتلعه. فالوطن الحقيقي ليس مجرد قطعة أرض، ولكن حالة شعورية من الأمان والمعنى والانتماء. وأحياناً يضطر الإنسان أن يبتعد عن أرضه كي يجد نفسه، ثم يعود إليها يوماً بروحٍ أكثر اتساعاً وفهماً.

إنّ المهجر، في جوهره، مدرسةٌ قاسية لكنها عظيمة. يعلّم الإنسان أن الكرامة لا ترتبط بمكان، وأن القيمة الحقيقية للمرء فيما يبنيه داخل نفسه، لا فيما ورثه من أسماءٍ وحدود. وفي الغربة يتعلّم الإنسان أيضاً معنى الاعتماد على الذات؛ فلا أحد هناك يحمل عنه أعباءه، ولا أحد يمهّد له الطريق. لذلك ينضج سريعاً، وتكبر روحه على مهلٍ تحت ضغط التجارب.

وقد يكون أعظم ما تمنحه الغربة للإنسان هو قدرتها على تحريره من أوهام كثيرة. ففي المهجر يدرك المرء أنّ العالم لا يدور حول حزنه وحده، وأنّ كل إنسان يحمل غربته الخاصة بطريقةٍ ما، حتى وإن عاش في وطنه. فثمة أناس يعيشون بين أهلهم لكنّهم غرباء في أرواحهم، وثمة آخرون وجدوا في بلادٍ بعيدة سلاماً لم يعرفوه في أوطانهم. الغربة الحقيقية ليست غياب المكان، بل غياب الطمأنينة.

لهذا، فإنّ المهجر ليس نقمةً خالصة كما يظن البعض، وإنّما قد يكون نعمةً متخفيةً بثياب التعب. نعمةً لأنّه يكشف الإنسان لنفسه، ويعيد ترتيب أولوياته، ويجعله أكثر اتساعاً وإنسانيةً وصلابة. وربما كانت بعض الطرق الطويلة ضرورية كي نصل إلى النسخة الأعمق من ذواتنا.

فالإنسان لا يُقاس بعدد الأمكنة التي عاش فيها، ولكن يقاس بعدد المرّات التي استطاع فيها أن يولد من جديد، والمهجر، مهما كان قاسياً، يبقى واحداً من أكثر الولادات ألماً… وأكثرها نضجاً.


 

اترك تعليقا