هزيمة اليمين في المجر..وفرص انحساره أوروبيا
مع الهزيمة المدوية التي لحقت برئيس الحكومة فيكتور أوربان في الانتخابات العامة في المجر، تنفست أوروبا الصعداء والتقطت أنفاسها، بعد أشهر من الخوف والقلق من سيناريو عودة الزعيم المجري الأكثر شعبوية في أوروبا. فأوربان الذي مني بهزيمة مدوية في الانتخابات، كان يبدو كمن يقف على طرفي نقيض مع كل أوروبا في سياساته الداخلية المناهضة لليبرالية والديمقراطية، وفي سياساته الخارجية المثيرة للجدل، سواء لانتقاداته الحادة وتشكيكه في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، أو لجهة احتفائه بصداقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي نفس الوقت قربه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب علاقة صداقة استثنائية مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وهؤلاء الثلاثي لم يوفروا فرصة لتأكيد دعمهم غير المتحفظ لأوربان خلال حملته الانتخابية. هذا ويعتبر أوربان الزعيم الأوروبي الوحيد الذي استقبلت بلاده نتنياهو رغم مذكرة الاعتقال الصادرة في حقه من الجنايات الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
هذا ويفتح فوز بيتر ماغيار صفحة جديدة في المجر، كما يعزز على المستوى الخارجي تمساك مواقف الاتحاد الأوروبي ويخفف من حدة الانقسامات الأوروبية سواء في العلاقة بروسيا، ودعم أوكرانيا أم في العلاقة بترامب.

فبهزيمة الشعبوية في المجر يتعزز تراجع التيار الشعبوي اليميني في أوروبا تباعا، هذا التيار الذي ترى فيه المؤسسات الأوروبية خطرا على الاستقرار في القارة، وعلى القيم الديمقراطية والتعدد الثقافي، والليبرالية في القارة. لذلك لم يكن مفاجئا أن نرى حجم الاحتفاء في الدوائر الرسمية للبلدان الأوروبية بفوز زعيم المعارضة المجرية بيتر ماغيار بالانتخابات، إذ تهاطلت عليه الاتصالات بالتهاني والدعم من الزعماء الأوروبيين.
فمع نتائج الانتخابات المجرية تتزايد المؤشرات على بداية انحسار للشعبوية التي بدت خلال السنوات القليلة الماضية مهددة للقيم الأوروبية وللنظم السياسية الليبرالية. فقد سبق حدث هزيمة أوربان، نتائج مماثلة في عواصم أوروبية أخرى. فبعد الانتخابات الهولندية التي جرت في نوفمبر من العام الماضي 2025 وتراجع فيها اليمين المتطرف بشكل لافت، أثارت النتائج دون المتوقعة التي حصل عليها حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا اهتماما واسعا، وبعثت نوعا من الارتياح في الأوساط الفرنسية والأوروبية. إذ رأوا في النتائج مؤشرات على بداية انحسار زخم الشعبوية واليمين المتطرف. بينما نجحت قوى محسوبة على الوسط في تحقيق نتائج مثيرة للاهتمام، بينها الفوز بمنصب عمدة العاصمة باريس.
وتزامن هذا الحدث الانتخابي في فرنسا بحدث مماثل في إيطاليا صوّت فيه الإيطاليون في استفتاء بـ “لا” رافضين مشروع إصلاح قضائي مثيرا للجدل طرحته رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، ومثل رسالة واضحة لائتلافها اليميني. ورفض الناخبون الإيطاليون بنسبة 54 بالمائة التعديلات الدستورية التي تهدف إلى فصل المسارات المهنية للقضاة ومسؤولي الادعاء العام.

وتتوّج الانتخابات العامة في المجر هذا المزاج الانتخابي الأوروبي الذي ينزاح بعيدا عن التيارات الشعبوية واليمينية والتي يُنظر إليها كخطر يهدد النمط المجتمعي والسياسي للقارة الأوروبية. وتكمن أهمية نتائج الانتخابات المجرية، في أنها أطاحت بأبرز رموز الشعبوية في أوروبا فيكتور أوربان الذي سيطر على الحكم لمدة 16 عاما، مكرسا سياسات شعبوية أوتوقراطية، قوّضت إلى حد كبير القيم الديمقراطية والليبرالية، والمؤسسات المنبثقة عنها. وتحوّل النظام السياسي إلى نظام يتحكم فيه أوربان ودائرة مقربة منه، تسيطر على مفاصل الدولة، وسط فشل اقتصادي واجتماعي متفاقم، كان أحد العوامل الأساسية في هزيمته في الانتخابات العامة التي جرت في 11 أبريل المنقضي.
لا شك أن الانتخابات المجرية ستحفز القوى الوسطية في أوروبا على التقاط هذه الهزيمة الانتخابية المدوية للشعبوية في المجر، من أجل محاصرة التيارات اليمينية في بقية بلدان الاتحاد. وستمثل المحطات الانتخابية المتتابعة فرصة لاختبار مدى قدرة هذه القوى الوسطية على تحجيم التيارات اليمينية والشعبوية في الانتخابات. إذ تبعث انتخابات المجر برسالة واضحة للقوى السياسية في أوروبا بأن مواجهة الشعبوية والتيارات اليمينية المتطرفة، لا تتم عبر تبني شعاراتها ومطالبها، على غرار العداء للمهاجرين وسياسات للهجرة متشددة، ولا بتبني سياسات غير ليبرالية بحجة الحفاظ على الهوية، وإنما بتكريس الشفافية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الديمقراطية، وتبني سياسات تنموية عادلة، وهي أمور فشلت فيها شعبوية أوربان على مدى 16 عاما.
تبعث الانتخابات المجرية أيضا برسالة واضحة وهي أنه يمكن للديمقراطية أن تصحح انحرافاتها وأخطائها، وأن تستعيد قيمها الأساسية، إذا بقيت الشعبوية تتحرك ضمن الإطار العام للديمقراطية، ولم تقوّض أسسها بالكامل، على غرار الحد الأدنى من الشفافية والمنافسة الحرة والنزيهة واحترام القانون. كما أن وجود المجر ضمن الإطار الأوروبي مثّل إلى حد كبير ضمانة بشكل أو بآخر للعملية الديمقراطية وشفافيتها. فأوربان رغم مواقفه وسياساته المثيرة للجدل في العلاقة بمؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلا أنه كان مستفيدا من الأموال التي يضخّها الاتحاد في الاقتصاد المجري. ويعتقد الكثير من المراقبين أنه لو كانت المجر خارج الاتحاد الأوروبي، لكان سيناريو تلاعب أوربان بالانتخابات وعدم الإقرار بنتائج الانتخابات سيناريو راجحا.

أثبتت تجربة المجر أن الشعبوية رغم شعاراتها المغرية وخطاباتها الجذابة ووعودها الانتخابية المثالية، إلا أنها تتجلى في الحكم، منظومة مغلقة، منفصلة عن الواقع، تميل للتحكم والسيطرة أكثر من الاستجابة لتطلعات الشعب في العدالة الاجتماعية والتنمية، وتضيق بالتعددية والمحاسبة، ما يسهّل انزلاقها للفساد والتحكم في حرية التعبير، للتصدي لمنتقديها ومعارضيها. وقد كاد أوربان يعيد المجر لمرحلة ما قبل الديمقراطية بسبب ما كرسه من منظومة حكم بسمات أوتوقراطية وليس ديمقراطية. فالسردية الشعبوية القائمة أساسا على التخويف، بوضع الشعب في مواجهة النخبة، والرجل القوي في مواجهة المؤسسات، والقومية الضيقة في مواجهة التعدد، والمحافظة الزائفة في مواجهة التحرر، هذه السردية لا تصمد أمام تحديات الواقع واستحقاقاته، بل عادة ما تنتهي خيبة أمل.
المؤكد أيضا أن هزيمة الشعبوية في المجر، لا تعني ضرورة أن بعض القضايا التي كانت سببا في صعودها مفتعلة أو مغلوطة، وإنما طرحها المغلوط وآلية معالجة تلك القضايا هي التي كانت تشوبها عيوب واضحة. فقضية الهجرة مثلا، قضية تبدو اليوم تفرض نفسها على كل القوى السياسية في أوروبا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مرورا بالقوى الوسطية. وهو الشأن نفسه بالنسبة لقضايا أخرى على غرار المنوال الاقتصادي والأسرة والتعددية الثقافية. فالمزاج العالمي كله اليوم في حالة رد فعل على العولمة وتداعياتها، وقضية الهوية الثقافية تعود بقوة للتداول العام. ومن ثمة فإن إلحاق الهزيمة بالشعبوية واليمين المتطرف في الانتخابات، يستتبعه ضرورة تقديم رؤية بديلة لمعالجة هذه القضايا المذكورة لعبت عليها التيارات الشعبوية للوصول إلى الحكم.
تمنح المؤشرات المتزايدة بتراجع الشعبوية الفرصة للقوى الرئيسية التقليدية في أوروبا، لاستعادة زمام المبادرة، تعززه ما تواجهه إدارة ترامب من مأزق بسبب مغامرة الحرب في الشرق الأوسط. إذ يعطي هذا المنحى في تراجع الشعبوية، الفرصة لأوروبا لاستعادة زخم فكرة “الاتحاد الأوروبي” التي تواجه تشكيكا متزايدا، وتراجع في ألقها وجاذبيتها، خاصة بعد مسار “بريكسيت”. كما تمثل التحديات الأمنية والدولية المتزايدة دوافع مهمة لأوروبا لتفعيل مؤسساتها واستكمال مسار تكاملها واندماج مؤسساتها، لا سيما منظومة دفاعية تبدو اليوم للقادة الأوروبيين أكثر من حيوية للدفاع عن الأمن القومي للقارة.
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇