قبل الجنسية: كيف يعيش المغترب داخل السياسة لا على هامشها؟
في اللحظة التي تخرج فيها من باب المطار، وحقيبتك تجرّ خلفك صريراً على الأرض اللامعة، قد تظن أن السياسة صارت بعيدة عنك.
في وطنك الأصلي هناك، أوهنا في مبنى البرلمان، خلف أبواب خشبية ثقيلة، وعلى شاشات أخبار لا تعرف أسماء مذيعيها بعد، وفي نقاشات لا تزال لغتها باردة على أذنك.
لكنك لا تعرف أن السياسة قد خرجت معك من المطار.
تمشي بجانبك في ختم الدخول، وفي عقد السكن، وفي موعد الطبيب، وفي أول رسالة تأتي من مدرسة ابنك، وفي فاتورة المجلس المحلي، وفي الشارع الذي تسكنه، وفي الحديقة التي يلعب فيها أطفالك، وفي الخبر في التلفاز الذي يراك قبل أن يعرف اسمك: مهاجر، مسلم، عربي، لاجئ، طبيب، طالب، عامل، غريب.
قد لا تملك حق التصويت.
وقد لا تنوي البقاء حتى تحصل على الجنسية.
وقد تقول لنفسك: “أنا هنا مؤقتاً، فما علاقتي بالسياسة؟”
لكن الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك: أنت قد تكون خارج سجل الناخبين، لكنك لست خارج أثر السياسة فالسياسة لا تنتظر جنسيتك
السياسة لا تسألك أولاً: هل تحمل جوازاً بريطانياً؟
هي تدخل حياتك قبل ذلك بكثير.
تدخل عندما تبحث عن بيت فتجد أن قوانين السكن تحدد أين تسكن وبكم تسكن.
تدخل عندما تذهب إلى GP فتفهم أن الصحة ليست فقط طبيباً ومريضاً، بل نظاماً وتمويلاً وانتظاراً وأولويات.
تدخل عندما يقف طفلك في بوابة المدرسة، ويده الصغيرة داخل يدك، وتقرأ في عينيه سؤالاً لا يعرف كيف يصوغه: “هل هذا المكان لي أنا أيضاً؟”
وتدخل عندما تسمع نقاشاً عاماً عن الهجرة، أو عن اللاجئين، أو عن المسلمين، فتكتشف أن السياسة ليست خبراً بعيداً. إنها أحياناً تصبح وصفاً لك، قبل أن تتكلم.
لذلك، أخطر خطأ يقع فيه المغترب أن يظن أن الحياة السياسية تبدأ يوم يحصل على الجنسية. فالجنسية قد تمنحك حقاً انتخابياً واضحاً، لكنها لا تُنشئ علاقتك بالبلد من العدم، ولا تؤرِّخ لبدايتها. علاقتك بالبلد تبدأ من أول يوم تعيش فيه تحت قوانينه، وتستخدم خدماته، وتدفع فواتيره، وتربي أبناءك في مدارسه، وتمشي في شوارعه.
عقدة “أنا مؤقت”
كثير من القادمين الجدد يعيشون بعقلية الانتظار.
طالب يقول: “أنا هنا سنة واحدة.”
طبيب يقول: “أنا في تدريب، وسأرى لاحقاً.”
أسرة تقول: “نحن لم نستقر بعد.”
لاجئ أو مقيم جديد يقول: “لا أريد أن أظهر كثيراً.”
وشخص آخر يقول: “السياسة في بلادنا كانت باب خوف، فلماذا أفتح هذا الباب هنا؟”
وهكذا يعيش الإنسان سنواته الأولى في بريطانيا مثل شخص يقف عند طرف الغرفة. يرى الكراسي، ويسمع النقاش، ويفهم أن القرارات تُتخذ، لكنه يبقى قريباً من الباب، مستعداً للخروج، غير واثق أن له مكاناً في الداخل.
لكن السؤال ليس: هل ستبقى في بريطانيا إلى الأبد؟
السؤال هو: هل ستعيش هنا زمناً يكفي لأن تتأثر؟
إن كنت ستتأثر بالسكن، والتعليم، والصحة، والضرائب، والإعلام، والشرطة، والمدرسة، ونظرة المجتمع إليك، فأنت داخل السياسة بالفعل. والاختيار الحقيقي ليس بين أن تكون سياسياً أو غير سياسي؛ بل بين أن تكون فاعلاً أو مفعولاً به.
السياسة ليست فقط صندوق الاقتراع
من أكبر أخطاء القادمين من عالم عربي مضطرب سياسياً أنهم يتخيلون السياسة شيئاً واحداً: الحكم، الأحزاب، الصراع، الخوف، الأمن، المعارضون، الموالون.
لكن الحياة السياسية في بريطانيا أوسع من ذلك بكثير.
هناك المجلس المحلي وهناك النائب البرلماني.
هناك المدرسة وهناك مجلس الآباء.
هناك الاستشارة العامة consultation.وهناك العريضة petition.
هناك الإعلام المحلي وهناك اتحاد الطلاب.
وكل هذا حضور صغير، متكرر، محترم، يصنع أثراً مع الزمن.
قد لا تستطيع أن تصوّت، لكنك تستطيع أن تعرف من يمثّل منطقتك. موقع الحكومة البريطانية يتيح لأي شخص أن يعرف أعضاء المجلس المحلي وطرق التواصل معهم بإدخال الرمز البريدي. هذه ليست معلومة إدارية صغيرة؛ إنها أول خريطة للخروج من العزلة. كم من مغترب يعرف اسم رئيس الوزراء، لكنه لا يعرف اسم النائب المحلي المسؤول عن الشارع الذي يسكن فيه؟
كم من أب يتابع أخبار بلده الأصلي ساعة بعد ساعة، لكنه لا يعرف من يقرر خدمات الحي الذي يذهب إليه ابنه كل صباح؟
كم من أم تشتكي من مشكلة في المدرسة، لكنها لا تعرف أن هناك طرقاً رسمية للكتابة، والمتابعة، والتصعيد، والحضور؟
السياسة تبدأ أحياناً من معرفة الباب الصحيح.
من الشكوى إلى الرسالة
في كثير من بلادنا، اعتدنا أن الشكوى إما أن تكون صرخة، أو واسطة، أو يأساً.
نشكو في البيت وفي المسجد وعلى الهاتف.
ثم لا نكتب شيئاً. لا نوثق و لا نرسل ولا نتابع شيئاً.
لكن في بريطانيا، جزء كبير من الفاعلية يبدأ بتحويل المشاعر إلى لغة مؤسسية.
بدلاً من أن تقول:
“المدرسة لا تفهم أبناءنا.”
اكتب:
“نود أن نطلب اجتماعاً لمناقشة كيفية دعم الأطفال الذين يتعرضون لتعليقات دينية أو عرقية، وما هي سياسة المدرسة في تسجيل هذه الحوادث ومتابعتها.”
بدلاً من أن تقول:
“المجلس لا يهتم بنا.”
اكتب:
“نطلب توضيحاً حول خطة المجلس لتحسين الإضاءة والأمان في هذه المنطقة، خاصة مع استخدام العائلات والأطفال لهذا الطريق مساءً.”
بدلاً من أن تقول:
“الإعلام يكرهنا.”
اكتب رسالة إلى الصحيفة المحلية، أو ادعُ صحفياً إلى فعالية مجتمعية، أو انشر قصة خدمة حقيقية، أو ساعد على أن يرى الناس وجهاً آخر للجالية.
السياسة ليست فقط أن تغضب بل السياسة أن تعلّم غضبك كيف يكتب.
العريضة: حين يتحول الصوت الصغير إلى رقم مرئي
من الأدوات التي لا يعرفها كثير من المقيمين أن موقع عرائض الحكومة والبرلمان يسمح بإنشاء أو توقيع عرائض تطلب تغيير قانون أو سياسة حكومية. إذا وصلت العريضة إلى 10,000 توقيع تحصل على رد من الحكومة، وإذا وصلت إلى 100,000 توقيع تُنظر لإمكانية مناقشتها في البرلمان.
هذه المعلومة تكسر وهماً كبيراً. ليس صحيحاً أنك لا تملك شيئاً حتى تحصل على الجنسية. نعم، لا تملك كل الأدوات، ولا ينبغي أن نبالغ أو نبيع وهماً. لكنك لا تعيش بلا أدوات. لديك مفاتيح صغيرة: توقيع، رسالة، حضور، سؤال، عريضة، شهادة، مشاركة في نقاش عام، دعم لحملة عادلة، تأثير في ناخب، وتربية أبناء على الفهم. والسياسة في كثير من الأحيان لا تتحرك بضربة واحدة كبيرة، بل بتراكم الأصوات الصغيرة حتى تصبح مرئية.
الاستشارات العامة: السياسة قبل أن تصبح قراراً
في بلاد كثيرة، يأتي القرار كليلٍ بلا نافذة. تسمعه بعد أن يقع. تقرأه بعد أن يُفرض. تتألم منه بعد أن يصير واقعاً.
أما في بريطانيا، فبعض القرارات تمر قبل صدورها بمرحلة تسمى consultation: استشارة عامة. تنشر الحكومة أو الجهة العامة الأسئلة، وتفتح الباب للردود، ثم تُجمع الآراء قبل اتخاذ القرار أو تعديله. لا يوجد شكل واحد للرد، لكن الاستشارات الحكومية تُنشر غالباً على الإنترنت، وقد تستمر بعض استشارات التخطيط 21 يوماً، بينما استشارات الحكومة البريطانية كانت تقليدياً تمتد نحو 12 أسبوعاً.
وهنا تظهر الفجوة بين المقيم الصامت والمقيم الفاعل. المقيم الصامت يسمع بالقرار بعد أن يكتمل. المقيم الفاعل يبحث عن الباب وهو نصف مفتوح. قد تكون الاستشارة عن مدرسة، أو تخطيط عمراني، أو خدمات صحية، أو حماية مجتمعية، أو سياسة محلية. وربما لا يغيّر ردك وحده القرار، لكن غيابك الكامل يعني أن ملف القرار خلا من صوتك، ومن تجربتك، ومن أثره عليك.
وأحياناً لا نحتاج أن نصرخ: “لماذا لم يسمعونا؟”
بل نحتاج أن نسأل بصدق: “هل تكلمنا في المكان الذي كانوا يستمعون فيه؟”
حين تطرق السياسة باب المسجد
هناك أيام تكشف للإنسان أن السياسة ليست ترفاً فكرياً. في صيف 2024، بعد مقتل ثلاث فتيات في Southport وانتشار ادعاءات كاذبة على وسائل التواصل، شهدت بريطانيا موجة اضطرابات ومظاهرات معادية للهجرة بين 30 يوليو و7 أغسطس. بعض هذه المظاهرات استهدف مساجد وفنادق يُعتقد أنها تؤوي طالبي لجوء، وارتبطت بأجواء تحريض ومعلومات مضللة.
في مثل هذه اللحظات، لا تعود السياسة نقاشاً بين أحزاب فقط وإنما تصبح صوت زجاج يُكسروتصبح أمّاً تشد يد طفلها أسرع في الشارع. تصبح شاباً يفتح هاتفه في الليل فيرى شائعة تكبر مثل نار وتصبح إماماً يسأل: هل نزيد الإضاءة حول المسجد؟
بل وتصبح أنت أباً يشرح لابنه لماذا يكرهنا بعض الناس رغم أنهم لا يعرفوننا.
ثم تأتي الأرقام لتقول إن الخوف لم يكن خيالاً. في إحصاءات جرائم الكراهية في إنجلترا وويلز للسنة المنتهية في مارس 2025، ارتفعت الجرائم الدينية المسجلة ضد المسلمين بنسبة 19%، من 2,690 إلى 3,199 جريمة، مع قفزة واضحة في أغسطس 2024 مرتبطة بما تلا أحداث Southport من اضطرابات.
هذه الأرقام لا ينبغي أن تدفعنا إلى الانكماش بل على العكس: إلى الحضور. لأن المجتمع الذي لا يُرى إلا وقت الأزمة، يترك صورته للآخرين يتخيلونها كما يشاؤون. والمجتمع الذي لا يتكلم إلا عندما يخاف، يصل صوته متأخراً. أما المجتمع الذي يحضر قبل الأزمة، ويخدم قبل الأزمة، ويبني علاقات قبل الأزمة، فإنه حين تأتي الأزمة لا يبدأ من الصفر.
لا رومانسية سياسية
ينبغي أن نكون صادقين: بريطانيا ليست مدينة فاضلة. النظام فيه ظلم، وتفاوت، وعنصرية، ومصالح حزبية، وإعلام منحاز أحياناً، وبيروقراطية متعبة، وأبواب لا تُفتح بسهولة. وحتى الثقة في السياسيين داخل بريطانيا نفسها ليست عالية. تقرير برلماني نُشر عام 2025 أشار إلى أن بيانات British Election Study أظهرت ارتفاع نسبة من لديهم ثقة منخفضة أو معدومة في النواب من 54% عام 2014 إلى 76% عام 2024.
لذلك، لا نقول للمغترب: تعال إلى نظام كامل.
بل نقول له: تعال إلى نظام له أدوات. تعلّمها قبل أن تحكم عليها. استخدمها قبل أن تيأس منها. افهمها قبل أن تنسحب منها، فليس المطلوب أن تؤمن أن كل شيء عادل. المطلوب أن تعرف كيف تتحرك عندما لا يكون عادلاً.
ذاكرة Windrush: حين لا تكفي الإقامة وحدها
في تاريخ الهجرة إلى بريطانيا قصة مؤلمة اسمها Windrush. هي ليست قصة بعيدة عن موضوعنا، بل ظلّ طويل خلف كل حديث عن الهجرة والحقوق والصوت.
تقرير Windrush Lessons Learned Review، الذي قُدّم إلى البرلمان في 19 مارس 2020، وثّق دروساً قاسية عن أناس عاشوا في بريطانيا لعقود، ثم وجد بعضهم نفسه في مواجهة نظام لم يعترف بسهولة بحقوقه، بسبب سياسات وأخطاء مؤسسية ووثائق مفقودة وقرارات قاسية. الدروس هنا لا تعني أن كل مغترب سيواجه المصير نفسه.لكنها تقول شيئاً عميقاً:
لا يكفي أن تعيش في بلد. يجب أن تفهم أوراقك، وحقوقك، وطرق الاعتراض، ومنظمات الدعم، وكيف ترفع صوتك قبل أن تضيق الدائرة حولك.
الغربة لا تكون فقط في اللغة والطعام والطقس. أحياناً تكون الغربة أن تعيش سنوات في نظام لا تعرف كيف تخاطبه.
المقيم الفاعل: صورة جديدة للمغترب
تخيل طبيباً عربياً يدخل المستشفى قبل الفجر. يعرف كيف يقرأ ضغط الدم، وتخطيط القلب، ونتائج التحاليل. يعرف البروتوكولات، والأدوية، ومتى يتصل بالاستشاري. لكنه يعود إلى بيته مساءً ولا يعرف من يمثّل منطقته، ولا كيف يكتب إلى المجلس المحلي، ولا كيف يحضر اجتماعاً عاماً.
قد يكون الإنسان قادراً على قراءة جسد مريض، لكنه عاجز عن قراءة جسد المدينة التي يعيش فيها.
وتخيل أماً تقف عند بوابة المدرسة في برد الصباح يد طفلها في يدها. تبتسم للأمهات، لكنها تشعر أن بينها وبين النظام زجاجاً شفافاً: ترى كل شيء، ولا تعرف كيف تدخل. تصلها رسائل من المدرسة، فتترجم الكلمات، لكنها لا تترجم المعنى السياسي الخفي: أن المدرسة ليست فقط مكان تعليم، بل ساحة انتماء، وحماية، وتمثيل، وحوار، وشراكة.
وتخيل طالباً جاء لعام واحد. يقول: “أنا عابر سبيل.” لكنه في هذا العام قد يرى قضية تخص السكن، أو حرية التعبير، أو الصلاة، أو التمييز، أو الرسوم، أو الصحة النفسية. سنة واحدة في جواز السفر قد تكون قصيرة، لكنها في تكوين الوعي ليست قصيرة أبداً.
المقيم الفاعل ليس من يتحول إلى سياسي محترف. هو فقط من يرفض أن يكون ظلاً.
يعرف أين يذهب. يعرف كيف يسأل. يعرف كيف يكتب. يعرف متى يحضر. يعرف كيف يتعاون مع غيره. يعرف أن الشكوى إذا لم تخرج من الغرفة ستبقي بخاراً مؤقتاً على زجاج النافذة.
التأثير في الناخبين: صوتك قد يمر عبر غيرك
حتى إن لم تملك حق التصويت، فقد تملك قدرة على التأثير في من يصوّت. الابن الذي لا يحق له الانتخاب قد يشرح لوالديه كيف يسجلان. الزوجة التي لا تملك الجنسية قد تذكّر زوجها بموعد التصويت. المقيم الجديد قد يصمم منشوراً توعوياً. الطالب قد يدير نقاشاً في المجتمع. الإمام أو المربي قد يشرح قيمة المسؤولية العامة دون أن يتحول المنبر إلى دعاية حزبية. المركز الإسلامي قد يدعو المرشحين ليسألهم الناس أسئلة محترمة عن التعليم، والكراهية، والسكن، والخدمات، وحماية الحريات.
فالسياسة لا تسمع من كان غاضباً في البيت. ولا تحسب من كان متعاطفاً في قلبه. إنها ترى من حضر، ومن كتب، ومن وقّع، ومن نظّم، ومن صوّت، ومن جعل صوته يصل.
وفي انتخابات 4 يوليو 2024 العامة، كانت نسبة المشاركة 59.7% فقط، وهي من أدنى نسب المشاركة الحديثة. هذه الحقيقة تعني أن الغياب نفسه يصنع السياسة، وأن من يحضرون وينظمون أنفسهم يكون لهم وزن أكبر مما يتخيلون.
من الجالية الصامتة إلى المجتمع الحاضر
في تعداد 2021 في إنجلترا وويلز، بلغ عدد من وصفوا أنفسهم بأنهم مسلمون 3.9 مليون شخص، أي 6.5% من السكان، بعد أن كانوا 2.7 مليون، أي 4.9% عام 2011.
لكن العدد وحده لا يكفي. العدد بلا حضور مثل ظل كبير بلا جسد. تراه الشمس، ولا يصافحه أحد، والوجود السكاني لا يتحول تلقائياً إلى تأثير، ظل وإنما يتحول إلى تأثير عندما يكون هناك وعي، ومؤسسات، وقيادات ناضجة، وشباب مدربون، ونساء حاضرات، ومهنيون يكتبون، وآباء يحضرون، ومراكز تفتح أبوابها، وعلاقات محترمة مع الجيران والكنائس والمدارس والمجالس والشرطة والإعلام.
ولا يعني هذا الذوبان ولا يعني التخلي عن الدين أو الهوية. بل يعني العكس: أن تحمل هويتك بثقة كافية لتدخل بها المجال العام، لا أن تخبئها في غرفة مغلقة ثم تشتكي أن الناس لا يعرفونك.
أدوات عملية للمغترب من أول سنة
ليست البداية صعبة كما نتصور.ابدأ بخمس خطوات صغيرة:
- اعرف اسم councillor في منطقتك.
- اعرف اسم MP لدائرتك.
- تابع موقع المجلس المحلي.
- احضر اجتماعاً عاماً واحداً في السنة على الأقل.
- اكتب أول رسالة رسمية محترمة في قضية حقيقية تخصك أو تخص مجتمعك.
ثم وسّع الدائرة:
- شارك في اجتماع المدرسة.
- تطوع في نشاط محلي.
- وقّع عريضة تفهمها.
- ردّ على consultation عندما تمَسَّك مباشرة.
- ادعم حملة ضد الكراهية أو الفقر أو العزلة أو ضعف الخدمات.
- علّم أبناءك أن السؤال المحترم قوة.
- احفظ أوراقك.
- وثّق مشاكلك.
- لا تترك كل شيء للانفعال الشفوي.
السياسة العملية لا تبدأ بخطبة كبيرة بل قد تبدأ أحياناً برسالة بريد إلكتروني عنوانها واضح، ولغتها محترمة، وطلبها محدد.
لا تحمل عجز نظام قديم إلى بلد جديد
من أكثر ما يؤلم في تجربة بعض المهاجرين أنهم يخرجون من بلاد قُتل فيها الأمل السياسي، ثم يحملون الجنازة معهم.
يعيشون في بريطانيا بعقلية: “لا أحد يسمع.” “كلهم مثل بعض” “لا فائدة” “ابق بعيداً عن السياسة” “نحن ضيوف” “لا تفتح على نفسك باباً.”
وهذا مفهوم نفسياً. فالإنسان لا يخرج من تجاربه القديمة عند ختم الجواز. يخرج بجسده، لكن ذاكرته تسافر معه: ذاكرة الخوف، والواسطة، والفساد، والانتظار، والهمس، والكلام نصف المسموع. لكن على المغترب أن يتعلم درساً جديداً:
لا تُسقط عجز نظام سابق على نظام جديد قبل أن تتعلم كيف يعمل. ولا تحكم على باب قبل أن تعرف أين مقبضه.
قد لا يفتح الباب من أول طرقه. وقد تحتاج أن تطرق أكثر من مرة. وقد تحتاج أن تأتي مع غيرك. وقد تحتاج أن تكتب بلغة أفضل، وبدليل أوضح، ومطلب أكثر تحديداً. لكن هذا كله مختلف عن العجز.
الخروج من الهامش
الهامش ليس مكاناً جغرافياً. الهامش حالة نفسية. قد تعيش في قلب لندن أو برمنغهام أو نيوكاسل، ومع ذلك تعيش على الهامش؛ لأنك لا تعرف من يخاطبك، ولا من يخدمك، ولا من يقرر حولك، ولا كيف تسأل، ولا كيف تعترض، ولا كيف تشكر، ولا كيف تبني علاقة.
وقد تعيش في مدينة صغيرة، لكنك داخل الحياة العامة؛ لأنك حاضر في المدرسة، معروف في الحي، متطوع في مشروع محلي، تكتب عند الحاجة، تحضر عند الأزمة، وتبني صورة نظيفة عن نفسك ومجتمعك.
الهامش ليس أن لا تملك الجنسية. الهامش أن تعيش بلا أثر.
الخاتمة: قبل الجنسية، وبعدها
ليس المطلوب من المغترب أن يتحول إلى سياسي محترف، ولا أن يحمل همّ البلاد كلها فوق كتفيه، ولا أن يدخل في معارك لا يفهمها، ولا أن يستبدل صراع الغربة بغربة الصراع.
المطلوب أبسط وأعمق:
أن يخرج من الظل، أن يعرف أبواب البلد الذي يعيش فيه، أن يحوّل خوفه إلى معرفة، وشكواه إلى رسالة، وغربته إلى حضور، وإقامته المؤقتة إلى أثر يبقى بعده.
فقد لا تبقى في بريطانيا حتى تحصل على الجنسية، لكنك ستبقى فيها زمناً يكفي لأن تترك صورة: عن نفسك، وعن دينك، وعن لغتك، وعن الجالية التي تنتمي إليها. وقد لا تملك ورقة التصويت اليوم، لكنك تملك ما قبلها: الوعي، والكلمة، والحضور، والعلاقة، والسؤال، والتربية، والتأثير.
السياسة ليست فقط حق من يضع ورقة في الصندوق. السياسة أيضاً حق من يرفض أن يعيش في بلد لا يعرف أبوابه. ومن عرف الأبواب، لم يعد غريباً بالكامل. ومن طرقها بأدب وثبات، لم يعد هامشاً. ومن علّم أبناءه ومن حوله كيف يدخلون منها، فقد بدأ قبل الجنسية في صناعة مواطنين لا يُفعل بهم فقط، بل يشاركون في صناعة ما يحدث حولهم.
الرابط المختصر هنا ⬇