مشروع إسقاط بولانسكي: كيف استُخدمت اتهامات معاداة السامية ضد زعيم الخضر اليهودي؟
بينما أكتب هذه السطور، تُظهر نتائج الانتخابات المحلية في أنحاء إنجلترا مكاسب هائلة لحزب “ريفورم” اليميني المناهض للهجرة، في حين تكبّد حزب العمال بقيادة كير ستارمر خسائر كبيرة. كما خسر المحافظون العديد من المقاعد، بينما حقق حزب الخضر اليساري تقدماً ملحوظاً.
تكشف هذه الانتخابات أن نظام الحزبين قد مات، لكن البلاد تتجه نحو حكومة من اليمين المتطرف. كيف وصلنا إلى هنا؟
في أي ديمقراطية فاعلة، يُعدّ التدقيق في الأحزاب السياسية وقادتها المهمة الطبيعية والمشروعة لوسائل الإعلام.
غياب هذا التدقيق قد يؤدي إلى انتخاب حزب من دون أن يعرف الناخبون حقائق أساسية عنه، وعن سياساته، والأهم عن مموليه. يكفي النظر إلى حزب العمال بقيادة كير ستارمر؛ فقد حصل على معاملة سهلة إعلامياً، ثم اكتشف الناخبون لاحقاً حقيقته.
لكن هناك لحظة يتحول فيها التدقيق إلى حملة منظمة لإسقاط شخصية سياسية عبر الاغتيال المعنوي.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدنا حملة من هذا النوع موجهة ضد رجل واحد: زاك بولانسكي.
الزعيم المنتخب حديثاً لحزب الخضر في إنجلترا وويلز قاد موجة صعود سياسي نقلت الحزب من كيان صغير إلى المرتبة الثانية أو الثالثة في استطلاعات الرأي الوطنية، مساهماً، إلى جانب الصعود الدراماتيكي لحزب “ريفورم”، في قلب نظام الحزبين الذي استمر قرناً كاملاً.
فعلى مدى عقدين، حظي نايجل فاراج بحملة دعاية مجانية متواصلة من قطاعات في الصحافة اليمينية، وكذلك من هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.
ويكشف التباين في طريقة تعامل الإعلام مع زعيم “ريفورم” نايجل فاراج الكثير. فظهوره المتكرر في برنامج “بي بي سي كويستشن تايم” مثال واضح على عشق الإعلام التقليدي لزعيم اليمين الشعبوي. وقد بدا هذا الدعم الإعلامي أكثر وضوحاً في عام 2024 عندما أصبح من الواضح أن المحافظين انتهى أمرهم سياسياً.
في المقابل، نادراً ما يُسمح لقيادات اليسار بالظهور، كما أن التغطية الإعلامية لهم تكاد تكون عدائية بالكامل. أما فاراج، فقد جرت الأمور في صالحه في معظم الأحيان.
ثم ظهر لاعب سياسي جديد يجيد التعامل مع الإعلام، لكن هذه المرة من اليسار.
عاصفة إعلامية

احتضن بولانسكي الإعلام منذ فوزه الساحق بقيادة الحزب في سبتمبر الماضي، مستخدماً مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية كبيرة، ومستغلاً كل فرصة للحديث مع القنوات الكبرى، في مواجهة محاولاتها المستمرة لتقويضه.
قبل عقد من الزمن، أدى الفوز المفاجئ لجيريمي كوربن بزعامة حزب العمال إلى مرحلة من الاضطراب السياسي، ترافقت مع هجمة إعلامية منظمة ضد الزعيم اليساري. وفي النهاية، كانت تهمة “معاداة السامية” داخل حزب العمال بقيادة كوربن هي السلاح الأكثر فاعلية الذي استخدمه خصومه من المؤسسة السياسية؛ إذ جرى تصوير الرجل المعروف طوال حياته بمناهضته للعنصرية على أنه عنصري، بشكل يومي ومتواصل، حتى تحولت الرواية إلى “حقيقة” مقبولة.
واليوم، تبدو استراتيجية خصوم بولانسكي وصعوده اليساري داخل حزب الخضر شبه مطابقة: اتهام الزعيم اليهودي الوحيد في بريطانيا بأنه صديق للإسلاميين، ويقود حزباً مليئاً بمعاداة السامية.
بل إن بولانسكي، أكثر من كوربن، يواجه عاصفة التدقيق الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي بشجاعة، مدافعاً عن مواقفه، ورافضاً الخضوع للأطر السلبية التي يفرضها الإعلام، ومواصلاً الدفع بأجندة حزب الخضر الجريئة، التي تشمل ضرائب على الثروة، وضبط الإيجارات، وتأميم المرافق الكبرى، ومعارضة ما يصفه الحزب بالإبادة الإسرائيلية في غزة.
وقد تصاعدت حدة حملة الاغتيال المعنوي ضده في الأيام التي سبقت انتخابات الخميس المحلية وانتخابات المجالس، وتخللتها مظاهر واضحة من معاداة السامية ضد الزعيم اليهودي، أبرزها الرسوم الكاريكاتورية الفجة التي أعادت إلى الأذهان ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي نشرتها صحف مثل “ذا تايمز”.
والمفارقة المشوهة هنا أن وسائل إعلام تتهم بولانسكي بمعاداة السامية، بينما تستخدم ضده صوراً ونمطيات معادية لليهود، تكشف مدى فجاجة وعدم صدق هذه الحملة.
ويفترض أن تكون هذه رسالة للناخبين: فطبقة المليارديرات وإعلامها تخشى حزب الخضر لأنه قد يتحدى ثروتها ونفوذها.
هجمات لا تتوقف

اعترف بولانسكي بأخطاء ارتكبها على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل مشاركته منشوراً ينتقد ضابطاً في شرطة العاصمة كان يركل المهاجم في جولدرز جرين، أو المبالغة – بحسب ما قيل – في وصف دوره التمثيلي لصالح مؤسسة خيرية قبل سنوات عديدة.
كما لجأت وسائل الإعلام إلى نبش مخالفات قديمة وتافهة، بعدما استنفدت قصة نسقتها صحيفة “ذا صن” حول “قدرته على تنويم النساء مغناطيسياً لتكبير الصدر”.
وقاد وزير العمل المحسوب على تيار بلير، ستيف ريد، حملة مطاردة تشبه تلك التي استهدفت اليساريين داخل حزب العمال، لكن هذه المرة ضد حزب الخضر، ما أدى إلى اعتقال اثنين من مرشحي الحزب في لندن بتهم تتعلق بخطاب كراهية معادٍ للسامية. ومع ذلك، لم يمنع هذا حزب الخضر من انتزاع معقل حزب العمال في هاكني شرق لندن.
ولن تتوقف هذه الهجمات. وربما تنجح بعض هذه الاتهامات مع فئة من الناخبين الذين لم يكونوا ميالين أصلاً للتصويت للخضر. لكن أجواء الكراهية والسمّية التي تخلقها هذه الحملة خطيرة، وتمنح الآخرين مبرراً لاستهداف متطوعي الحزب.
فالاستراتيجية المستخدمة ضد صعود نسخة بولانسكي اليسارية من حزب الخضر تكاد تكون مطابقة لما استُخدم ضد كوربن: اتهام الزعيم اليهودي الوحيد في بريطانيا بقيادة حزب معادٍ للسامية.
وقد تعرض كوربن تماماً للمعاملة نفسها، وكانت شعبيته الشخصية كزعيم دائماً سلبية، وهو أمر غير مفاجئ في ظل الهجوم الإعلامي الموحد ضده. ومع ذلك، تمكن من حصد 40 بالمئة من الأصوات في انتخابات عام 2017.
ويستطيع بولانسكي أن يستمد القوة من هذه التجربة، وأن يتعلم من أخطاء حزب العمال في عهد كوربن: لا تقبلوا بالرواية الإعلامية، لا تعتذروا إلا إذا كان هناك ما يستوجب الاعتذار، وواصلوا طرح السياسات التي تؤمنون بها، وهي نفسها التي تجعل المؤسسة الحاكمة تكرهكم. لا تختبئوا.
إن التدقيق في المرشحين بسبب معاداة السامية أو العنصرية أمر ضروري. أما تصفية المرشحين بناء على حملات تشويه إعلامية بسبب انتقادهم لإسرائيل، فليس كذلك.
ومع اجتياح حزب “ريفورم” الآن مناطق واسعة من إنجلترا في الانتخابات المحلية، وتراجع حزب العمال بشكل كبير، فإن الحزب المناهض للهجرة والمدعوم من صناعة الوقود الأحفوري بات المرشح الأوفر حظاً لقيادة أول حكومة يمينية متطرفة في بريطانيا بحلول عام 2029.
لكن حزب الخضر، بالتحالف مع قوى تقدمية أخرى، وربما مع حزب عمال ما بعد ستارمر بعد تخليه عن نزعته البليرية التدميرية، قد يتمكن من إيقاف ذلك.
المصدر: ميدل إيست آي
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇