العرب في بريطانيا | دينُ النّاس يُقضى يوماً… ودينُ الأم لا نَقوى عليه

دينُ النّاس يُقضى يوماً… ودينُ الأم لا نَقوى عليه

دينُ النّاس يُقضى يوماً… ودينُ الأم لا نَقوى عليه
أميرة عليان تبلو أبريل 27, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يمضي الزمنُ في صمتٍ مهيب، كأنّه ناسكٌ يجرُّ أذيال الأيّام خلفه دون أن يلتفت، وتتعاقب الفصول على وجوه الأشياء، فتبهت ملامح، وتُمحى آثار، وتُطوى صفحاتٌ ظنّها الناس يوماً لا تُطوى. في هذا المجرى الهادئ العميق، تنشغل الحياة بحساباتها الدقيقة؛ حقوقٌ تُسترد، وديونٌ تُقضى، وأيادٍ تمتدّ لتأخذ بقدر ما أعطت، أو تزيد قليلاً أو تنقص. كلّ شيءٍ يسير وفق ناموسٍ خفيّ من التوازن، كأنّ العالم ميزانٌ معلّق بين كفّتين، لا يهدأ حتى تستقيم كفّته.

غير أنّ في قلب هذا النظام الصارم، يكمن استثناءٌ مهيب، سرٌّ لا يخضع للموازين، ولا تناله المقاييس. دينٌ لا يُدوَّن في السجلات، ولا تُحدَّد له آجال، ولا تُرفع بشأنه دعاوى، ومع ذلك يبقى الأثقل حضوراً، والأعمق أثراً. إنّه ذلك الدين الذي لا يُطالب، لأنّه أعظم من أن يُطالَب، ولا يُقضى، لأنّه أوسع من أن يُقضى.

في البدايات الأولى، حيث لا يزال الوعي غضّاً، والحياة تُرى ببراءتها الخام، كان كلّ شيءٍ يبدو بديهياً إلى حدّ الإلغاء. الدفء يأتي بلا سبب، والطمأنينة تحفّ المكان كأنّها جزءٌ من تكوينه، والحنان ينساب في التفاصيل دون أن يُسمّى. هناك عطاءٌ يتكرّر بصمت، لا يلفت النظر لأنّه لا ينقطع، ولا يُثير الدهشة لأنّه دائم. كأنّ فيضه المستمرّ يُخفيه، فيغدو مألوفاً إلى درجة الغياب.

لكنّ الزمن، وهو يفتح أبوابه الخفيّة، يبدأ شيئاً فشيئاً في كشف ما كان مستوراً. تتسلّل التفاصيل من عتمتها، فتظهر على هيئة إشاراتٍ خافتة: تعبٌ يختبئ خلف ابتسامةٍ وادعة، سهرٌ طويل يتوارى في جنح الليل، قلقٌ يتخفّى كي لا يُقلق، وصبرٌ يمتدّ كأفقٍ لا يُرى آخره. هناك حضورٌ دائم، يقف على تخوم الخوف قبل أن يتشكّل، ويطفئه قبل أن يستعر. وهناك قلبٌ يتّسع لكلّ ما يضيق به العالم، كأنّه خُلق ليحمل ما لا يُحتمل.

ومع اتّساع الوعي، يتبدّل النظر؛ فما كان يُؤخذ على أنّه حقّ، يُرى فجأةً على أنّه فضل، وما بدا عادياً، ينكشف عن معجزةٍ يومية، كانت تُمارَس دون ضجيج. عند هذه العتبة، يبدأ الشعور الثقيل بالتشكّل؛ شعورٌ لا يشبه الندم، ولا يقتصر على الامتنان، بل يتجاوزهما إلى إدراكٍ مُربك: أنّ ثمّة ديناً تراكم بصمت، دون أن يُلحظ، حتى صار بحجم الحياة نفسها.

تحاول الروح أن تُرتّب هذا الإدراك، أن تُحوّله إلى أفعالٍ ملموسة، فتبدأ محاولاتٌ متتابعة، تتلوّن بأشكال الوفاء: كلمةٌ تُقال في موضعها، يدٌ تُمسك في لحظة ضعف، حضورٌ يملأ فراغاً، التفاتةُ حنانٍ تُرمّم صمتاً طويلاً. غير أنّ كلّ هذه الأفعال، على صدقها، تبدو كأنّها تدور في فلكٍ آخر، لا يمسّ جوهر ذلك الدين. كأنّ المسافة بين العطاء الأوّل وما يليه، ليست مسافة مقدار، وإنّما مسافة جوهر.

كلّما امتدّت اليد بالسداد، اتّسع الشعور بالعجز، وكلّما ارتفعت نبرة الوفاء، ازداد الصمت عمقاً. ليس لأنّ ما يُقدَّم قليل، ولكن لأنّ ما كان قد قُدّم في الأصل، لا يُقاس بشيء. كان عطاءً خالصاً من كلّ شائبة، منزوعاً من كلّ انتظار، لا ينتظر ردّاً ولا يُراهن على مقابل. عطاءٌ يشبه الفناء، حيث يذوب المعطي في ما يُعطي، حتى لا يبقى منه سوى الأثر.

وهنا يكمن السرّ؛ فكلّ دينٍ في العالم يقوم على معادلةٍ ما، على توازنٍ قابلٍ للتحقيق، أمّا هذا الدين، فقد وُلد خارج المعادلات. وذلك ليس لأنّه أعظم فحسب، وإنّما لأنّه من طبيعةٍ أخرى، طبيعةٍ لا تُجيد الحساب، ولا تعترف بالحدود. إنّه أشبه بنبعٍ لا ينضب، كلّما أُخذ منه، ازداد تدفّقاً، وكلّما اقتُرب منه، ازداد عمقاً.

في حضرة هذا الإدراك، تتبدّل وظيفة الوفاء. لم يعد السعي منصبّاً على السداد، لأنّ السداد صار وهماً بعيداً، ولكن على الاعتراف. الاعتراف بأنّ هذا الدين قائمٌ، وأنّه أكبر من أن يُحتوى، وأنّ حمله في القلب، على ثقله، هو نوعٌ من الامتنان. يصبح الوفاء هنا حالةً مستمرّة، لا تُقاس بنقطة نهاية، ولكن تُعاش كمسارٍ طويل، يمتدّ بامتداد العمر.

وتتشكّل في الداخل حساسيةٌ جديدة، ترى الأشياء بعمقٍ آخر؛ ترى في كلّ تعبٍ قديم بذرةَ حياة، وفي كلّ صبرٍ صامت أساسَ طمأنينة، وفي كلّ لحظة عطاءٍ منسيّة، ركناً من أركان الوجود. يصبح الماضي حيّاً، كقوّةٍ خفيّة، تُحرّك الحاضر وتُضيء دروبه.

ومع ذلك، يبقى هذا الدين صامتاً، لا يُذكّر بنفسه، ولا يفرض حضوره، كأنّه واثقٌ من مكانه، مستغنٍ عن الإعلان. غير أنّ صمته ليس غياباً، فهو امتلاء؛ امتلاءٌ يجعل كلّ محاولةٍ لاحتوائه ناقصة، وكلّ عبارةٍ في وصفه قاصرة. هو أشبه بسرٍّ كبير، كلّما اقترب منه الفهم، ازداد جلالاً وغموضاً.

وهكذا، تمضي الحياة بين نوعين من الديون: ديونٍ تُقضى فتُطوى صفحاتها، وأخرى لا تُقضى فتظلّ مفتوحةً على الأبد. الأولى تُريح، لأنّها تنتهي، والثانية تُثقل، لأنّها تبقى. لكنّ هذا الثقل ليس عبئاً خالصاً، المقصد بأنّه معنى؛ معنى يُذكّر بأنّ في الوجود ما يتجاوز الحساب، وما يسمو على المنطق.

فدينُ الناس، مهما تعاظم، يبقى قابلاً لأن يُختصر في لحظة وفاء، أو يُختم بخاتمة رضا. أمّا دينُ الأم، فليس له خاتمة، لأنّه ليس حكايةً تُروى حتى تنتهي، هو أصلُ الحكاية كلّها. هو البداية التي لا تُستعاد، والفضل الذي لا يُستوفى، والنور الذي كلّما امتدّ، كشف مزيداً من العتمة حوله.

إنّه الدين الذي لا يُقضى… لأنّه لم يُعطَ ليُقضى، ولكن يُعطى ليُقيم في القلب، شاهداً على معنى لا يزول، وحقيقةٍ لا تُختصر، وسرٍّ كلّما حاولت اللغة أن تُحيط به، أفلت منها، وبقي أعلى من البيان.


 

اترك تعليقا

التعليقات

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
"خيرُ الدُّعاء.. دعاء يوم عرفة" ✨ ساعاتٌ قليلة تفصلنا عن نفحات هذا اليوم العظيم؛ لنجعل من دعائنا فيه جسرًا لجبر أمتنا العربية والإسلامية، سائلين المولى عز وجل أن يتقبل صيامنا، ويعتق رقابنا من النار. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
بنسبة تقارب 13%.. صدمة جديدة تنتظر ملايين الأسر في بريطانيا بسبب أسعار الطاقة. 📈 تشير توقعات خبراء الطاقة بشركة «كورنوال إنسايت» إلى زيادة قاسية ومرتقبة في فواتير الغاز والكهرباء بنسبة تقارب الـ 13% خلال ثلاثة أشهر فقط. وبفعل اضطرابات أسواق…
𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
تعذيب، ضرب، وتجريد من الإنسانية.. نشطاء أسطول الصمود يصلون إلى تركيا بعد أيام من المعاناة والتعذيب على يد سلطات الاحتلال، معبّرين عن خيبة أملهم من العالم الذي يكتفي بمراقبة المشهد بصمت. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
رسائلكم المؤجلة ستنتظر.. البريد الملكي البريطاني خارج الخدمة اليوم.🚨 أعلنت شركة البريد البريطانية عن توقف تام لعمليات تسليم وجمع البريد في جميع الرموز البريدية بالمملكة المتحدة اليوم الإثنين 25 مايو، وذلك تزامنًا مع عطلة البنوك الربيعية (Spring Bank Holiday)، مستثنية…
عرض المزيد على X ←